ملف العمال الأجانب في لبنان (1): إتجار بالبشر

وليد حسين

الأربعاء 14/08/2019

ملف العمالة الأجنبية في لبنان، متشعب، كغيره من الملفات الإدارية والقانونية الثقيلة الوطأة والمزمنة. "المدن" تفتح جانباً من هذا الملف، يتعلق بعمليات الاحتيال في عمليات استقدام الرجال من العمالة الأجنبية.

شبكات السمسرة
يتعرّض العمال الأجانب في لبنان لعمليات إتجار بالبشر أشبه بسوق نخاسة، لا تتيحها إلا مجتمعات موغلة بالعنصرية، حسب معظم من اتصلت بهم "المدن": نقابيون، ناشطون حقوقيون، وعاملون أجانب في مؤسسات لبنانية، إضافة إلى مسؤولين في وزارة العمل. فالظروف المحيطة باستقدامهم إلى لبنان، وأساليب استخدامهم ومعاملتهم في مؤسساته، ونمط عيشهم وسكنهم فيه، تبدأ بـ"استيرادهم" والتعامل معهم كسلع تجارية تباع وتشترى، وتنتهي بانتهاكات لأبسط حقوق الإنسان وقوانين العمل: حجز جوازات سفرهم لحظة وصولهم إلى المطار، حرمانهم من مرتباتهم الشهرية، ومن أي ضمانات صحيّة، إرغامهم على العمل ساعات إضافية يومياً كسخرة، فضلاً عن تدفيعهم "خوّات" للشركات التي تشغّلهم ولا تدفع لهم أجورهم إلا "كإكراميات". إنهم فئة العمّال الآسيويين العاملين إلى جانب صناديق المحاسبة في المخازن والمتاجر الكبرى، وسواها من المؤسسات المشابهة، لتوصيل البضائع إلى سيّارات الزبائن.

تبدأ عمليّة انتهاك حقوق هؤلاء العمّال قبل وصولهم إلى لبنان. فالمؤسسات المسمّاة شركات تنظيفات، وتعمل كمكاتب استقدام لليد العاملة الآسيوية، تتفق مع مكاتب سمسرة في الخارج لاستقدامهم. والمكاتب هذه بأنواعها ليست سوى شركات وهميّة تتاجر بالشر، حسب مسؤول في وزارة العمل. ووفق شهادات بعض النقابيين، يتكبد كل عامل من معظم العمّال الأجانب بين 4 - 6  آلاف دولار يدفعها لهذه الشركة الوهمية أو تلك لاستقدامه إلى لبنان، وتتضمّن كلفة بطاقة السفر، إجازة العمل اللبنانية، الإقامة لشهر أو أكثر بعد الوصول، والتأمين الصحّي. وبعض هؤلاء العمّال لا يجدون فرصة العمل الموعودة، فيُرمى بهم في الشارع. وهذا ما أكده نقيب أصحاب مكاتب استقدام العاملات المنزليات الأجنبيّات، علي الأمين، الذي اعتبر أنّ ما تقوم به "شركات التنظيفات" هو "استعباد"، لافتاً إلى عددها الكبير والمتزايد في السنوات الأخيرة. وهو نفى مثل هذه الممارسات عن شركات استقدام العاملات القديمة. وفي اتصال هاتفي مع مدير "شركة تنظيفات" - قلنا له إنّنا أصحاب مؤسّسة تحتاج إلى عمال أجانب - أفاد أن كلفة استقدام العامل من الخارج، كانت "بحدود 4 آلاف دولار أيام الدفع من تحت الطاولة لوزارة العمل. أما حالياً فتستطيع أن تكون أوراقك قانونية، فتدفع كلفة بطاقة السفر والإقامة وإجازة العمل، بأقل من السابق، وبلا وجعة رأس". ولفت إلى أنّه يستقدم عماله من منطقة حدوديّة بين الهند وبنغلادش.

الرواتب: إكراميات
في السابق كان العمّال الأجانب يعملون في المتاجر الكبرى من دون تقاضيهم رواتب شهرية، مكتفين بالإكراميات التي يحصلون عليها من زبائن المتاجر، لقاء توصيلهم مشترياتهم إلى سياراتهم المتوقفة في "الباركنغ". لكنهم باتوا مرغمين على دفع جزء من تلك الإكراميات إلى أرباب العمل! (لا يكتفي صاحب السوبرماركت من أرباحه؟) ومع تطوّر نظام "إدارة العمل لتصير علمية" (حسب مدير شركة التنظيفات إياه)، ودخول الشركات كوسيط بين العامل والمؤسسة المُشغلة، صار "نظام الإكراميات" وسيلة حديثة للابتزاز وانتهاك الحقوق والاستعباد.

"سبينس"
نعرض هنا وضع العمال الأجانب في متجرين كبيرين: "فهد" و"سبينس"، علماً أن نظام تشغيلهم واقتصار دخلهم على الإكراميات، ينسحبان على المؤسّسات جميعاً.

وفق أحد العاملين في "سبينس" مدة طويلة، تقوم طرق استغلال عمال "البورتر" (الحمّالون) على إرغامهم على دفع ثلاثة آلاف ليرة عن كل يوم عمل لإدارة المتجر الكبير، لقاء السماح لهم بالوقوف قرب صناديق المحاسبة. ويشمل "الاتفاق الضمني" تشغيلهم بلا مقابل (سخرة) ساعتين في اليوم داخل المتجر: إحضار صناديق المياه من المستودعات، إحضار عربات النقل التي يخلّفها الزبائن في الباركنغ وترتيبها. وسرعان ما رفعت إدارة "سبنس" ما تتقاضاه منهم إلى ما يزيد عن خمسة آلاف ليرة يومياً، إضافة إلى مبلغ مقطوع عن كل عشرة أيام. وهذا ما أكّدته سيّدة عملت محاسبة صندوق في المتجر الكبير. وبعد النزاع الذي نشب بين العمّال وإدارة "سبينس"، لجأت الإدارة إلى شركة تنظيفات، للتهرّب من الرسوم التي تستحق عليها للضمان الاجتماعي.

ووفق (غ. ر)، العامل اللبناني في"سبينس"، أن الوضع تغيّر، إذ باتت شركة التنظيفات تدفع رواتب شهرية للعمال الأجانب، لقاء حرمانهم من إكراميّات الزبائن التي أخذت إدارة الشركة تحصلها منهم. واستطرد: "الشركة غير مقصّرة معهم"، أي أنها تمنحهم حقوقهم. ولدى استفسارنا عن طبيعة هذه الحقوق تبيّن أن العامل اللبناني لا يدرك أن عدم تقاضيه راتباً شهرياً خرق لأبسط حقوقه الأساسيّة الطبيعيّة، وقال: "شو منعمل بدنا نعيش"، مؤكداً أنه مثل بقية اللبنانيين العاملين مثله بلا رواتب، في مقابل ألا تجمع الشركة منهم الإكراميات التي تستردها من العمّال البنغلادشيين. ولدى إطلاعه على أن أحد الموظفين أكّد لنا عكس ذلك، غيّر أقواله وقال: "أنا شخصيا لا أدفع، وحاولوا الضغط عليّ للدفع فلم أوافق. فمنذ مدة جرت محاولات من إدارة الشركة لتحصيل عشرة آلاف ليرة من كل لبناني يومياً، فرفضوا. وحالياً يدفع بعض اللبنانيين ثلاثة آلاف ليرة يومياً كبدل للضمان الاجتماعي. أما أنا شخصياً فقد تسلّمت مهمّة تنظيف الباركينغ بلا مقابل، لقاء عدم دفعي أي قرش من إكرامياتي".

ولدى استفسارنا عن تسجيل العمّال في الضمان الاجتماعي، تبيّن إنّ "ثلاثة أرباع اللبنانيين مضمونين". وماذا عن العمال البنغلادشيين؟ "يعطونهم معاشات وإقامات، وماشي حالن".

"فهد"
في سوبرماركت "فهد" تبيّن أن العمال الأجانب لا يتقاضون رواتب شهرية، حسبما أكّد ثلاثة من التابعية البنغلادشية، يعتمدون في عيشهم على إكراميّات الزبائن. أحدهم يعمل في لبنان منذ سنوات، ويعيش مع زملائه في مكان قريب من السوبرماركت، وقال إنّه لا يتلقى أجراً، بل يدفع للإدارة لتسمح له بالعمل وتلقي الإكراميّات.

في اتصال مع صاحب المؤسسة، طلب ارسال أسئلتنا بواسطة الإيميل، ليردّ عليها محاميها. وبعد محاولات للحصول منه على بعض المعلومات، قال: "لدينا شركة تؤمن العقود للعمال أزوّدك باسمها بعد أن ترسل الإيميل". عن الأجور الشهرية قال: "لديهم كل شيء، رواتب وإكراميات". وعن شهادات بعض العمال بعدم تلقيهم رواتب، قال: "أكيد ما رح يقلك أنو بيقبض معاش، ليحصل إكراميات زيادة". وهو توعّد العمال بإجراءات، في حال "فرض أحدهم دفع إكراميات على زبائننا"، وأضاف: "الرجاء إبلاغي باسم العامل كي أتخذ الإجراءات اللازمة بحقه".

أرسلنا للسيّد فهد أسئلة كثيرة حول طبيعة العقود وشكوى العاملين، فجاءت إجابته مقتضبة وباللغة الإنكليزية، وتناقض كلامه السابق عن شركات تؤمن العقود. ونص رده حرفياً: "تعتمد شركة فهد - بولس فهد وأولاده ش.م.ل، آلية توظيف قانونية، وتوظف عمالاً شرعيين استناداً إلى قانون العمل اللبناني فحسب. وعليه، موظفونا جميعاً  مسجلون في الضمان الاجتماعي ويتقاضون الحد الأدنى للأجور. ولا يتوجّب على أي موظف دفع أي مدفوعات للعمل في مؤسستنا. وموظفونا يتمتعون بالحرية  في ترك عملهم في أي وقت يناسبهم، مهما كانت الأسباب". (يُتبع)

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019