العراق المأزوم والفقير.. قبلة هجرة الشباب الشيعي

فرح منصور

الجمعة 14/01/2022
على مدى عقودٍ طويلة عدّ اللبنانيون زيارة العراق رحلة دينية وروحانية. وبناءً على إحصاءات متعددة، فإن أكثر من 50 ألف لبناني سنوياً يقصدون العراق لزيارة العتبات الشيعية المقدسة، وإحياء ذكرى أربعين الإمام الحسين. فيغضون النظر عن الكلفة المادية للزيارة، ويقترضها البعض، ويؤكدون تمسكهم بها وإصرارهم على إحياء عباداتهم الدينية في مراقد الأئمة في العراق.

هجرة اللبنانيين
وفي بداية الأزمة الاقتصادية عانى لبنان من موجة هجرة كبيرة. ففي مطلع العام 2021 هاجر أكثر من ربع مليون لبناني. وما زالت الهجرة تتزايد. وأكدّ مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت أن لبنان أصبح رسمياً في قلب موجة الهجرة الثالثة. وينتشر اللبنانيون في العالم، وخصوصاً دول الخليج، أفريقيا، تركيا، أوروبا، وأميركا. واستناداً إلى الأرقام، تميل الفئة الأكبر منهم إلى دول الخليج وتفضّلها على غيرها، لوفرة فرص العمل فيها، فاقتصادها تماسك، ورواتبها مرتفعة، وهي واحدة من أهم مناطق الجذب السياحي في العالم.

وفي مشهد غير معهود، اتخذ شيعة لبنان العراق وجهةً لهجرتهم. وتكمن المفارقة في أن إقبالهم على العراق خلال أزمة لبنان المالية، ليس هدفه زيارات دينية، بل بحث عن فرص عمل بالدولار. وعلى الرغم من الوضع الأمني المعقد والقاتم في العراق، وأزماته التي قضت على اقتصاده، وخط الفقر الذي هوى نصف شعبه تحته، فإن كابوس الدولار الذي يؤرق اللبنانيين جعلهم يتمسكون بأي فرصة عمل خارج لبنان تؤمن لهم بضعة مئات من العملة الصعبة. 

لماذا العراق ودولاراته؟
تعاني شريحة كبيرة من اللبنانيين من صعوبة الهجرة إلى الخليج، بسبب الأزمات السياسية اللبنانية مع دول الخليج، بينما يسهل العراق الانتقال إليه بسبب متانة علاقته بلبنان وشيعته خصوصاً. فالعراق يوفر لهم فرص عمل بلا شروطٍ معقدةٍ، ويسمح للبنانيين بالدخول إلى أرضه بلا "فيزا".

فهذا محمد (32 عاماً) الذي يعمل في محلٍ لبيع الخرضوات في ضاحية بيروت الجنوبية، لم يكن راتبه يتعدى مليوني ليرة. وسرعان ما خسر وظيفته بسبب الأزمة المالية وإقفال المحل، فانتقل إلى محلٍ لبيع الثياب التركية، وعمل في خدمة ديليفري البضائع صباحاً ومساءً. وحاول كثيراً إيجاد أي فرصة للعمل في الخليج، ولكنه عجز بسبب عدم امتلاكه شهادة جامعيّة تخوله الاستفادة من الوظائف الشاغرة هناك، وربما لأسباب أخرى تتعلق بصعوبة حصوله على تأشيرة دخول. وهو اعتاد سابقاً على زيارة العتبات المقدسة العراقية في كل عام. وإزاء تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان ورغبته في الهجرة، قرر السفر إلى العراق. ويعمل محمد اليوم نادل فندق في النجف، وتنحصر وظيفته في توزيع الطعام على غرف الزبائن. واتفق مع مستخدميه على 500 دولار، مقابل عمله وتأمين وجبات طعامه اليومي ومنامته في إحدى غرف الفندق المعدة للموظفين، ووعدوه بزيادة الراتب بعد فترة.

ويقول لـ"المدن" إن راتبه العراقي المتدني أفضل من راتب لا يتعدى 3 ملايين ليرة في لبنان. "هنا في النجف لست بحاجةٍ إلى تكاليف باهظة. لا أجلس في المقاهي، وليس لدي أصدقاء، وفي عطلتي الأسبوعية أقصد المقامات المقدسة وأجول في الأسواق المحيطة بالمنطقة. والوضع الاقتصادي بائس في لبنان. ولم يكن لدي أي مصدر بالدولار. و500 دولار توازي أكثر من 16 مليون ليرة لبنانية. لذا لجأت إلى العراق للحصول على الدولار".

أما حسن (27 عاماً) فيروي لـ"المدن" تفاصيل هجرته من لبنان إلى العراق: عمل في خدمة الديليفري في مطعم بيروتي. وبعد عام على خطوبته، عجز عن تأمين تكاليف الزواج الباهظة. وخلال جلسته في مقهى مع رفاقه في حارة حريك، علم أن أحد الفنادق في العراق يحتاج إلى "شيف". وعرض عليه صديقه الاستفادة من هذا العمل. لكنه لا يملك خبرة إعداد الطعام وطهيه. ولا يعرف أنواع البهارات وكميتها في الطعام، ولا أنواع المأكولات العراقية وكيفية تحضيرها. لكن رفاقه أقنعوه بالذهاب وتعلم الطهي في الفندق هناك بمساعدة الموظفين. ويؤكد أن الأمر لم يكن سهلاً. لكن راتبه يبلغ 700$، ويحول قسماً منه إلى خطيبته لتأثيث بيتهما الزوجي في المستقبل.

هجرة نسائية
وفي حديث مع سارة (27 عاماً)، توضح لـ"المدن" بأنها انتقلت إلى العراق بعد إلحاح صديقتها التي استقرت في كربلاء منذ أشهر. وصديقتها أنهت دراستها في طب الأسنان وانتقلت إلى العراق بعدما عرض عليها العمل في مركز للعناية بالأسنان. وعملت سارة منذ صغرها في محل للتجميل واكتسبت خبرة فيه خلال سنوات، لكن راتبها لم يتعد 70$.

وفي حديثها اليومي مع صديقتها التي انتقلت إلى كربلاء، ألحت عليها القدوم والعمل في أحد المراكز التجميلية القريبة منها، مقابل 1000$. وسافرت سارة إلى العراق وتسلمت عملها فوراً. واليوم تقيم مع صديقتها في شقة صغيرة، ويتقاسمان التكاليف. ولأن العراق ليس بلداً سياحياً أو استهلاكياً، ليست بحاجة إلى تكاليف عالية هناك. وترسل 200$ شهرياً لأهلها، وهي تساوي أكثر من 6 ملايين ليرة، وتحاول إدخار بعض الدولارات.

تفشي الفقر على نطاق واسع في الأوساط الاجتماعية المتوسطة والفقيرة اللبنانية فاقم الإحباط والعجز عن تأمين أدنى مقومات الحياة الطبيعية. لذا يلجأ بعض المفقرين الشيعة في لبنان إلى العراق الذي يعاني من أزمات اقتصادية، اجتماعية وأمنية شبيهة بالأزمات اللبنانية. لكن الدولار الأميركي لا يزال متوفراً في العراق..

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2022