طالب شحادة...لا داعي لتصنيم الشعراء السابقين

المدن - ثقافة

السبت 05/01/2019
لا تستطيع ان تسأل لماذا اخترت الولادة وأنت حي، أو الموت إن مت. أعني بما أن السؤال لم يكن: لم الكتابة؟ وقد كتبت في حالات معينة أشياء لا تحتويها إلا لفظة: شعر، فهذا أمر لم تكن لي يد في "اختياره"، باكراً على الأقل. أحياناً يشبه اختيار الشعر ويقترب من كونه حالة فيزيولوجية ما (حكة الجلد، التعرق، الأرق) إنما يعيها صاحبها كاملة حتى أقصاها ويعرفها ويحاورها ويوجهها وقد يدرسها؛ أعني ضرورية ونابعة منه.
عموماً، أنا أكتب والباقي لا شأن لي به.

أكتب للآخرين وأنا أول الآخرين.
أجد أن ليس لدي من طقوس للكتابة بقدر ما هناك طقوس للعيش. أقصد أن الأمر ليس بهذا النأي عن الحياة نفسها، مع ملاحظة أن أجهزة التواصل الالكترونية سمحت لنا في هذا العصر الكتابة من داخل علبة سردين، الكتابة كنوع من الغش أثناء الامتحانات، الكتابة في مجرى الحياة نفسها.

لكن متى يكتب الإنسان فعلاً؟ أقول حين لا يكون مشلولاً على الأقل. 
كيف أكتب؟ على مذكرة الهاتف ثم على الورق، ولا بأس بالكتابة على جلد امرأة جميلة. كيف يكتب النص، أراه العمل الأصعب دائماً والأشد خصوصية وحميمية.

لا أدري إن كان باستطاعتنا أن نسمي الضياع طريقاً، لكن على الأقل علينا أن نمشي، إن وصلت في مشيك إلى الشعر أو السجن أو المصح العقلي.

القراءة توأم الكتابة المختلف. كنت أقرأ ما يتوافر من كتب مدرسية وغيرها حتى قراءة العبارات على أبواب الحمامات. القراءة غير مقرونة باللغات والكتب فحسب. لذلك أحب أن أطالب كالشاعر التشيلي بمنحي نوبل للقراءة.

كنت أتابع المدهش والمتجاوز والمبتكر في أي مجال أدبي، يقودنا هذا إلى السؤال التالي: التأثر بكبار الشعر أم التمرد على سطوتهم؟ هما لا يتعارضان بقدر ما أن أحدهما سبب للآخر. أقول ليس الأمر دائماً ابتكاراً وجِدّة من قبل المتأثر أو المؤثر، قد يكون إعادة اكتشاف، خلق توليفات وصيغ غير جاهزة للنشاطات الذهنية وأشكال التعبير. كقارئ، أرى أنه ليس من المحبذ تصنيم الشعراء السابقين وتقديسهم، والتعاطي معهم كنوع من المخدرات الذهنية أو الجحود في حق تأثيرهم. أما ما أشكر عليه فعلاً أي كاتب عظيم، فهو منحي الجرأة دائماً، تأثيراً عبر النتاج أو الحياة او الفكر، أذكر منهم عرباً: الشعراء الصعاليك، الشعراء الزنادقة عادة، أبو العلاء المعري، شعراء حركات الستينات في لبنان والسبعينات في العراق، فوزي يمين وغيرهم. 
ومن أجانب: تريستان تزارا، ريلكه، نيكانور بارا، جيل البيت وغيرهم. 

آخر الدروس التي يجب على المعلم إعطاؤها: كيف تقتل معلمك. الأعمال الأدبية كلها متصلة متكاملة حتى انتهاء البشرية نفسها.

أعتقد ليس مِن قادر، بقَدَر الشعر، بين شتى الأجناس الأدبية، على التعبير باستمرار. وقد أثبت هذا بوجوده، حيث غابت الاشكال الاخرى، وحيث غاب العلم والفلسفة حتى، داخل الانسان أم خارجه، في الحالات الحسنة والسيئة على حد سواء، في السلم والحرب.
ليس تفاؤلاً، إنما هو واقع الأمر.
 
قصيدة:
يوميات نبي مطرود من العمل.
(لا كفالة لهذا النص، فكل شيء منتهي الصلاحية)

صاحب المقهى يخجل من طردي وأنا آخر الموجودين
قرابة الثانية ليلا، 
فيطفئ الضوء الذي فوقي ..لا أتحرّك
يطفئ الضوء على يميني .. لا أتحرك
يطفئ الضوء على يساري ..لا أتحرّك
وإذ يفقد الأمل، يقترب بحذر ويطفئني. 

فيفرُغ المقهى من الناس.. 
عائدا إلى البيت، على الطاولة تركت مع البقشيش قلبي للنادلة الجميلة. حاملا نفسي الى البيت، أضع قدمي أمام
الطريق لتتعثر فأسبقها، عظامي تشع وروحي سوداء كالعقيق يماني. نحيل كاللهب، منحني الظهر قليلا بسبب الضوء الذي أحمله على كتفي.

كنت أؤسس لعشب مندهش من ابتكارات خطوي
لا فاكهة لأشجار يدي غير السماء متفلتة كثور أزرق لانهائي..
أعود-كما قلت- إلى البيت سائقا حياتي كالسيارات، في الحقيقة أنا أنزل من حياتي وهي تسير وحدها كرا من دوني. لكن عفوا لم أعرفكم على نفسي بعد.

فلتعرفوني اذن؛
أنا كيس الحنان المفرط، وأنبوب اللعنه الطويل. أنا غسالة وساختكم وانا نقطة الزيت على القميص الابيض.

أنا سفير الذين لا نوايا لهم بتاتا، أنا عجقة السير في الحر دون مكيف، ولست أنا سيارة الاسعاف التي تفتحون لها الطريق بفزع. 

أنا القشة التي ينكّت بها الضجر أسنانه، وأنا القشة التي قسمت ظهر البعير شخصيا. 

أنا الإحراج الملبك لشخص لا يجد حماما قريبا في الأنحاء. أنا الصرصار الذي يدهسه العاشق في موقف بطولي أمام حبيبته. 

أنا البهلواني الذي يسير على حبل أفكاره - تحسب أنت ألف حساب لكل خطوة يخطوها بينما هو يسير فحسب. باختصار، أنا مزخرف شبابيك عزلة ونادل يمسح عيون الغبار عن طاولة الضجر، والمسؤول عن إنارة الكلمات في طريق السياق. 

أستند على الريح الأنثى ولا أريد منها غير الصدر أو الكتف. أجلس في الليل على أريكة البطالة الوثيرة، أعرف كثيرين يودون تفريجي على فائدتهم، يفرطون بوقتهم! إذ إنني لا أفرط ببطالتي مع أحد. 

أنظر الى الداخلين والخارجين من البنايات، يهيؤ لي أنها تبتلعهم وتبصقهم. 
وأنا وأفكاري نستفحل كورم سرطاني في رئة الغرفة.. 
في داخلي خواء لو أنك أشعلت قداحة في الداخل لسمعت صدى أبديا لتكّتها عن بعد كيلومترات. خواء لو أنك أوقعت إبرة لسمعت قرى النمل وهي تتهدم في الداخل.

أتراكم يومي، هكذا أقضي الليل ويقضيني، 
وكشخص اصطدم بك في الزحام سارقا المحفظة إلى الأبد، هكذا تمر الليالي التي قضيتها وحيدا، 
دون أدنى فرصة للانتقام..

لا فائدة، فلن يصلح العطار ما أفسده الدهر.. في الحقيقة:
لن تصلح المرآة ما أفسده شكلك/ لن تصلح النساء ما أفسدته النساء/لن يصلح الميكانيكي ما أفسدته الجور/ لن يصلح الشعراء ما أفسده الحكام/ لن يصلح الله ما أفسده الدين/ لن تصلح رئتي ما أفسدته السجائر/ 
ما فسد لم يكن صالحا من البداية..

أحاول الفهم لكن العالم مليء بالمفارقات، 
مفارقات مثل أن المرآة لا ترى نفسها. الصابونة متّسخة.. ان الباب الخارجي للبيت هو من أفراد العائلة ومتشرد في ذات الوقت.. ان الماء وحده لا يغرق ولاحظ أنه لا يبتل لذلك لا يعذب نفسه ويلبس الثياب.. ان الساعة لا تعرف إلام تشير.. ان الباب شخصية بارزة نسلم عليه كثيرا.. انني أبحث عن أشباهي الأربعين في حين أستطيع بسهولة العثور على مختلفي الألف.. مفارقات.. 

مثل أن الفتنة تريد النوم لكننا نضع لها المنبهات ندس المنشطات في فنجان قهوتها صباحا..
وأغرب المفارقات أن الكتابة صحية لدرجة مرضية، هكذا كنت أموت كل ليلة بجرعة زائدة من الصحة.

العزلة جعلتني قاسيا حتى أنه لم يعد يهمني صرير الباب المسكين المصاب بالروماتيزم. 
دائما أفكاري طيبة، لكن كلماتي مصابة بسل بحري لئيم، والأوراق التي يعطونني إياها متورمة بسرطان الرحم. فأكتب الغروب المصاب بالبهاق، والأفق ذو حروق من الدرجة الثالثة، 
أكتب على الكوع المصاب بتشنج عضلي، على الضوء الأعمى، أكتب القمر المصاب بالبواسير، 
أكتب بأقلام مبحوحة حبرها يتلوى من اللوكيميا.

أحاول البقاء موزونا لكن الآفة في كل شيء:
فالخمرة تصاب بتشمع الكبد/كيس الملح مصاب بالضغط/الماء مصاب بالألزهايمر ينسى كيفية المشي فيحبو/المجنون مصاب بالحقيقة-إن وجدت-/الجدار مصاب الشبابيك/ الشبابيك مصابة بالأفق/البندقية مصابة بالعصفور/الطاحونة مصابة بدون كيخوت/ الحق مصاب دائما بالحق إذ يبدو مع الجميع/الدواء مصاب بالسم/الضوء مصاب بالعث/المايكرويف مصاب بالغثيان/الطريق مصابة بالجدري/الجمر مصاب بالشوق/شعرك مصاب بالبن/
وأنا مصاب بك...

أخيرا، هذه الورقة مصابة بورم نثري خطير. من الأفضل، بتر المعنى المصاب، أو إشعال الورقة الموبوءة، من أجل سلامة عقل القارئ. 
وأنا بهذا الشكل أموت كل ليلة، بجرعة زائدة من سلامة العقل.

(*) مساهمة طالب شحادة في ملف "الشعراء الجدد... لماذا أتيتم إلى الشعر؟"
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019