سحر كورونا الأسود: بعض المصابين يقتلهم الرعب أو ينتحرون

نبيلة غصين

السبت 02/05/2020
نشر وباء كورونا الخوف في أنحاء المعمورة، فغيّر نمط حياة البشر وهواجسهم وأفكارهم، فزرع الهلع في نفوسهم، أصحّاء ومصابين.

وحال الهلع قد تدفع البعض إلى الانتحار. وهذا ما فعله قبل أيام رجل تركي ظهرت عليه أعراض كورونا، فذهب إلى مستشفى للفحص. وبعدما سُحبت عينة من دمه، سعى إلى الهرب من المستشفى بسبب الرعب الذي سيطر عليه، خوفاً من أبقائه قيد الحجر. لم يستطع الهرب، فقفز من على الشرفة في الطبقة الرابعة، وأصيب بجروح خطيرة. وبعد وضعه أياماً في غرفة العناية المركزة، فارق الحياة. وكان قد تبين أن نتائج فحصه جاءت سالبة.

رعب وتأنيب ضمير
تشير هذه الحالة إلى تأثير التعامل مع المصابين أو المشتبه بإصابتهم بكورونا. وذلك باعتبارهم كائنات وبائية مرعبة، موصومة ومنبوذة. لذا صار يساور الناس مركب معقد من الرعب: رعب من الإصابة بالفيروس، ورعب من الوصمة والنبذ الاجتماعيين، ورعب من الموت.  

وبيّنت بعض التجارب الراهنة أن الرعب من الموت الذي يتلبس المصابين، يؤثر تأثيراً سلبياً على مناعتهم ونفسياتهم ومعنوياتهم ومقاومتهم أثناء تلقيهم العلاج، وغالباً ما يستسلم بعضهم لمصيره الذي يعتبره محتوماً: الموت. وهذا ما أكده أطباء عاملون في قسم علاج مصابي كورونا في إيطاليا. وأكدت تقارير طبية أن سبب وفاة بعض المصابين نجمت عن "ذبحة قلبية"، وخصوصاً من فئة كبار السن. فشرايين المسنين الضعيفة لا تحتمل مادة الأدرنالين التي يفرزها الجسم نتيجة الرعب.

وهذا يحيل إلى طرح السؤال التالي: هل أدى عامل التهويل والرعب إلى إرتفاع عدد ضحايا كورونا في العالم؟ وهذا فيما لم يعر الأطباء والحكومات، ولا حتى منظمة الصحة العالمية، اهتماماً ملحوظاً لصحة المصابين النفسية. فالإجراءات والتصاريحات والحملات الإعلامية، بثت الهلع من الإصابة بالفيروس والموت به.

وقد صرّح عدد من المصابين المتعافين أن حالاً من الذعر والرعب والخوف من الموت أصابتهم لدى تبلغهم نتيجة فحوصهم، وأصابت عائلاتهم وأحبتهم، ليس عليهم فحسب، بل على أنفسهم أيضاً. وهذا ما جعلهم يصابون بحال من تأنيب الضمير جراء نقلهم العدوى لمساكنيهم ومخالطيهم.

السحر الأسود
هل تحمل هذه الظواهر المصاحبة لتفشي وباء كورونا على استعادة ظواهر مشابهة عاشتها المجتمعات في القرون السابقة؟ ومنها مثلاً ظاهرة ما سمي "السحر الأسود" الذي ذاع الاعتقاد به سالفاً، وتسبب بوفاة كثيرين لمجرد اعتقادهم بأن ذلك السحر قد مسّهم.

وفي هذا السياق اتصلت "المدن" بالطبيب اللبناني أيمن اسماعيل الذي يتعامل مع مرضى كورونا في إحدى مستشفيات إيطاليا. فأفاد اسماعيل بأن عدداً من المصابين توفوا، من دون أن تتعدى نسبة الخطر على حياتهم جراء الإصابة 30 في المئة. أي أن وضعهم الصحي من الناحية الطبية، لم يكن حرجاً. وتبين لاحقاً أنهم توفوا في سكتة قلبية أو دماغية، يُرجح أن يكون سببها الخوف والرعب. 

وكان العالم في الطب النفسي والتر كانون قد تطرق إلى هذا الموضوع في مقالته "الموت بالسحر" أو "الموت بالتعاويذ". وهذا مصطلح صاغة كانون في العام 1942. وهو يمثل ظاهرة موت مفاجئ، بسبب صدمة نفسية – عاطفية قوية، مثل الخوف والهلع. وقد استند على مشاهداته وملاحظات عدد من الباحثين، منهم سوردي سوزا في أميركا الجنوبية عام 1587. ويقول إنه كان "أول من لاحظ وفيات تحدث من الرعب بين هنود التوبينا مباس، عندما يحكم أو يعلن أحد المطببين أن بعض الأشخاص غير قابلين للشفاء".

بين الأمس واليوم
وفي ملاحظات بعض دارسي الانثربولوجيا بين السكان البدائيين في شمال أستراليا، تظهر حركتان محددتان تصيبان الجماعات التي يصبح "السحر الأسود" فيها مؤثراً، ويؤدي إلى ضحايا: في حركة أولى تنكفئ الجماعة وتلفظ المصابين بذلك السحر، وكل من هم على صلة قرابة بهم، ثم تتوقف عن دعمهم ومساندتهم. فيصيرون بذلك منتمين إلى عالم المقدس والمحّرم، أكثر من انتمائهم إلى العالم العادي، عالم الجماعة. وشيئاً فشيئاً يروح يتهاوى وينهار عالم الجماعة نفسها ونظام حياتها الاجتماعة. وهذه هي الحركة الثانية.

أليست هاتان الحركتان هما تقريباً ما يعيشهما عالمنا اليوم الذي يجتاحه وباء كورونا؟ فالمصاب إنسان من الضروري عزله وحجره، ولا بد من أن ينتابه الهلع ممزوجاً بشعور بالنبذ والوصم، كأنما قد مسّه سحرغريب، أو حلت عليه اللعنة. فلا يقترب منه أحد، حتى أقرب الناس إليه. ولعنة الوباء ترافقه بعد موته، إلى القبر، كأنها "عقاب شيطاني".

أما المجتمعات البشرية في زمن تفشي وباء كورونا، فها هي تعيش حالاً من الذعر والهلع اليومي. فلم يبق من أخبار العالم أي خبر خارج هذه الحال. ووسائل الإعلام والتواصل كلها لم تعد تتناول من حوادث هذا العالم، سوى إحصاءات المصابين بالعدوى وضحاياها، والنتائج الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنفسية المترتبة عليها والناجمة عنها. وكثيرة هي التحليلات والتكهنات التي تتحدث عن انهيار العالم وتحوله الكارثي.

حالات انتحار
يفيد الدكتور اسماعيل أنه مع تزايد أعداد المصابين في إيطاليا، وإمتلاء غرف العناية المركزة، استسلم بعض المرضى المسنين لقدرهم: اختاروا الموت بإرادتهم على انتظار دورٍ في تلك الغرف ربما لن يأتي. فقسم منهم كانوا يطلبون من الأطباء إزالة الأجهزة الطبية والإمساك بأيديهم، ريثما تنقضي لحظاتهم الأخيرة، لأنهم لا يريدون الموت وحيدين تحت رحمة الماكينات المعدنية. بل يريدون أن يشعروا بدفء البشر. أولادهم وأحباؤهم الذين خافوا من زيارتهم والوقوف إلى جانبهم في لحظاتهم الأخيرة. ولربما كان هذا سبباً إضافياً لاستسلامهم وعدم تمسكهم بالحياة.

وهذا أيضاً ما يصفه الباحث كانون في مقالة "الموت بالسحر": "يصبح الرجل المصاب بالسحر في وضع لا يمكن الهروب منه إلا بالموت. والإيحاءات المضاعفة التي يتلقاها من الجماعة، ترغمه على الانسحاب، تماهياً منه مع الموقف الجماعي. وهكذا يستسلم لنوع من الإنتحار".

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020