عسكرة بيروت لقمع الغضب.. والأرواح تتصاعد من تحت الركام

نادر فوز

الخميس 13/08/2020
إعلان حالة الطوارئ في بيروت، بعد أسبوع من تفجير 4 آب، ليس إلا جريمة أخرى ترتكبها السلطة بحق الناس. عائلات مستمرّة بالحداد على أبنائها، وأخرى تنتظر نبشهم من تحت الأنقاض. آلاف يبحثون بين الركام عن آثار منازلهم، وعشرات الآلاف غيرهم أكدوا قبل أيام في الشارع بمطلب القصاص من القتلة. فيأتي إعلان حالة الطوارئ ليحاول إطفاء كل الغضب المتراكم المكلّل بجريمة مرفأ بيروت. محاولة سلطوية جديدة للقمع المباشر، تترافق مع جملة من ملفات الإلهاء الشعبي. قضايا كبيرة وصغرى، تشكيل الحكومة، زيارات خارجية، البحث عن مواد خطرة في المرافق العامة، والطوارئ.. كلها ملفات تهدف إلى طمس الغضب. تعيد تصويب البوصلة الشعبية بما يتناسب مع مصالح السلطة المسؤولة عن كمّ الجرائم المرتكبة. بدل القصاص و"تعليق المشانق"، صار النقاش يدور حول إخراج فرنسي للحكومة وشروط أميركية للتأليف. وانجرّت مجموعات وأحزاب من ثورة 17 تشرين إلى هذا النقاش بمنتهى البلاهة.

حكومة ثورية؟
بعض هذه المجموعات تشرّبت سموم السلطة، وتصرّ حتى الساعة على طرح تشكيلة حكومية تمثّل "الثورة" وناسها. وهنا سؤال جوهري، حكومة ثورية تكتسب شرعيّتها من مجلس نيابي لا تعترف الثورة بشرعيته، وتعمل مع رؤساء تعتبرهم أيضاً غير شرعيين؟ المجموعات والناشطون، يتّهمون السلطة بالعمل على تشكيل حكومة على دمّ شهداء التفجير، وهم يعملون على الأمر نفسه. كلّ هذا والهمّ في مكان آخر. فالوجدان العام على رصيف مرفأ بيروت، حيث أرواح الضحايا لا تزال تتصاعد من تحت الركام. القصاص أولاً، ولو بعد شهر أو اثنين أو سنة. أو لنعلّق عداداً رقمياً على مدخل بيروت في الصيفي لتسجيل أيام اللا قصاص واللا عقاب ونمضي في حيواتنا الاجتماعية والسياسية كما فعل آخرون.

الأسلحة والمعدات العسكرية
وفي محيط العدّاد هذا، قرار عسكري بات يحكم المدينة ويحلو له فعل ما يشاء فيها من توقيفات ومداهمات ومصادرات ورقابة وإبعاد وفض للتجمّعات. لجأت السلطة إلى العسكر لحماية نفسها بشكل كامل من غضب الناس. حتى أنّ السياسيين أطلقوا يد العسكر على الغالب في ممارسة أي فعل قمعي. وفي قراءة بنود إعلان حال الطوارئ، غير العسكرة الشاملة للعاصمة، تشير الفقرة 12 من المادة الرابعة من المرسوم الاشتراعي رقم 52 الصادر في 5 آب 1967، إلى "تطبيق القواعد العسكرية المتعلقة بالأعمال الحربية عند تسيير الجنود للأعمال المسلحة وفي استعمال الأسلحة والمعدات بجميع الطرق التي تمكنهم من القيام بالمهمة الموكلة إليهم". بات بإمكان القوى المسلحة استخدام ما يحلو لها من أدوات القمع، بما فيها الرصاص الحيّ.

الطوارئ غير الشفافة
وبين السلطات اللبنانية اليوم، لا من يجيب أو يحدّد للبنانيين متى بدأ تطبيق إعلان حال الطوارئ. هل بدأ يوم أصدرت الحكومة المستقيلة المرسوم في 5 آب؟ يوم نشر في الجريدة الرسمية في السابع منه؟ أم اليوم الخميس 13 آب، بعد مصادقة المجلس النيابي عليه؟ ليس من يجيب حتى عن الدائرة الجغرافية لسريان مفعول حال الطوارئ في بيروت. هل هي بيروت العقارية؟ الإدارية؟ الكبرى؟ هل تشمل الضاحية الجنوبية؟ ضواحي بيروت الشرقية وصولاً إلى جلّ الديب والضبية؟ هل تشمل حال الطوارئ أي اعتصام أو تحرّك على مدخل القصر الجمهوري في بعبدا مثلاً؟

القمع الآتي
كما في أي ظرف أو ملف أو أمر آخر، تترك السلطة اللبنانيين في حقل التجربة. عليهم النزول إلى الشارع لإدراك حجم حال الطوارئ ونطاقه ومفاعيله القمعية. اليوم، قبيل انعقاد جلسة مجلس النواب في قصر اليونيسكو، تجمّع 7 أشخاص على أحد المفارق المؤدية إليه. رشقوا المواكب النيابية بالبيض. تُرك هؤلاء وحدهم في الشارع ليعبّروا عن سخطهم من العصابة المجتمعة لإقرار قانون الطوارئ. واليوم أيضاً، انطلقت النقاشات والدعوات لتجمّع يوم السبت في ساحة الشهداء استكمالاً لما بدأ قبل أشهر. وآخر، مساء الخميس والجمعة رفضاً لإعلان الطوارئ. قبل تكريس الطوارئ وعسكرة بيروت، سقط يوم السبت الماضي في بيروت ما لا يقلّ عن 250 جريحاً ومصاباً في قمع القوى الأمنية للناس، منها 7 إصابات بالعيون برصاص مطاطي. عشرات المصابين برصاص الخردق، وما لا يقلّ عن 7 بقنابل الخردق، منها في الوجه والصدر والكبد والرئة. 

كانت هذه المشاهد قبل تأكيد عسكرة المدينة. وقد نكون اليوم أمام مشهد أفظع وعام في البطش والقمع. مشهد لا يكترث لوجود عدّادات رقمية للعدالة والضحايا.  

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020