طرابلس تحيا من جديد وتحول الاحتجاجات إلى مهرجان للفرح

جنى الدهيبي

السبت 19/10/2019

بدأ يوم طرابلس الاحتجاجي، نهار السبت، منذ ساعات الصباح الأولى. لكنّ ليلها كان حكاية أخرى، لم تشهد مثيلًا لها منذ سنوات طويلة، ولا في أيّ مناسبةٍ أو استحقاقٍ سياسي او انتخابيّ آخر. ما أن حلّ الغروب، حتّى تحولت ساحة عبد الحميد كرامي في وسط المدينة، إلى مساحةٍ تكتظّ وتضيق بأبنائها من مختلف مشاربهم ومذاهبهم وطبقاتهم ومستوياتهم الاجتماعية والتعليمية.

فرح عارم
الآلاف توافدوا إلى الساحة ليلًا، رجالًا وأطفالًا ونساءً وطاعنين في السن. وعلى عكس ليلة الجمعة، التي دبّ فيها الرعب والخوف نتيجة إطلاق النار ووقوع إصابات وجرحى، تحوّل ليل السبت إلى ليلٍ للفرح الكبير والغبطة. مجموعة من المتظاهرين، تولّوا مهمة إدارة هذا "المهرجان الاحتجاجي" الذي صدحت فيه الأغاني الثورية والشعبية. تارةً يرقصون ويدبكون بفرحٍ عارم، وطورًا يهتفون بغضبٍ كبيرٍ وبالفم الملآن ضدّ العهد وميشال عون وجبران باسيل وسعد الحريري ونبيه بري وحسن نصرلله. لم يستثنوا هؤلاء من هتافاتهم، وكأنهم خصمهم الأول في السلطة، وكأنهم المسؤولون عن قهرهم ومعاناتهم وأوجاعهم وأسباب حرمانهم وعزلتهم. في البدء، توقع كثيرون في طرابلس أن يكون لكلمة نصرالله يوم السبت أثرًا إحباطيًا في المدينة، وهو يهدد اللبنانيين بالنزول إلى الشارع، وهو يفرض الأمر الواقع ببقاء العهد ويؤمن حمايته من السقوط. لكنّ هذا الخطاب، جاء بنتائج عكسية، وبدا استفزازيًا لدرجة ضاعفت الحماسة في نفوس الطرابلسيين الذين قرروا المضي في المواجهة بالشارع ضدّ السلطة والعهد الحاكم بأمره نصرالله، فصدحوا بصوتٍ عالٍ كحال بيروت وصور ومختلف المناطق اللبنانية: "كلن يعني كلن، ونصرالله واحد منن"، ثم يصدحون: "ثورة ثورة ثورة"، "يسقط حكم الأزعر"، و"يلا ارحل ميشال عون".

لا شيء لنخسره
هذا الليل المجيد في طرابلس الذي لم تعرف فيه النوم، كان أيضًا رسالةً شديدة اللهجة لمختلف القيادات السنيّة ونواب المدينة، وهم يراقبون بصمتٍ مدينتهم تثور ضدّ كلّ رموزها بقوّة وجرأةٍ فريدتين وغير مسبوقة من دون تردد. يقول أحدهم: "لم يتبقَ لنا شيء لنخسره، حتّى حياتنا"، كما لو أنّ ذلك الخضوع والانصياع للأمر الواقع انفجر في لحظةٍ واحدة.

الأمن كان مضبوطًا، والجميع موحدون، ولم تقع أيّ أعمال شغبٍ أو اعتداءٍ على الأملاك العامة أو إصابات مدنية. وطوال النهار، بادر عدد من الشباب والشابات إلى تنظيف ساحة النور من النفايات والأوساخ، كذلك قام عمال البلدية برشّ المياه وإزالة الحواجز وبقايا الإطارات المشتعلة، ووضعوا بدلًا منها عند مداخل الساحة حواجز من الأتربة. والحضور اللافت، كان لكورال الفيحاء ظهرًا، الذي أتى إلى وسط ساحة النور، وتجمع حولها المعتصمون لسماع هذه الفرقة وهي تغني من أجل المدينة. وما أضفى نفحةً من الروح لتظاهرة طرابلس، كان تجول عربات الكعك والعصائر والحلويات، واسترزق أصحابها المتعبين والفقراء، لدرجة أنهم أنهكوا وهم يبيعون المعتصمين المتهافتين نحوهم، كي يرووا ظمأهم ويسدّوا جوعهم. وخلافًا لساحة النور، كانت بقية شوارع المدينة أقرب إلى طرقات أشباح. كلّ محالها مغلقة، ولا تجول بها السيارات. وكأنّ تلك الساحة هي وحدها قلب المدينة النابض.

رداً على السلطة
وفي جولةٍ لـ"المدن" على المتظاهرين لسؤالهم عن سبب نزولهم إلى الشارع، لا سيما بعد كلمتي الحريري ونصرلله، اللتين أكدتا أن لا استقالة للحكومة ولا سقوطًا للعهد، وهو ما يطالب به المتظاهرون في لبنان، تشير الشابة نسرين ذبيان (26 عامًا)، وهي من منطقة الشوف تعمل في طرابلس منذ 3 سنوات، أنّ لا رجوع عن الشارع بعد اليوم. فـ"طرابلس ليست مدينة إرهابية وليست مدينة للتخريب كما يحاولون تصويرها، وقد نزلت فيها للتعبير مع أهالها بصورةٍ حضارية عن مطالبنا المعيشية المحقة. أمّا كلمة نصرالله، فلم تشعرنا باليأس، وإنما دفعتنا إلى البقاء في الشارع حتّى تأتي ساعة التغيير، لأننا نريد بلدًا مدنيًا وسلطة تحكم بعدالة بعيدًا من الطائفية، وهذا أبسط حقٍّ لنا". وعن مهلة الـ 72 ساعة التي أعطاها الحريري، تسأل ذبيان مستنكرةً: "هل يريدون أن يستمروا بسرقتنا في هذه الساعات كما فعلوا لعقودٍ طويلة؟".

فرح عبدالله (23 عامًا) من طرابلس، وهي خريجة علوم سياسية وعلاقات دولية وتعمل في إحدى المنظمات الدولية، كانت تقوم مع زميلاتها بتنظيف ساحة النور، وتقول: "نقوم بلمّ النفايات من أجل الحفاظ على مظهر احتجاجنا الحضاري. ورغم الإحباط السياسي، نحن لأول مرة نتوحد كشعب لبناني من مختلف الطوائف والأديان والإنتماءات على كلمة واحدة ضدّ السلطة، ولم يسبق أن توحدنا على هدف واحد. أمّا مطلبنا، فهو بحكومة تكنوقراط منفصلة عن السياسيين، ونحن نرفض بقاء هذه الحكومة، وإن أرادت ذلك فلتبدأ بالتغيير في سياساتها المالية والضرائبية".
رشا (42 عامًا)، كانت مغتربة في كندا، وعادت مع عائلتها المؤلفة من ثلاثة أولاد إلى لبنان، وهي تطالب بالتغيير وتؤكد أن لا رجوع عن الشارع بعد اليوم، وتعتبر أن مطالب الشعب اللبناني من حكومته كبيرة، لأنّ أزمته الأولية هي مع فسادها. من جهته، يشير المواطن طه عكاري (35 عامًا)، وهو صاحب شركة تصوير، أن سرقة الطبقة الحاكمة للبنانيين بلغت درجة التخمة، في ظلّ غياب أيّ خطة استراتيجية واضحة. يقول: "نحن كشعب لبناني لم يعد لدينا ثقة في السلطة، وندرك أنّه في حال سقوط العهد قد يخرب البلد ويذهب إلى الفوضى في ظل غياب البدائل الجدية، وربما لن يكون الحلّ إلا بانقلاب عسكري أو اعطاء حبة مورفين للشعب اللبناني من جديد حتّى يهدأ ويستكين، ومن ثمّ يعود الجميع إلى قواعده المعتادة".

في الواقع، عبّرت طرابلس في يومها المجيد والاستثنائي، عن مظهر بالغ الحضارة في التظاهر، وكلّ المؤشرات توحي أنّ الأعداد في طرابلس ستؤول إلى التصاعد في الأيام المقبلة، وأنّ كثيرين سيتوافدون إلى ساحة عبد الحميد كرامي، للانضام إلى مواطنيهم المتظاهرين. فهل تشهد طرابلس مرحلة تحولٍ جذريّ في مسارها السياسي وتقلب موازين القوى فيها رأسًا على عقب؟
لننتظر ونرى.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019