أهل وعسكر وموظفون أمام المصارف: سنهديكم باقات دواليب مشتعلة

لوسي بارسخيان

السبت 13/03/2021

تبدو الأبواب الموصدة لفروع المصارف في شتورا بنهاية الأسبوع، كاستكمال لـ"ويك أند" طويل فُرض عليها منذ صباح الجمعة. فخلف أبواب الحديد التي استحدثت لحماية المصارف من غضب المودعين على سرقة مدخراتهم، أُلزم قلة من الموظفين في آخر يوم من الأسبوع على تحدي التحذيرات التي وجهها أهالي الطلاب في الخارج للمصارف، ودعوتهم لعدم فتح فروعها في شتورا. فوجد الموظفون أنفسهم بمواجهة الأهالي ومقتلعين من دواماتهم قبل منتصف النهار.

كثكنات محصنة
لم يكن المعتصمون هذه المرة كثراً، تواكبهم أعداد أكبر من عناصر الجيش اللبناني والقوى الأمنية، إلا أن عصبهم الذي أصر على "إزعاج" المصارف "التي نهبت أموالنا وتحاول سرقة مستقبل أولادنا"، بدا أقوى من إصرار الموظفين على حماية "وظائفهم". وكلاهما محكومان بـ"قلق" على مستقبل، كان يفترض أن يكون أكثر استقراراً بالنسبة لموظفي المصارف، ومزدهراً بالطموح بالنسبة للطلاب الذين يتعلمون في الخارج.  

أمام مصرف بنك الموارد في شتورا الذي وصل إليه المعتصمون، بعد أن أقفلوا فرع مصرف الاعتماد اللبناني عنوة، وتأكدوا من إقفال "عودة"، و"فرنسبنك"، و"SGBL"، و"بيبلوس" ، و"البحر المتوسط"، وغيرها من فروع المصارف التي فرّخت على طريق عام شتورا في عصر "إغراء" المودعين بأرباح مريحة، بدا المشهد مثقلاً بالضغوط والتوتر.

ففي الخارج، أهل لم يعد لديهم سوى صوتهم ليوصلوه إلى المتحصنين خلف موظفيهم بالمصارف. وفي الداخل موظفون يعيشون قلق التهديد بفقدان فرص عمل ظنوا أنها مضمونة في عصر المصارف الذهبي، وخططوا لمستقبل عائلاتهم على أساسها. وبينهما وقف عناصر الأمن والجيش، الذين عليهم التفريق بين طرفين لا يقل واقعهم سوءاً عنهما. فوجدوا أنفسهم مكبلي الأيدي. فلا هم قادرون على قمع تحركات الأهالي باتجاه مصارف تحولت في مظهرها الخارجي كثكنات محصنة تحاول حماية "إرتكاباتها" بألواح باطون وحديد، تفصل بينهم وبين المودعين، ولا هم قادرون على عصيان أوامرهم العسكرية بحماية الممتلكات الخاصة ومنع التعرض لها.

كلام قائد الجيش
عند محاولة الأهالي الدخول من الباب الخلفي للمصرف، اندفع أحد العسكر لمنعهم، فما كان من والد طالب إلا أن "لجمه" بكلام قائد الجيش في "انتفاضته الأخيرة"، مؤنباً إياه بالقول "يبدو قائدك أكثر تقديراً منك لمدى سوء حالتك".

تلقائياً خرجت الهتافات من حناجر المعتصمين في هذا المكان: "مروان خير الدين حرامي". وخير الدين هو رئيس مجلس إدارة المصرف الذي أثار "الاستفزازات" في أكثر من موقف، وكثر الكلام حول ممتلكات يقال أنه راكمها بالخارج من أموال المودعين في مصرفه.

بدا الموظف ملزماً بالدفاع عن "ولي نعمته". قد لا يكون طُلب منه ذلك مباشرة، ولكنه محكوم بالخوف أيضاً. هو خوف يشبه إلى حد بعيد ما نشاهده في أفلام "العصابات" التي تحكم على من يزعجها من أفرادها "المكرهين" بالـ"تصفية". والتصفية المعنوية هنا أشد إيلاماً من الجسدية، في بلد "منهار" اقتصادياً، وتعني فقدان ولو بصيص أمل بفرصة بديلة.

حاول الموظف أن يشرح ذلك لأحد ذوي الطلاب في الخارج. مبرراً حضوره إلى المصرف في هذا اليوم التحذيري للأهالي، بكونه ملزم على تأمين "ساعات الدوام" حتى يقبض راتبه في نهاية الشهر. فهو أيضاً رب عائلة ويقلق على أولاده. وهو ممن يخافون من أن يوفر تعطيل فروع المصارف الذرائع الكافية لأصحابها، ليقوموا بتصفيتها، في ظل توجهات باتت أكثر وضوحاً لتقليص عدد فروع المصارف على الأراضي اللبنانية.

إلا أن حجة الوالد ومخاوفه بدت أشد وقعاً من قلق الموظف على لقمة عيشه، قد تخوله شهادته إيجادها في الخارج.

أنظر إلى هذه البنت قال له "هذه واحدة من إبنتيّ اللتين أرسلتهما لتعلم الطب في أرمينيا. هي اليوم سنة ثالثة طب، وشقيقتها سنة خامسة، فلا أنا قادر على إعادتهما "معازة" (راعية ماعز) ولا قادر على إيفاء وعدي لهما بمستقبل أفضل. فماذا أفعل برأيك؟"

التجرؤ على الحلم
الوالد "المكبّل" متقاعد من السلك العسكري، هو كما قال نظم تعويضه لحياة هادئة بعد نهاية الخدمة. فحوّل قسماً منه للدولار ليكمل تعليم أولاده في الخارج، واحتفظ بالباقي بالعملة اللبنانية ليكمل به سنوات عمره. ولكن "المصارف سرقت أحلامي وأحلام أولادي".

الإبنة التي أشار إليها الوالد، فتاة ببداية عشرينياتها. تبدو من كلماتها التي حاولت أن تجعلها أقوى من دموعها المخنوقة في الحنجرة، كمن اختبر باكراً جداً "جهنم" التي وعدنا بها "رئيس الجمهورية". نسألها لماذا اختارت أرمينيا لتتعلم الطب، فيتبين أن لذلك حسابات مالية تراعي ظروف أهلها غير القادرين على تحمل نفقات أكبر في بلدان أخرى.

ذنب هذه الفتاة كما مئات الشبان الذين كتب عليهم عيش المأساة نفسها، أنهم تجرأوا على الحلم. فظنوا أن لهم الحق أيضاً بشهادات تحسن من ظروفهم الاجتماعية، مثلهم مثل أولاد أي معني أو "شبه مسؤول" هنا. ولكن من هم ليطمحوا كما طموحات من سرقوا البلد، أو أقله سكتوا على عمليات نهبه المنظمة، أو تواطأوا مع سارقيه، فيما هم لا يخجلون من التبجح بـ"ذكاء" أولادهم وتقدم فرصهم على أبناء جيلهم في التعلم بالخارج أو في الداخل.

في نظر هؤلاء "تحركات الأهالي "غوغائية".. ولما لا تكون غوغائية، طالما أننا "نعيش في غابة دستورها البقاء للأقوى" كما قال أهالي الطلاب الموجوعين. فأمام مستقبل أولادهم وتعليمهم المهدد، وعمر اللبنانيين الذي هدر، تبدو الغوغائية مطلوبة للحصول على الحقوق، ومن هنا قال الأهالي بأنهم لن يتراجعوا عن استهداف "لصوص الهيكل" وأن "كرة اللهب سوف تكبر وتحركاتنا ستأخذ منحى تصاعدياً، وقد نجد أنفسنا مرغمين على إهداء فروعكم كل صباح باقة من الدواليب المشتعلة".

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021