ثورة شبان أحياء بيروت التلقائية.. بلا أحزابهم

محمد أبي سمرا

الجمعة 18/10/2019
الشوارع الرئيسية بين أحياء بيروت وضواحيها - سوى وسطها التجاري الذي لم أصل إليه في جولتي - اغبرّت بسحب الدخان صبيحة اليوم الجمعة 18 تشرين الأول وقبل ظهيرته، بعد انفجار الغضب الليلي فيها حتى ساعات الفجر يوم الجمعة. لقد اسودَّ إسفلتها وتفحّم عند تقاطعاتها، وكثرة منها مسدودةٌ بمستوعبات نفايات مشتعل بعضها، وخمدت النيران في بعضها الآخر. الدراجات النارية الرخيصة الأثمان تسرح فيها، ويمتطيها شبان شلل الأحياء بثياب يغلب عليها الجينز والـ تي شرت السوداء اللون. على كل دراجة شابان أو ثلاثة يجوبون الشوارع الرئيسية الفاصلة بين الأحياء، وقد يتوغلون في الشوارع الداخلية، ينتقلون من حي إلى حي، ممسكين بأيديهم إطارات مطاطية يزوّدون بها شلل "الحرّاقين" عند المستديرات والتقاطعات الرئيسية. خلت الشوارع تقريباً سوى من هذه المشاهد، من سيارات قليلة، معظمها سيارات نقل عمومي.

فرن الشباك
في نهاية شارع فرن الشباك الرئيسي، المتجه إلى الحازمية، فتيات ونساء، مع قلة من شبان ورجال، يتجالسون في مقاهي الرصيف التي تعلو الشارع. إنهن/إنهم مستمتعين مسترخين يمضون صبحيّة كصبحيات الآحاد. خرجن/خرجوا من منازلهم القريبة بثياب العطل المريحة، يتحادثون ويتفرجون على مشهد سخام بقايا حريق الليل.

شبان ورجال من أحياء فرن الشباك وعين الرمانة القريبة، يعيدون تغذية التقاطع - بين الشارع الآتي من التحويطة والمتجه صوب سن الفيل - بالإطارات المطاطية، فيباشرون إشعالها أمام مبنى شركة ألفا (سليس قديماً) للإتصالات. نساء المقاهي القريبة وفتياتها مطمئنات لما يشاهدنه عند التقاطع، كأنهنّ جالسات على شرفات منازلهن الأليفة تتفرجن على ما يحدث في ما يشبه ساحة قريتهم الأليفة.

سألت الرجل الواقف أمام مكتبة مالك عن هوية رجال وشبان الجينز والـ تي شرت السوداء، القيمين على قطع الطريق والحرق، فقال إنهم من هنا، من أهالي فرن الشباك. وعندما طلبت منه شراء حزمة من الورق اعتذر. ظننت أنه يمتنع عن البيع تهيّباً من الشبان قاطعي الطريق. لكنه سرعان ما قال إنه يشارك من تلقاء نفسه في الإضراب عن العمل، مثل كل فروع المكتبة.

تقدمت من شابين يقفان ويتحادثان على الرصيف، واضعين كمامتين على أنفيهما وفميهما، فسألتهما: أليس بين الحرّاقين شباناً قدموا من هناك، من ضاحية بيروت الجنوبية؟ فنفيا نفياً قاطعاً، وقال إنهم جميعاً من فرن الشباك وعين الرمانة. وبدا شابا الكمامتين راضين عما يحدث رضى محلياً وأهلياً.

مشهد عشرات الشبان والرجال المتحلقين حول حريق الإطارات المطاطية عند التقاطع أمام مبنى شركة ألفا، بدا أليفاً بدوره، ويستمد إلفته من تعوّدهم اليومي على عيشهم وعملهم وشبكة علاقاتهم في الشارع. ولما سألت أحدهم عن هوية الشبان الحزبية، قال إن التحرك ليس حزبياً، بل هو أهلي محلي وعفوي. ولم ينزل أي منهم إلى الشارع بأمر أو بدعوة حزبية. أشار إلى أن القواتيين يشكلون 90 في المئة من الجمع، لكنهم هنا من تلقاء أنفسهم، وليس لأنهم محازبون قواتيون، بل بصفتهم من شبان المنطقة ورجالها. وهناك عوني واحد سماه الشاب وناداه باسمه.

بين الحريق عند التقاطع وبين قاطعي الطريق أمام المكتبة، وعلى مسافة أمتار من المقاهي وجلاّسها النساء، لا يخلو المشهد من فتيات تتمشين وتتحادثن متفرجات مطمئنات. كأنهن التقين أو أتين معاً للفرجة وتسجية بعض الوقت في خلاء الشارع من السيارات وزحمتها في هذه العطلة، بل لاستطلاع ما يفعله الشبان والرجال، راضيات رضىً بلدياً عن أفعالهم.

كنيسة مار مخايل
المشهد نفسه تقريباً يتكرر عند تقاطع طريق صيدا القديمة والطريق القادم من الغبيري في اتجاه غاليري سمعان. على مسافة أمتار من كنيسة "تفاهم" مار مخايل يتجمع عشرات الشبان الخارجين من حي مارون مسك ومن أحياء الغبيري الداخلية الشيعية. لون الثياب السوداء يطغى على مشهد الشبان الحرّاقين المتنقلين على دراجاتهم النارية حاملين الإطارات المطاطية. لكن حميّتهم وسرعتهم في الحركة والحرق أقوى من أمثالهم في فرن الشباك. هنا الكثافة السكانية مضاعفة والشبان أكثر عدداً بكثير. ولا نساء ولا فتيات ولا مقاه. جمهور شبان أمل وحزب الله في الشارع عند التقاطع، لكنهم من تلقائهم هنا، وداعيهم إلى التجمهر والحرق - على ما قال الواقفون متفرجين على الرصيف - ليس الحزب ولا الحركة، بل التلفزيون ونقله المشاهد والصور من شوارع المناطق والأحياء.

الطريق الجديدة
فتيان وشبان أحياء الطريق الجديدة وكورنيش المزرعة وحي التمليص والبربير، لا يزالون على حيرتهم من ليل أمس. قطع بعضهم الطريق بمستوعبات النفايات عند تقاطع الكولا وصولاً إلى المدينة الرياضية. واليوم صباحاً ما زالوا غير متحمسين، رغم أن بعضهم يتنقلون على دراجاتهم النارية حاملين الإطارات المطاطية، من دون أن يظهر إلى أين يتجهون بها لإشعالها.

كل يتجمع ويحتجّ ويحرق الإطارات في منطقته وحيّه، قال أحد راكبي الدراجات، وكذلك الحلاق الرجالي في الحي. الحي الشيعي عند زاوية مخيم مار الياس والحي الدرزي الفقير في وطى المصيطبة، لم يتجاوزوا حيّهم الصغير خلف موقف البولمات التي تنقل الركاب إلى صيدا. رموا مستوعبات النفايات تحت جسر الكولا، وسط الشارع المتجه إلى المدينة الرياضية، وأشعلوا النيران في اثنين منها.

لكلٍّ حيّه الأهلي
في هذه الجولة بدا واضحاً أن شبان الأحياء الذين خرجوا منها إلى الشوارع والتقاطعات الرئيسية حول أحيائهم، يلتزمون حدود سكنهم الأهلي الذي يألفونه إلفة محلية وبلدية. لكن شبان كل حي ومحلة موقنون بأن أقرانهم في الأحياء الأخرى خرجوا مثلهم للاحتجاج والتظاهر وقطع الطرق وإشعال الحرائق في محيط أحياءهم.    

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019