"طلعنا عالحرية" من سوريا إلى الأردن

دمشق - يمنى الدمشقي

الجمعة 08/05/2015
على مسرح صامت تتحدث فيه لغة الجسد فحسب، يحكي 25 طفلاً حكاية الحرب في سوريا من دون أن يتفوهوا بأي كلمة تاركين للحضور تخيّل الحوار، وذلك في تجسيد منهم للمسرح الصامت أو ما يعرف بمسرح "البانتوميم". 

أجساد كثيرة تدور بصمت على خشبة المسرح، لكن شكل هذه الأجساد يبدو مختلفاً عنه في أي مسرحية عهدناها قبلاً. فالأبطال هنا هم أطفال البلد الذي ما زال يعيش حرباً منذ خمس سنوات، وقد أفقدتهم تلك الحرب أطرافهم، وآذتهم نفسياً، كما أن بعضهم مصاب بالسرطان.

"طلعنا على الحرية" اسم المسرحية، التي عُرضت في الأردن، والتي جسدها هؤلاء الأطفال، في مشهد أقرب إلى "السيكودراما"، وفي محاولة منهم لتفريغ الشحنات السلبية التي لا زالت الحرب تلقي بتبعاتها عليهم.

يقول أحمد أبو شعر، وهو أحد منظمي المسرحية ومن أعضاء فريق "ملهم التطوعي"، أن هذه المسرحية هي امتداد لمسرحية "طلعنا على الضو"، التي عرضت السنة الماضية في الأردن، كما أنها جزء من سلسة "أثر الفراشة" للفنان جلال الطويل، مخرج المسرحية أيضاً. و"أثر الفراشة" هو مشروع يهدف إلى علاج الأطفال السوريين المصابين في الحرب "من خلال السيكودراما حيث يتم دمجهم بالمجتمع من خلال هذه الأعمال، فعندما يصير الطفل تحت الأضواء وبين الجمهور ستكون لديه رغبة بالعطاء وإبراز نفسه أكثر"، وفقه.

وعن مسرحية "طلعنا على الحرية" يقول أبو شعر أن التدريب عليها استمر 50 يوماً بمشاركة 25 طفلاً، بينما تجاوزت أعداد الحضور الـ300 شخص بينهم الفنان عبد الحكيم قطيفان والفنان مازن الناطور والفنان يحيى حوا، في حين نفذت موسيقى المسرحية من قبل الفنان مالك جندلي. وامتدت المسرحية زهاء خمسين دقيقة، من العرض الصامت، أو ما يسمى بخيال الظل، "الذي يدمج بين خيال الظل والممثلين ليخرجوا على الجمهور".

وتدور أحداث المسرحية حول ما جرى ويجري في سوريا، وحول معاناة الشعب السوري طوال السنوات الأربع الماضية. وتبدأ الحكاية من خروج الأطفال للكتابة على الجدران إلى مشهد التعذيب والاعتقال مروراً بمشاهد القصف والدمار والموت، كما عرج الأطفال على قضية المعتقلين و"مشهد الكيماوي". ولم تغب أجواء الحب الذي لم تمنعه الحرب عن المسرحية، و"جرت كل هذه المشاهد صامتة لأبطال كانوا مصابين، لكنهم أتقنوا هذه الأدوار بشهادة الفنانين الموجودين"، بحسب أبو شعر.

إلا أن الخوف كان قد تمكن من بعض الأطفال، فمنعهم من الظهور أمام الجمهور. فراجح مثلاً، وهو طفل مصاب من درعا، يعاني من بتر أطرافه السفلية وأصابع من يديه، رفض الخروج إلى المسرح ثلاثة أيام، إلا أنه كان يتابع في الكواليس ما يجري، حتى طلب في اليوم الرابع الخروج لتأدية دوره. وفعلاً خرج من عزلته واستطاع أن يثبت قدرته.

"الوحش" هو بطل أساسي في المسرحية وهو رمز للظلم المتجسد في سوريا في أي شكل كان. ظلم الجهل، ظلم النظام واستبداده، ظلم الظروف الحياتية القاسية واللجوء. هكذا، خرج الوحش بداية في مشهد كتابة الأطفال على الجدران وقام بضربهم وتعنيفهم، وفي مشهد آخر قام بتكسير ألعابهم، لتقوم بعدها أميرة المسرحية بضربه بعصاها السحرية حتى توقعه أرضاً، في رمزية طفولية تجسد انتصار البراءة والحياة على الظلم.

أما مشهد الكيماوي فهو لعائلة تنام على أرض المسرح. وفجأة يأتي الوحش حاملاً برميل كلور أو غيرها من المواد الكيماوية ويرميه على الأطفال فتغطي المسرح سحابة صفراء مع دخان كثيف، وتتسارع أنفاس الأطفال، فيخرجون مرتدين ثياباً بيضاء كأنهم ملائكة. ثم تأتي أميرة المسرحية مرة أخرى وتضرب بعصاها السحرية فيستيفظ الأطفال من نومهم. ثم عرض فيديو لطفلة في الغوطة كانت تصرخ بعد ان استنشقت مواداً كيماوية "أنا عايشة، أنا عايشة". وفي الختام يشير الأطفال بأصابعهم إلى الجمهور، كأنهم يحملون الحضور مسؤولية ما جرى لهم.

وفي مشهد آخر يقوم الوحش بإطلاق النار على الأطفال ليرديهم قتلى الواحد تلو الآخر. وكل طفل يُقتل يولد من جديد، لتنهض في النهاية طفلة وتضع وردة على فوهة بندقية الوحش فينهار، ويرفع الأطفال راية الحب والسلام والأمل.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021