مؤتمر بلديات جبران باسيل: وزير "الحل النهائي"

المدن - مجتمع

الأحد 16/06/2019

على أكثر من جبهة، يشن "العونيون" حملة متواصلة بلا هوادة ضد اللاجئين السوريين، بوصفها "معركة وجودية" تتخذ أحياناً طابعاً هستيرياً ومحموما، بهدف تحويل لبنان إلى "جحيم" أكثر سعيراً من الجحيم الأول الذي فروا منه، بما يجبرهم إما على رمي أنفسهم بالبحر أو رمي أنفسهم مرة جديدة تحت سياط النظام القمعي والقاتل في بلادهم.

ويقود هذه الحملة رجل متشبع بأفكار رثاثة اليمين المتطرف وعنصريته، لا يتوانى عن مخاطبة أكثر الغرائز بدائية.. كما لا يتردد في إخفاء الحقائق وتحريف الوقائع.

وجبران باسيل، وزير خارجية لبنان، "صديق" النظام الأسدي في سوريا، و"حليف" حزب الله، لا يقول لمناصريه ومؤيديه، أن مشكلة اللاجئين السوريين إنما سببها هما هذان الصديق والحليف. فالأول، عرقل مساعي "الأمن العام" ومساعيه هو شخصياً في تأمين العودة لعشرات الآلاف الذي أبدوا الرغبة فيها. فيما الثاني، يحتل ويسيطر على مجمل المناطق السورية المتاخمة للبنان من أرياف حمص إلى ريف دمشق الغربي والشرقي وصولاً إلى تخوم الجولان، وهو يمنع عمداً عودة سكان القصير والقلمون ووادي بردى وسائر البلدات والقرى التي نزح عنها سكانها ولجأوا إلى لبنان.

وعوضاً عن التعامل مع هذه الحقيقة، وبدلاً من أن يعلن لماذا فشلت المبادرة الروسية أصلاً لتأمين عودة النازحين، يحول اللاجئين أنفسهم إلى "مذنبين" وإلى "خطر" وإلى مادة كراهية وموضوع تحريض.

لا يتورع باسيل عن جعل اللاجئين السوريين "عدواً قومياً". يسكت عن حقيقة أن الغالبية العظمى من اللاجئين السوريين المتواجدين في لبنان اليوم، هم ضحايا جماعة لبنانية مسلحة شاركت الأسد في مسح قراهم عن وجه الأرض وجرفت أراضيهم وبساتينهم، وبالتالي فإن لبنان نفسه مسؤول على قدم المساواة مع روسيا وإيران والنظام الأسدي في تهجير أولئك الناس من مساكنهم. هو أقل جرأة من مصارحة أنصاره أن نظام الأسد، صديقه، هو الذي لا يريد عودتهم. يسكت عمداً عن المليارات من الدولارات التي تقاضتها الوزارات اللبنانية كمساعدات دولية لرعاية اللاجئين وتأمين الخدمات الأساسية لهم. يسكت عمداً عن الاستغلال الاقتصادي المشين لهؤلاء اللاجئين في كافة الأعمال التي "يأنف" جمهوره عن مزاولتها، أكانت قطف تفاح في أعالي جرود بترونه، أو حمل أحجار الباطون في مشاريعه الهندسية والمعمارية.

جبران باسيل، ليس عنصرياً وحسب، إنه عنصري فعّال وملهم. عنصري يتلفظ بعبارات نفي العنصرية، على طريقة حاكم ولاية ألاباما مطلع الستينات، حين كان يقول أنه ليس عنصرياً ويحترم السود ويريد لهم كل الخير، بل وحتى المساواة.. لكن يكره "الاختلاط"، في المطاعم والحمامات والباصات..إلخ.

فشل جبران باسيل بتمرير أفكاره لتبنيها في سياسة الحكومة الرسمية، فشل أيضاً في إقناع الدول المعنية بتبني خططه، فشل في الترويج لخطة روسيا التي سرعان ما تخلت عنها، وفشل في ترتيب تفاهم مع حزب الله في هذه القضية.. بل فشل بتوريط الجيش والقوى الأمنية لشن حملة طرد جماعي يحلم بها. لذا، يسعى اليوم إلى "البلديات" كمؤسسات محلية قادرة ميدانياً على "مطاردة" اللاجئين وتحويل حياتهم إلى كابوس.

وضع "البلديات" بوجه اللاجئين السوريين أمر بالغ الخطورة، لأن القيود الحقوقية والسياسية التي تضبط سياسة الدولة وأجهزتها الأمنية والقانونية، تصبح غير ذي شأن عندما تعمد الإدارات المحلية البلدية إلى إجراءات تعسفية تتجاوز كل هذه القيود. الحرية التي تتمتع بها البلديات تمنح باسيل ما يريده: حملة اضطهاد واسعة النطاق، إن لم نقل "حملة تطهير" قد تنفلت إلى "حمى عنصرية" عنيفة وإجرامية.

إن الكلمة التي ألقاها جبران باسيل يوم السبت 15 حزيران، في مؤتمر البلديات الذي نظمه "تيار الوطني الحر"، هي بمثابة الساعة الصفر لعملية ستكون نهايتها وخيمة على الجميع، سوريين ولبنانيين.

يقول باسيل: "للأسف اليوم نحن نستنجد بالبلديات لتقوم في مقام الدولة والحكومة اللتين للأسف هما في موقع المقصر في القيام بالواجبات من عام 2011" وأضاف: "كنا في كل مرة نتحدث عن ورقة نزوح كنا دائما نضع البلديات كركن أساسي في تنفيذ هذه الخطط، لأن دورها وصلاحياتها يسمح بهذا الشيء".

في موضع آخر يقول كلاماً بديهياً "حرصنا على موضوع العودة هو بالطبع لمصلحة لبنان واللبنانيين، ولكن هو من المؤكد أيضاً لمصلحة سوريا والسوريين، لأن عودة السوريين إلى وطنهم هو حق من حقوقهم، وليس بحاجة إلى قرار دولي أو لقانون دولي". يعرف باسيل عندما يقول ذلك أن الغالبية المطلقة من اللاجئين الذين يعيشون أحوالاً مزرية متعطشون للعودة، ويعرف من يمنعها لكنه أبداً لا يبوح ولا يعلن من المسؤول.. بل يلوي الحقائق ويزيفها عندما  يعلن "في حالة النزوح السوري هناك أوضاع سياسية حصلت وأصبح اليوم بإمكانهم العودة، ومن أجل ذلك نحن نؤكد أننا مع وحدة سوريا، ونحن عندما نطرح موضوع عودة السوريين إلى وطنهم لأجل الشعب السوري، ونحن لن نسمح بالتهويل علينا بهذا الملف، ولن نرتد عن الإصرار على موقفنا من دون أن نكون عنصريين بل أن نكون وطنيين". أما كيف اختصر الأمر بـ"أوضاع سياسية حصلت وأصبح اليوم بإمكانهم العودة" فهذه هي "عبقرية" صهر الجنرال.
لكنه فجأة يقر بشيء من الحقيقة: "تجربة اللاجئ الفلسطيني بالنسبة إلينا لن تتكرر مع النازح السوري لأنه أولا يريد العودة إلى بلده، إلا أنه ممنوع من عدة أطراف. والعالم يستعمل ورقة النزوح لضغط سياسي في اللعبة السياسية القائمة، وللأسف لا أحد يأخذ بالاعتبار المصلحة الوطنية العليا، وخصوصا أنه قد أجمعت الاحصاءات أنه في الكلم المربع الواحد يوجد 200 شخص، وهذا أمر لا تستوعبه الدول ذات المساحات الكبيرة. وما يتحمله لبنان لا يوجد أي دولة في العالم تتحمله. ونحن اليوم أمام واقع صعب جداً أكان على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي أو ارتفاع نسبة الجريمة، ولكن الأهم، هو ارتفاع نسبة البطالة، وهذا الأمر الذي دعانا إلى أن نبدأ بمرحلة محاربة النزوح الاقتصادي، فأي دولة لا تسمح بالنزوح الاقتصادي لأن الفرص بالبلد المضيف أفضل". وأكد "أننا لن نقبل أن يبقى اللبناني من دون عمل والنازح السوري يعمل بطريقة غير شرعية"، مشيرا إلى "أن من صلاحيات البلديات الا تسمح بعمل السوريين الا بالزراعة والنظافة والبناء، ومنع الاكتظاظ بالمسكن الواحد".

بعض الحقيقة هنا، يتلوث بجملة من نوع "ارتفاع نسبة الجريمة" أو "ارتفاع نسبة البطالة". لن نساجله في موضوع نسبة الجرائم، فهذه لا صلة لها في كل الاحصاءات باللاجئين، أما بخصوص البطالة، فلا يصارح باسيل مستمعيه بحقائق الأزمة الاقتصادية وفشل حكوماته وسياساته المالية والاقتصادية. وإلقاء المسؤولية على اللاجئين هنا هو فعل مشين على أقل تقدير. ثم أنه يتناسى أن لبنان منذ الخمسينات وحتى اليوم يعتمد بقطاعات أساسية فيه على العمالة السورية، بوجود نازحين أو بعدم وجودهم.

الصحيح حقاً أن هناك مشكلة هائلة. وأن عبئاً ضخماً، خدماتياً واجتماعياً وبيئياً وصحياً وتربوياً.. يشكله اللاجئون السوريون على لبنان، ويحتاج إلى أكبر مساعدة وتضافر جهود دولية ومحلية للتخفيف من هذا العبء، من ناحية، والعمل السياسي الإقليمي والأممي لبلورة حل للمسألة السورية، تضمن العودة "الطوعية" و"الآمنة". لكن لا خطاب البطالة ولا خطاب نسبة الجرائم ولا خطاب "اكتظاظ السكن" هو الحل بل هو رزمة مشاكل إضافية يخترعها وعذابات جديدة للسوريين كما هو خطايا جديدة للبنانيين ومبعث شقاق وفتنة وابتذال سياسي.
وهذا بالضبط ما يلمح إليه باسيل في هذه العبارة "ما عاد يحتمل الوضع الأمني، فأقل مخيم للنازحين أصبح في داخله أسلحة خفيفة ومتوسطة" (من أين أتى بهذه المعلومات؟!). خطورة ما يقوله هنا، إذا كان واعياً لها، فإن باسيل يلعب بالدم. يطرح فكرة قريبة من أن تكون ذريعة لـ"الحل النهائي"، بما تعنيه هذه العبارة في التراث اليميني المتطرف.

بقية خطابه يتسق مع برنامج تياره السياسي، الذي هو "مغامرة" جديدة ليمين عريق بطائفيته وعنصريته وحروبه الإلغائية التي لا تنتج سوى مهاجرين ولاجئين ونكبات متتالية على لبنان.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019