"لبنان إلى صور": المدينة أكثر من بحر

منى حمدان

الجمعة 31/05/2019

لم يعجبهم أن يتم اختصار مدينتهم "صور" ببحرها. هم مجموعة من الشباب والشابات، الذين أخذوا على عاتقهم المبادرة لتغيير الصورة التقليدية لمدينة صور. فبالنسبة إلى كثيرين، تشكّل تلك المدينة ملجأً لهم من حرّ الصيف ويزورونها للتمتع بشاطئها الشعبي فقط. لكن في هذه المدينة أكثر من بحر، فيها الشوارع والحارات القديمة، المحمية الطبيعية، الأسواق القديمة، وآثارها التي تعود إلى العصور الرومانية والبيزنطية.  وهذا ما تريد مجموعة "لبنان إلى صور" أن تعرّف الآخرين إليه، لتغيير النظرة التقليدية للمدينة.

على مدار العام
"للأسف لا يوجد سياسة اقتصادية في البلد لتحمي هذا القطاع أو لتساهم في وضع صور على الخريطة السياحية الرسمية، لأنها ما زالت خارجها"، قال الصحافي والمتطوع في مجموعة "لبنان إلى صور" حسان الزين، في حديث لـ"المدن". وأضاف أن "المجموعة، التي تتألف من شبان وشابات من مدينة صور يعملون بشكل تطوعي، انطلق أفرادها من حبّهم أولاً للمدينة وإيمانهم بأنها تمتلك جميع المقومات التي تجعلها وجهةً سياحيةً مهمةً على مدار العام، وليس فقط في فصل الصيف".

قبل أشهر قليلة تجمعوا، ونفّذوا نشاطهم الأول "أسبوع لبنان إلى صور" في الفترة من 21 نيسان/أبريل حتى 28 نيسان/أبريل الماضي. خلال هذا الأسبوع نسّقت المجموعة جولات سياحية عدة لتعريف الناس إلى المرافق السياحية في المدينة، والقيام بنزهة في أحيائها القديمة. وجّهوا طاقاتهم نحو مدينتهم وقرروا عدم انتظار المستثمرين والدولة للاهتمام بالسياحة فيها. أخذوا الأمر على عاتقهم وبدأوا العمل، الذي لن ينتهي قريباً. إذ يؤكد الزين أن للمجموعة "خطة للسنوات المقبلة، الهدف منها أن تأخذ السياحة اتجاهاً جديداً في صور يسعى إلى توسيع دائرة المستفيدين من هذا القطاع. فهي اليوم ليست مدينةً سياحيةً من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، ولعلمنا بذلك أخذنا المبادرة، بالتنسيق مع بلدية صور التي كانت ولا تزال متعاونةً جداً معنا".

جولة في المدينة التاريخية
النشاط الثاني الذي نفّذته المجموعة كان جولةً سياحيةً لعدد من الصحافيين اللبنانيين في مدينة صور. فعدد لا بأس به منا لم يزر من قبل أكثر من شاطئ صور. قضينا ساعات مع المجموعة، ولكل منهم قصة، لكن قصة محمود هي أكثر ما لفتني. محمود شاب لم يتعلم اللغة العربية في حياته ولا يعرف عنها شيئاً. لكنه في الأشهر الماضية عمل على تحسين لغته العربية ليتمكن من أداء دوره كمرشد سياحي أثناء الجولات التي تنظمها "لبنان إلى صور".

ليس محمود وحده من يبذل مجهوداً من أجل هذه المجموعة، جميعهم يفعل. كانوا مندفعين وفرحين وهم يعرّفوننا إلى مواقع صور الأثرية، التي أدرجتها منظمة الأونيسكو على لائحة التراث العالمي عام 1979. آثار تعود إلى حقبات متنوعة: بيزنطية، إغريقية، عثمانية، وعربية. وتمتد على مساحة واسعة، تصل إلى نحو 500 ألف متر مربع، وفيها يقع ثاني أكبر هيبودروم في العالم. هناك رأينا الأحياء السكنية وميدان سباق الخيل، الذي يتسع لـ300 ألف مشاهد، وهي تعود إلى العصور البيزنطية والرومانية. المحطة الثانية كانت محمية شاطئ صور الطبيعية، التي تقع في جزء المدينة الجنوبي. تتشكّل من أحد أكثر شواطئ لبنان جمالاً. على مسافة 380 هكتاراً، تمتد واحدة من أكبر محميات لبنان، التي تضم آخر الكثبان الرملية المتبقية والوحيدة المحمية في لبنان. تشكّل موقعاً هاماً لتعشيش السلاحف البحرية المهددة بالانقراض عالمياً، وتعتبر أهم مسار لهجرة الطيور في العالم. فحسب القيمين على المحمية، مئات آلاف الطيور المهاجرة، تستريح في مستنقعات المحمية أثناء سفرها من وإلى شرق أوروبا وأفريقيا. لكن أهميتها القصوى تكمن في التنوع الطبيعي فيها، الذي يسبّبه اجتماع أنظمة إيكولوجية رئيسية عدة: نظام الكثبان الرملية، نظام المياه العذبة والأراضي الزراعية. ثم ختمنا جولتنا بنزهة في الأحياء والحارات الشعبية والقديمة، بطابعها المعماري الأثري، ومنازلها القديمة ذات الأبواب الخشبية، والكنائس والأديرة، والخانات التي تعود إلى العصر العثماني. داخل هذه الأحياء تنسى الزمن لثوانٍ أو دقائق، وقد تتمنى أن تعيش في أحد منازلها.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019