الرياض ومعرضها: احتفاء بالكتب والنساء والواتس آب

محمد أبي سمرا

الجمعة 08/10/2021
تستغرق الرحلة الجوية من بيروت إلى الرياض نحو 3 ساعات ونصف الساعة، تلبية لدعوة حضور معرض الرياض الدولي للكتاب في دورته للعام 2021 ما بين 1 - 10 تشرين الاول الجاري. والأرجح أن الرحلة تستغرق أكثر من ساعة إضافية عما لو سلكت الطائرة السعودية خطاً مستقيماً فوق سوريا والعراق، متجهة جنوباً نحو الرياض، بدل أن ترسم في طيرانها نصف دائرة فوق شرق البحر المتوسط وأطراف صحراء سيناء الغربية، فالبحر الأحمر والحجاز السعودية، ثم نحو شرق نجد، حيث تنبسط العاصمة السعودية الرياض. فالجغرافيا السياسية العربية الراهنة حتَّمت هذا المسلك الجوي نصف الدائري تقريباً أو نصف البيضاوي الطويل، بدل الخط المستقيم من بيروت شمالاً إلى الرياض جنوباً. وعلى كل حال، أو في الحالتين يطغى المشهد الصحراوي المترامي المهيب وشبه الخالي، سوى من جزرعمرانية قليلة في الأمداء المنبسطة الهائلة الاتساع.

احتفاء استثنائي بالكتاب
والرياض بدورها -وهي عاصمة نجد والسعودية– مدينة داخلية صحراوية، أو تقاوم الصحراء بالنخيل والخضرة والإسمنت والزجاج والحديد وأساطيل السيارات العابرة، عبوراً هادئاً منظماً ومطمئناً على أوتوسترادات وطرق فسيحة مستقيمة. وكأنما المدينة كلها بُنِيتْ في وقت واحد ودفعةً واحدة، على الرغم من توسعها العمراني المتصل يوماً بعد يوم، منذ بدايات تخطيطها وإنشائها مدينة حديثة. وها خطوط المترو فيها تتهيأ لوضع اللمسات الإنشائية الأخيرة عليها لتدشينها وإطلاقها بعد مدة ليست طويلة، على ما يقول السعوديون، فتُدخِل تغيُّرات جديدة على عمران المدينة والعلاقات بين مناطقها وسكانها.

والاحتفاء بالكتاب والكتب استثنائي في هذه الدورة من المعرض الرياض الدولي، بعد سنتين من التوقف بسبب جائحة كورونا التي اجتاحت الكرة الأرضية وأخمدت نشاط سكانها. وزائر المعرض في دورته هذه، قادماً من بيروت، ومن مشيه اليومي المسائي على أرصفة البيال أو جزيرة الردم البحرية، حيث كانت الصالة المدمرة تستضيف معرض الكتاب العربي الدولي في بيروت، قد يحدسُ أن الاحتفاء بالكتب قد صار من مواضي لبنان وبيروت المترفة الراحلة، فيما أخذ العالم يتعافى من كبوة السنتين الفائتتين اللتين شاءت وزارة الثقافة السعودية تجاوزها بإقامة معرضها الدولي لدورة العام 2021 المتهيئ للانتهاء بعد شهرين.

مئات دور النشر الأجنبية والعربية، والمدعوون للمشاركات الثقافية من بلدان أجنبية وعربية كثيرة، والعراق ضيف شرفٍ في هذه الدورة من المعرض. والندوات وورش العمل والأمسيات الشعرية وحلقات المناقشات والجوائز المتنوعة يومية وبالعشرات. وللناشرين مؤتمرهم الذي افتتح نشاطات المعرض، وأعقبته ندواتهم ولقاءاتهم وصفقاتهم. وزائر أرض المعارض للكتاب في منطقة تسمى واجهة الرياض قرب جامعة الأميرة نورة، يطالعه الهدوء والفراغ والاتساع في أوقات ما قبل الظهر، على خلاف أوقات ما بعد الظهر وفي المساء والسهرة حتى الحادية عشرة ليلاً، عندما يحتشد الزائرون والزائرات بكثافةٍ لافتة في ما يشبه سيرانٍ كبيرٍ متصل في الممرات الفسيحة بين أكشاك دور النشر. ومعظم الزائرين يجرون خلفهم أو أمامهم عرباتٍ صغيرة بلاستيكية على الموكيت، فيضعون فيها ما يتنقلون لاختياره من كتب مئات دور النشر. لكن الكثافة البشرية المسائية والليلية تظل منتظمة منسرحة كتموجات مياه نهر هادئ في تفرعاته وتشعباته. والقاعة العالية الفسيحة، المجهزة من معدن خفيف وقماش وبلاستيك مقوى، وكذلك الأثاثاث في صالات العرض وقاعات الندوات والورش والاستراحات والمقاهي، تبدو مع البشر المنتشرين في الأماكن كلها، على حال من الجدّة الآنية الدائمة.

سيران وكمامات ونساء
وفي السيران والاستطلاع واختيار الكتب والوقوف والجلوس في فسحات الاستراحة، تغطي الكمامات أنصاف الوجوه السفلى للحشود، بصبرٍ وأناةٍ لا يلينان. ويندر أن تصادفَ وجهاً بلا كمامة. فتتخافت الأصوات كأنما فلين غير مرئي يمتصها في سيران الحشود. والكمامات على وجوه الرجال بيضاء اللون مثل أثوابهم الطويلة الفضفاضة على أجسامهم، بينما أثواب النساء سوداء في معظمها مثل البرقع الذي لا تظهر منه سوى العيون والجباه. وهناك بعض النساء الحاسرات بكمامات بيضاء على الأنوف والأفواه. ومقارنة مع بيروت تبدو الرياض مدينة الكمامات في دورة الحياة اليومية والأماكن كلها. كأنما نظام عام يسري سرياناً كاملاً يندر مخالفيه.

وزائرو معرض الرياض في دورته هذه، القادمون من بلدان أجنبية وعربية شتى، غالباً ما يتحدثون عن كثافة النساء، ليس في صالات المعرض وحسب، بل في سائر الأماكن العامة في الرياض: في المطار، في الفنادق، في المحال التجارية، في المقاهي والمطاعم، في السيارات... عاملات في وظائف متنوعة كثيرة. وهذا جديد تماماً –يقولون- بعد انقطاع سنتين استغرقتهما جائحة كورونا التي قطّعت أوصال العالم. وفي أرجاء صالات المعرض هناك جيش من النساء والفتيات العاملات في شؤون تنظيمية. وكأنما هذه ظاهرة مقصودة أو بدأت حديثاً وجديدة. حتى ليبدو أن الاحتفاء بالكتب يوازيه الاحتفاء بحضور النساء اللواتي خرجن إلى العمل مبتهجات بخروجهن هذا. لكن يندر أن تجد امرأة بمفردها بين الحشود. فهن يسرن ويتنقلن ويعملن ويستطلعن الكتب ويشترينها، مجموعات في صالات المعرض. ويقفن مجموعات منتظمة في صفوف أمام أكشاك بيع القهوة المخصصة لهن وحدهن. لكن هناك مقاه أخرى يتخالط الرجال والنساء في الوقوف أمامها.

شخص الواتس آب المنفرد
ولاحظ كثر من المدعوين من الكتاب العرب إلى المعرض، أن الدعوات التي تلقوها، وتنظيم وصولهم ونقلهم من المطار إلى الفنادق وإلى قاعات المعرض وندواته، إنما تدار بواسطة رسائل الواتس آب الصامته. فمكالمات الواتس آب الصوتية المباشرة والمتبادلة آنياً لا تعمل في السعودية. وتحدث بعض المدعوين أن شخصاً واحداً هو من يقوم بالتواصل معهم، واستغربوا مقدرته وحيداً على تلبية الخدمات لهم وتوفيرها، منذ وصولهم إلى المطار وتوزيعهم على الفنادق وتأمين النقل لهم منها إلى قاعات المعرض وندواته، بمفرده وبواسطة الواتس آب، من دون أن يلتقي به أو بسواه أي من المدعوين ويتعرف على أحدهم. وجواب ذلك المنظم الوحيد والدائم على كل متصل به بواسطة رسالة نصية: أبشر، أبشر.. وهو في الحقيقة والواقع يستطيع تلبية معظم الطلبات.

وقد خصص عدد من الباصات الكبيرة لنقل الضيوف المدعوين من فنادقهم إلى صالات المعرض. وهي تسير يومياً في مواقيت محددة: في التاسعة والحادية عشرة صباحاً، وفي الثالثة والسادسة بعد الظهر، وفي الثامنة والحادية عشرة ليلاً، ذهاباً وإياباً. لكنها غالباً ما لا تنقل سوى أثنين أو ثلاثة على الأكثر من المدعوين في كل رحلة ذهاب وإياب، وأحياناً تتنقل فارغة. وسائقو الباصات غالباً ما يكونون سوريين أو فلسطينيين أو مصريين.

وسيارات النقل كلها في الرياض (التاكسيات) تعمل بواسطة الواتس آب وتطبيقاته مثل أوبر وسواها من الشركات المماثلة. حتى ليبدو أن المدينة كلها تنظم الحياة اليومية فيها بواسطة الواتس آب وتطبيقاته. ويبدو الهاتف الخلوي قد اختصر الحياة والعلاقات كلها في المدينة. ورغم كثافة شراء الكتب من معرض الرياض الدولي، يندر أن نصادف من يتصفح كتاباً في المقاهي والاستراحات المنتشرة في الصالات. فالجميع منشغل بشاشة هاتفه، فيما الكتب في العربات الصغيرة التي يجرها العابرون والعابرات، أو المركونة قربهم في الاستراحات والمقاهي.

كورونا والمترو
والندوات واللقاءات وورش العمل المتنوعة الكثيرة، إلى توقيعات الكتب، بالعشرات يومياً وموزعة على صالات المعرض وقاعاته الواسعة الفسيحة. والحضور فيها ليس بقليل ومن الأعمار كافة. وتلاحظ الكثافة الشبابية بين الحاضرين. وإلى مجموعات النساء، هناك العائلات، ومجموعات الرجال. لكن يندر أن تجد خليطاً من النساء والرجال في الممرات بين أكشاك عرض الكتب.

أما الحشود السعودية الكبرى، رجالاً ونساءً وعائلات، فتبدأ من السادسة مساءً حتى إقفال المعرض في منتصف الليل. وفي هذه الأوقات تغص بوابات المعرض بالداخلين.

وقد تبدو الملاحظة الأبرز لعارفي الرياض من زائري المعرض من خارج السعودية، أن الرياض قبل سنتي كورونا ليست كما بعدها. وتحدث كثيرون من الزائرين عما سيغيره المترو فيها بعدما تخترق خطوطه الكثيرة أرجاءها كلها تقريباً.

وللبناني مثلي، تبدو زيارة الرياض ومعرضها الدولي للكتاب للمرة الأولى، فسحة راحة وهدوء من حطام بيروت، وفي مدينة تعيش منظمة غامضة في عوالمها الداخلية، كل شيء فيها قابل للاستطلاع والسؤال.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021