الدفاع المدني الفلسطيني: أبطال حرائق 2019 بمواجهة كورونا

أحمد الحاج علي

الثلاثاء 24/03/2020

في كنيسة مار جاورجيوس في ضبيه ينتشر عشرات المتطوعين والمتطوعات في الدفاع المدني الفلسطيني، يرشون الأرض والمقاعد بموادّ التعقيم. إنهم جزء من 300 متطوّع منتسبين لهذا الجهاز، يتوزعون في 12 مخيماً فلسطينياً في لبنان. يواجهون مرض كورونا، من خلال التعقيم الدائم للطرقات والمراكز الاجتماعية، والتوعية المستمرة للأهالي بواسطة الزيارات الفردية، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمذياع المتنقل الذي يجول الزواريب، مطلقاً مناشدات للتجاوب مع الإرشادات، وكيفية المحافظة على النظافة العامة. كل ذلك ولم يتلقوا أية مساندة ماديّة جدية منذ حزيران 2019. ويجزم رئيس الدفاع المدني الفلسطيني حسين ديماسي في حديثه لـ "المدن" أنهم لن يتوقفوا عن العمل "حتى لو اضطررنا لنقل التجهيزات إلى بيوتنا، والعمل من داخل غرف منازلنا".



تعقيم أكثر من 700 مركز
في اليوم التالي للإعلان عن أول حالة مصابة بمرض كورونا في لبنان، أطلق الدفاع المدني الفلسطيني حملة تعقيم للمؤسسات والمدارس والروضات في المخيمات والتجمعات الفلسطينية. وشملت الحملة دور العبادة على اختلافها، من مساجد وكنائس سواء داخل المخيمات أو في محيطها. سارع رجل أعمال فلسطيني بالتبرع بعشرين ألف دولار، ثم تبعه آخر بعشرة آلاف، وآخرون ببعض التبرعات المادية "هي أزمة إنسانية عامة، لذلك هي تستنفر الجميع، فكلنا مهدّد اليوم. كما أن شعبنا عادة لا يبخل خلال المصاعب الكبيرة. لذلك نحن نعوّل على أننا نستطيع أن نحاصر كورونا من خلال التضامن الإنساني، والشعور المتعاظم بخطر هذا المرض. وقد استطعنا حتى الآن تعقيم أكثر من 700 مركز في المرحلة الأولى، ونحن مستمرون بالاندفاعة نفسها".

عام 2014، انطلق عمل الدفاع المدني الفلسطيني من مخيم عين الحلوة بدعم من مؤسسة Arc بما يقارب مليون وخمسمائة ألف دولار. وبعدها توزعت المراكز بين مخيمات برج الشمالي وبرج البراجنة والبداوي وشاتيلا ونهر البارد ومار الياس والجليل. وتعددت المهام بين إطفاء وإنقاذ وإسعافات أولية. لم يكن الدعم كله من المؤسسة الدولية المذكورة، بل إن المجتمع الأهلي شارك مشاركة فاعلة في تجهيز الدفاع المدني "لما عرف عنه من التزام في خدمة المجتمع"، كما يقول ديماسي. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث سيارات إسعاف تتبع مركز الدفاع في مخيم برج الشمالي، تبرع بها الأهالي ومؤسسة الشفاء وبلدية برج الشمالي، وسيارة الإسعاف في مخيم عين الحلوة تبرع بها أحد الأحزاب. كما هناك سيارة إطفاء بتكلفة 40 ألف دولار، تبرع بها الأهالي.

منذ حرائق خريف 2019
ما لا يقل عن 5000 تدخل قام به الدفاع المدني الفلسطيني، في المخيمات وجوارها، وبعض المناطق اللبنانية، ومن أشهرها المشاركة الفاعلة في إخماد حرائق امتدت إلى مساحات واسعة في لبنان خلال شهر تشرين الأول 2019. بنوا علاقات وصداقات مع أهالي القرى اللبنانية التي أصابتها الحرائق، ما زالت مستمرة حتى اليوم. حرائق كثيرة في محيط المخيمات هرعوا لإطفائها، قد تكون ثكنة للجيش اللبناني عند مدخل مخيم البداوي، أو بيتاً عند أطراف مخيم برج الشمالي.

وقد يصلون أبعد من ذلك، فيتصادف وجودهم عند حاجز المدفون مع وقوع حادث، ويتدخلون لإنقاذ من هم داخل السيارات. أو يحاولون إنقاذ كلب دهسته سيارة في مدينة صور "نحن لا نفرّق بين الأرواح، ولا بين الجنسيات. نتدخل حيث يفرض علينا ضميرنا الإنساني أن نتدخّل. فرحة إنقاذ طفل سوري أو بنغلادشي توازي فرحة إنقاذ طفل فلسطيني، وإلا لم نكن لنستمر بالحماس نفسه، وحبنا للعمل ذاته"، يقول ديماسي.

مسيرة عززت العلاقة مع الدفاع المدني اللبناني، الذي صار ينسّق ويتعاون مع الدفاع المدني الفلسطيني في حالة حدوث حريق عند أطراف المخيم، وعلى سبيل المثال قام الجهازان مؤخراً بإخلاء مجمّع الربيع السكني في منطقة الطريق الجديدة، من خلال عمل مشترك، وفي ذورة اندلاع حريق. "العمل الطويل والمصداقية ساهما في تسهيل الجيش اللبناني والقوى الأمنية لعمل هذه المؤسسة الفلسطينية"، يخبر ديماسي.

من بين المتطوعين في كل مركز هناك ممرض وطبيب، وهو ما سمح بتوسيع عمل الدفاع المدني الفلسطيني باتجاه معالجة الحروق، وإعطاء دورات واسعة للمتطوعين والمتطوعات، ومن يرغب من المؤسسات والأفراد في المجتمع الفلسطيني.

جنسيات متعددة
مما يفتخر به الدفاع المدني الفلسطيني مساهمته مراراً بوقف إطلاق نار أثناء إشكالات مسلّحة دارت بالمخيمات، من خلال مناشدته للأطراف المتقاتلة لوقف الاشتباكات حتى يتسنى له المباشرة بعملية الإنقاذ. ويعترف ديماسي أنه استثمر هذه المسألة مرات عديدة لتحويل وقف إطلاق النار المؤقت إلى دائم.

يضم الدفاع المدني الفلسطيني جنسيات عديدة، إضافة إلى الجنسية الفلسطينية، منها السورية واللبنانية "فالتطوع حق لكل من يسكن المخيم، ومهما كانت جنسيته"، كما يردّد ديماسي. ويضيف أن "من أهم ما حققه الدفاع المدني هو إعادة بعث فكرة التطوع داخل المخيمات الفلسطينية. وهو يقول للشباب إنه يمكنكم أن تحققوا الكثير من أحلامكم بالتنمية من خلال اجتماعكم معاً. فهم من مشارب سياسية مختلفة، لكنهم اختاروا العمل معاً، لأن مجتمعنا لا يمكن أن يسير على قدم واحدة. كل متطوع ومتطوعة يدخل هذه المؤسسة يرى نفسه شريكاً كاملاً بالقرارات والتطوير".



الحاجة للمال
يحتاج الدفاع المدني الفلسطيني إلى تغطية مصاريف شهرية بقيمة 70 ألف دولار. يحاول السكان في أكثر من مخيم أن يغطوا بعض التكاليف، من خلال حملات تبرعات محلية، كما جرى في مخيم عين الحلوة لكن ديماسي يرى أن هذا الخيار يبدو صعباً "لأننا نعرف أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي في مخيماتنا صعب للغاية، وكل قرش يُقدّم هو من قوت عيال المتبرع، وفي الوقت نفسه نعلم مدى إيمان الناس بالفكرة، وقد تم التأكيد على ذلك من خلال حملة في مخيم عين الحلوةـ  فخلال ساعات جمع أبناء الأحياء حوالى 6000 دولار لصالح الدفاع المدني الفلسطيني. اجتمعنا بمؤسسات كثيرة، سمعنا كلاماً جميلاً، دون ترجمة فعلية. ونحن من مكوّنات سياسية عديدة ومستقلين، لذلك نرفض دائماً الاستثمار السياسي لأي دعم".

لا يبدو القيمون على الدفاع المدني الفلسطيني في حالة يأس من إمكانية استمرارهم نتيجة توقف الدعم المادي، فقد حدث توسع كبير في عملهم بعد حزيران 2019، تاريخ انتهاء عقدهم مع مؤسسة Arc وهم يرون أن الخيار الأخير قد يكون تحويل منازلهم إلى مراكز عمل.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020