طلاب لبنان.. جسم واهن تتنازعه أحزاب السلطة

كريم صفي الدين

السبت 06/07/2019

تبرز بين الحين والآخر حركة طلابية في الفضاء العام، سرعان ما تخبو وتعود إلى داخل أسوارها الجامعية. وهي على أغلب غير متوحدة كجسم "طلابي" متماسك، إذ أنها على الأصح "مجموعات" مختلفة، وأحياناً كثيرة متعارضة. لذا، من الصعب القول أن في لبنان "حراكاً طلابياً" كفئة متمايزة سياسياً أو مطلبياً. والأدهى أنهم (باستثناء أقلية ضعيفة) لا يشكلون فارقاً ثقافياً عن السائد في الشارع.

الحالة الطلابية المستقلة، التي رأيناها بمواكبة إضراب أساتذة الجامعة اللبنانية في الشهور الماضية، بدت وكأنها تمرد على إرادة الأحزاب المهيمنة، لكنها كانت "أقلية" غير قادرة على تغيير المعادلة القائمة. لذا، فالحياة الطلابية عموماً تبدو على صورة الانقسامات والتحالفات الموجودة في السلطة ووفق الأيديولوجيا المهيمنة. لكن هل توجد حالات طلابية مؤثرة و"معارضة" للنظام الاجتماعي والسياسي السائد؟

في السياسة و"الأمن"
في الآونة الأخيرة، كثرت النقاشات الطلابية والشبابية (خصوصاً بعد تفاقم الأزمة السورية) حول الوضع الأمني في البلد، بالإضافة إلى التوترات الراهنة، فمن العملية الإرهابية التي وقعت في طرابلس إلى الحوادث المتنقلة بين منطقة وأخرى. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من الاتفاق على أن طرابلس مدينة مهمشة على المستوى الاقتصادي، نرى الطلاب متوزعين على وجهات نظر متضاربة هي مرآة وفية لوجهات نظر القوى السياسية المهيمنة، حول المسؤولية والشروط السياسية والاجتماعية وراء هذه التوترات: الجهات الطلابية "الممانعة" تحمل سردية تقول أن بعض أقطاب 14 أذار استثمر بتنظيمات متطرفة لضرب شعبية حزب الله وموقعه في البلد، بالإضافة إلى الصراعات الداخلية في المدينة المسؤولة عنها أحزاب 14 أذار.. وبالنتيجة، خُلقت "بيئة حاضنة" للتطرف في المدينة. هكذا، مستنداً على الأحداث الأخيرة، يقول الطالب قاسم حجول، وهو نائب مسؤول شعبة حركة أمل في الجامعة الأميركية: "نرى أن الشرذمة السياسية في طرابلس، مع محاولات دعم بعض المجموعات المتطرفة لضرب المقاومة، وخصوصاً مع الحرب العالمية على سوريا، هي الشروط الأساسية وراء بيئة حاضنة للإرهاب". في المقابل هناك وجهة نظر مضادة قائمة على سردية المظلومية الإسلامية السنّية في طرابلس كرد فعل على هيمنة حزب الله عسكرياً وأمنياً. فتقول الطالبة جنى بركات (الجامعة اللبنانية الأميركية): "نحن في زمن الذرة فيها لحزب الله، وحمل السلاح من قبل كيان طائفي عامل أساسي وراء التوترات الأمنية التي نجدها في طرابلس على سبيل المثال".

في قضية اللاجئين والعمال
السجال الأبرز اليوم في لبنان يدور حول قضية اللاجئين السوريين والفلسطينيين، وأيضاً قضية العمال الأجانب. فالنظرة إلى اللاجئ الفلسطيني والسوري، باتت متأثرة بازدهار اليمين اللبناني في حرم الجامعات، وفي المشهد العام. من هنا، نرى نشاطات قطاع الشباب للتيار الوطني الحر طوال الأسبوعين الماضيين التي تشابهت مع الممارسات الفاشية ضد العمال والعاملات الأجانب (أغلبهم سوريين) في بعض المحالات والمتاجر. وهذا يجد صدى شعبوياً بسبب التأزم الاقتصادي، وتركيز الدعاية السياسية على عدد اللاجئين في سوق العمل. يقول الطالب أميليو إسطفان: "على الرغم من أهمية الإنسانية، يمثل عدد اللاجئين ضغطاً على الاقتصاد اللبناني، وخصوصاً في سوق العمل، بالإضافة إلى مشاكل أمنية ناتجة عن انضمام الكثير منهم إلى تنظيمات إرهابية"!

صراع العمال والعاملات الأجانب ضد نظام الكفالة، يجد أنصاراً له بين قطاع واسع من الطلاب. فعند قيام أوّل مركز من مراكز العاملات الأجانب (MCC) وتأسيس حركة مناهضة العنصرية، شبّكت هذه المنظمات مع مختلف الحركات الطلابية، وتبينت قوة هذه الشبكة من التحالفات بين مجموعات نسوية وطلابية وعمّالية في المسيرة السنوية للعمال والعاملات الأجانب في أول أيّار. وقد كان مفارقاً (ومشجعاً) أن نرى وزيراً من اليمين التقليدي، ينتمي لحزب القوات اللبنانية، ينادي بإلغاء نظام الكفالة، في الوقت الذي كانت بعض القوى "التغييرية" مترددة أو رجعية بمواقفها، بحجة أن صراع العاملات ضد العبودية والاستغلال ليس من أولياتها؟ يقول  وسام حيدر، وهو خرّيج الجامعة اللبنانية الدولية، وعضو في شبكة مدى الطلابية: "هذا النظام يساهم بتكريس فكرة العبودية، ولذلك نتقاطع مع حركات مختلفة مناهضة للعنصرية، وتعمل لإيجاد مساحات عمل آمنة للعمال والعاملات".

في الجندرية
قد يتميز السجال الطلابي باهتمام ملحوظ بالقضايا الجندرية والجنسانية، إلى درجة قد يأخذ طابع النقاش الحاد. في الآونة الأخيرة، كان التضامن الشبابي والطلابي الواسع مع مجتمع الميم، اعتراضاً على "نداء" المفتي السابق محمد قباني إلى المسؤولين، كي يمنعوا "سهرة للتعرف على شريك" المنظمة من قبل نادي الجندر والجنسانية.

تقول الطالبة ميرا زغبور، وهي نائبة سابقة لرئاسة النادي العلماني في الجامعة الأميركية: "في وجه التيارات الرجعية التي تريد قمع الهويات الجنسية المختلفة، كثرت المساحات الآمنة بسبب جهود مجتمع الميم وحلفائه بفضل قيام حملات مطلبية جدية وجريئة". كما أنّ قلق المجموعات الدينية على مشهد التضامن الواسع كان واضحاً في ردهم على التحول الطلابي التقدمي الملحوظ، فيقول طالب منتسب إلى مجموعة دينية في الحمرا: "أصبحنا لا نملك الحرية لنتحدث من وجهة نظر القرآن والإجماع الإسلامي عن هذا الموضوع؛ الانسان السوي مطالب وقادر على ضبط سلوكه الجنسي والتحكم به. وهذا ينطبق على الانسان غير السوي، الذي لا يحق له عرفاً وقانوناً أن يعاشر جنسياً من يشاء ومتى يشاء".

تبقى القضية المحيرة في النقاش الشبابي السائد هي مواجهة الخطاب السياسي للنظام المسيطر، وتشكيل جبهات "معارضة" في سبيل قيام دولة المؤسسات والمواطنة، بعيداً عن الولاءات الطائفية والعنصرية والثقافة الذكورية. فهل يشكل الجسم الطلابي في لبنان باباً لمستقبل جديد ومغاير، في وجه مساوئ الحاضر؟ لا جواب نهائياً. بالتأكيد، يوجد صراع فكري جدي في حرم الجامعات، ومنه كانت بعض الإشارات التي ظهرت في الاعتصامات والتظاهرات، المؤيدة لطموح استقلالية الجامعة اللبنانية وحمايتها. يقول جواد حمية وهو طالب في الجامعة اللبنانية منخرط في التظاهرات الأخيرة: "إن أجواء التحرك الأخير كانت فعلاً مبشراً من ناحية الوعي الطلابي والانفتاح الكبيرين. وعليه، نأمل أن يكون هذا مبتدأ تغيير ناضج، يتحرر من القيود الرجعية."

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019