جذر المافيوية في لبنان: المناصب والوشاية والجريمة

محمد أبي سمرا

الثلاثاء 13/08/2019
في معرض إشارته إلى أصداء حادثة قتل سعد الدين باشا شاتيلا سنة 1951 على مدخل قصره الذي كان قائمًا مكان مستديرة شاتيلا عشية افتتاح مطار بيروت الدولي الجديد في خلدة سنة 1954، ذكر راوي الحادثة خليل خالد الفغالي المولود سنة 1934 في المريجة، أن الجريمة خضّت زعماء بيروت، وتصدّر خبرها "بالبوند العريض" الجرائد البيروتية الصادرة آنذاك.


صحافة أهل القوة
إذا صدقت أو صحت إشارة الراوي إلى أن حادثة قتل الباشا شغلت الدائرتين اللتين ذكرهما من دون سواهما من دوائر المجتمع – وإشارته هذه صادقة وصحيحة على الأرجح – فإن دلالتها تتجاوز التوكيد على مكانة الباشا القتيل بين زعماء بيروت، أي أهل القوة والتصدر في المجتمع البيروتي، إلى الكشف عن مسألة أخرى: الحوادث التي تتصدّر أخبار الدائرة الصحافية – وهي دائرة العلانية العامة المشتركة الأبرز والأقوى في المجتمع – إنما هي تلك تخصُّ أهل الزعامة والمكانة، وتحدثُ في دائرتهم وتشغلهم.

ألا تؤكد هذه المسألةُ ظاهرةً معروفة لازمت نشأة الصحافة المحلية وازدهارها في حقبة التنظيمات أو الإصلاحات العثمانية في نهايات القرن التاسع عشر؟ ويكشف راوي حادثة قتل الباشا شاتيلا في مطلع خمسينات القرن العشرين عن استمرار تلك الظاهرة: الصلة العضوية بين ولادة الصحف والصحافة وظهور نخب عائلية واجتماعية جديدة متعلمة تعليمًا محدثًا في المدن اللبنانية، وتوسل تلك النخب إنشاء الصحف وإصدارها للتعبير عن تطلعاتها الجديدة، وعن رغباتها في التصدّر وحيازة مكانة اجتماعية وسياسية جديدة، في خضم تصدّع مجتمع الولاءات والمكانات التقليدية القديمة التي كانت سائدة طوال عهد السلطنة العثمانية ومقاطعاتها وولاياتها.

لكن سعد الدين شاتيلا، كسواه من زعماء بيروت، لم تكتمل مكانته الجديدة إلا بحيازته لقب الباشوية المتقادم والعثماني الأصل والمنبت، لقاء أدائه خدمات والتزامات للملك عبد الله بن الحسين شريف مكة المنبعثة مكانته ودوره الجديدين من نسب أكثر تقادمًا من الزمن العثماني، ويعود إلى آل بيت النبي محمد. وهذا يشير إلى أن المكانات والأدوار الجديدة لا قيامة لها في المجتمعات العربية والإسلامية، إلا إذا لابستها أنساب وألقاب شريفة تعود إلى عهود سالفة متقادمة. أما الصحافة التي يُفترض أنها وليدة العلانية العامة المشتركة وديمقراطيتها المحدثة، فيبدو جليًا أنها ظلت في المجتمعات العربية والإسلامية ولبنان أسيرة ولادتها على أيدي النخب العائلية والإجتماعية الجديدة، وأسيرة توسل النخب بها لحيازة المكانة والمناصب التي لا تكتمل وتكتسب شرعيتها إلا باستعادة أصحابها ألقابًا وأنسابًا لصيغة بالهويات الوروثة، على الرغم من أن الحداثة الديموقراطية وصحافتهما تفترض ذواء الألقاب والأنساب والهويات المتقادمة وزوالها، كشرطٍ لازم من شروط الديموقراطية وظهور صحافتها دائرةً للعلانية العامة المشتركة. وهذا ما يخالفه اقتصار أصداء حادثة قتل الباشا شاتيلا سنة 1951 على خضّها أمثاله من زعماء بيروت الباشوات والبكوات، الذين لو لم يكن القتيل واحدًا منهم أو تربطهم به صلات وعلاقات مدارها تقاسمهم المكانة والمناصب والنفوذ والألقاب والأنساب والمغانم، لما هزّتهم حادثة القتل وانشغلوا بها، ولما تصدّر خبرها صحف المدينة التي يبدو أنها صحف أهل القوة والسلطان.

القاتل وشيخ الشباب
أما ملابسات قتل الباشا والبحث والتحري عن إبراهيم الصيداني، قاتله انتقامًا لإهانة والده من أهل الضعف والهوان، وتمنّع أحد أهل القوة والسلطان (الباشا إياه) عن سداد مبالغ مالية ضئيلة مستحقة له في ذمته، فتكشف لاحقًا بعد حادثة القتل عن وجه من وجوه العلاقات الأهلية والعشائرية وضغائنها، المتصلة بدورها بالمكانات والمناصب وحيازة الأملاك العقارية، ولو بالقتل، في دائرة تشهد تحولات اجتماعية وسكانية وتتداخل فيها قيم وتقاليد وولاءات متباينة ومتضاربة.

كان حسن محمود المقداد – المعروف من الراوي الفغالي بــــ "أبو طعان المقداد" في الخمسينات، وبكونه "شيخ شباب" في دائرته الأهلية المحلية وجوارها، وهي دائرة هاجر أهلها من قرية لاسا الشيعية في أعالي جرود جبيل إلى ساحل المتن الجنوبي، وأنشأوا "حي المقداد" العشائري لإقامتهم الجديدة في طرف حارة حريك المسيحية الشمالي الشرقي – قد سبق أن استأجر بالتراضي بينه وبين الباشا شاتيلا قطعة أرض من أملاك الأخير، وأنشأ عليها محطة محروقات بدائية. وتوكيدًا على "مشيخة شباب" أبو طعان المقداد، شاع بعد مقتل الباشا أن قاتله الصيداني الذي رأى الباشا يضرب والده بعصاه الخيزان على مدخل قصره، وقرر الانتقام لمهانته، ذهب إلى أبو طعان واستشاره في ما يفعل، فشجعه قائلًا له: اقتله وأنا أهرّبك وأخفيك إلى يوم الدين. وكان هدف المقداد من ذلك الاستيلاء على قطعة الأرض التي استأجرها من الباشا. وشاع أيضًا أن الصيداني فور إطلاقه النار من مسدسه على الباشا على مدخل قصره، هرب لاجئًا إلى أبو طعان الذي من المؤكد أنه اقتاده إلى قريته لاسا، حيث كان يملك بيتًا صغيرًا مهجورًا على طرفها، وكان يتعذر الوصول إلى تلك القرية الجردية بالسيارة، إذ كانت الدروب المؤدية إليها من قرطبا- ميروبا برية كلها، ويتعذر سلوكها إلا سيرًا على الأقدام أو ركوبًا على الدواب.

والأرجح أن أبو طعان المقداد، كان متفقًا مع أحد أنسبائه في لاسا على تأمين وصول الصيداني إلى ذلك البيت الجردي المهجور والمنعزل ليمكث فيه مختبئًا، وفي حوزته مسدسه وعددًا من القنابل اليدوية، على ما تبين لاحقًا.

الأرض ثمنًا للوشاية
بعد عودة أبو طعان إلى بيروت، ذهب إلى زوجة الباشا القتيل، وأخبرها بأنه يعلم في أي مكان يختبئ الصيداني، واشترط عليها أن تطوّب باسمه قطعة الأرض المستأجرة من الباشا، لقاء اطلاعها على ذلك المكان، فاستجابت طلبه. اصطحب المقداد إلى لاسا أربعة مفتشين في جهاز التحري، مسلحين بمسدسات وبنادق رشاشة من نوع بريتا، فأرشدهم إلى البيت المهجور، وحذّرهم من أن الصيداني مسلح بمسدسه البرابلو وبقنابل يدوية. ويبدو أن القاتل المختبئ تنبّه إلى حركةٍ حول البيت، وأبصر الرجال المسلحين في الخارج حيث كان الضباب الجردي كثيفًا ويحجب الرؤية إلا من مسافة أمتارٍ قليلة، فدفعه خوفه من دهمهم البيت وانقضاضهم عليه في داخله إلى خروجه من بابه ومفاجأتهم بإطلاقه النار عليهم من مسدسه. وعلى الرغم من أن رجال التحري بادلوه إطلاق النار من بنادقهم الرشاشة، مكّنته كثافة الضباب من الهرب نحو الجرد المطل على دير الأحمر واللبوة. تفرق رجال التحري لمطاردته وحصاره. وللمرة الثانية مكّنه الضباب الكثيف من الاختفاء عن أبصارهم، ومن أن يكمن مختبئًا بين صخرتين أبصر بعد وقت قليل تحريًّا يقف على إحداهما فوقه، فحمله خوفه من أن يراه التحري على إطلاق النار عليه وإصابته في مقتلٍ. وكان القتيل المفتش رامز هزيمة من قرية قريبة من بعلبك، والراوي الفغالي، التحري بدوره، كان على معرفة وثيقة به. وليتابع الصيداني فراره قذف من مكمنه قنبلةً يدوية، ثم قفز من بين الصخرتين هاربًا في الجرد، وظل الضباب حليفه فلم تصبه رشقات رصاص بنادق التحريين حتى وصوله إلى جرود الهرمل، والتجائه إلى شخص من آل جعفر وطلبه الحماية منه، فاستجاب الرجل العشائري طلبه المستجير به بناءً على التقاليد والأعراف العشائرية السائدة هناك.

جذر الأجهزة المافيويّة
عزوف كبار مفوضي التحري التابعين لجهاز الأمن العام عن تنسيق عمليتهم مع مخافر الدرك في جبل لبنان وبلاد جبيل وعن طلبهم مساعدة رجال الدرك العليمين بطبيعة المنطقة، انطوى على رغبتهم – بحسب الراوي الفغالي – في الظهور والبروز في إنجازهم المهمة ونجاحهم فيها منفردين. لذا وعدوا مفتشي التحري الأربعة الذين أوكلوا إليهم تنفيذ عملية دهم القاتل في الجرد بمكافآت وترقيات. لكن فشل العملية وفرار القاتل وقتله المفتش رامز هزيمة، أدت إلى تكليف قائد سرية الدرك في البقاع، المقدم بطرس عبد الساتر، المنتشرة مخافرها القليلة من قريتي سحمر ويحمر في أقصى جنوب البقاع، إلى قرية القصر في أقصى شمال البقاع الشرقي مرورًا بالهرمل وجرودها التي فرَّ إليها القاتل الصيداوي، والتجأ إلى عشيرة آل جعفر فيها.

لكن أفلا يجوز أن نفتح هلالين هنا للقول: ما أشبه حال الأجهزة الأمنية اللبنانية وغير الأمنية أيضًا اليوم بحالها في الأمس البعيد، والتي قد تكون أسست لما هي عليها حالها الراهنة المزرية والمتفاقمة في تخلّفها وتقادمها وتفككها وتحللها وتقاسمها إقطاعات بين زعماء الجماعات النافذين والمتنازعين تنازعًا مستميتًا على ضمها إلى ممتلكاتهم وإمرتهم، المتضاربة حدّ الصدام ما بين الأجهزة، التي تكاد مهام مقدميها تقتصر على الولاء ولاءً قبليًا شبه مافيوي لأهل المناصب والنفوذ وحيازة المغانم والسلطان من الزعماء والرؤساء.

مساومة مع العشائر
نعود إلى هرمل الأمس البعيد، وفرار الجاني الصيداني إليها، وما فعله قائد سرية الدرك البقاعية المقدم بطرس عبد الساتر للقبض على القاتل الفار: كان عبد الساتر على صداقة قوية تربطه بقائد الجيش اللواء فؤاد شهاب الذي جعله مندوبه في مفاوضة عشائر بعلبك – الهرمل، ثم كلفه لاحقًا، بعد إنهاء خدمته في سلك الدرك، وانتخاب شهاب رئيسًا للجمهورية بعد حوادث 1958 الدامية، ليكون مصلحًا بين العشائر وتبادلها الثارات، ووسيطًا بينها وبين قيادة الجيش في حال قيام وحدات الجيش بعمليات في مناطق العشائر، وقد أصدر الرئيس شهاب مرسومًا جمهوريًا بتكليف عبد الساتر هذه المهام.

لذا كان مقدمو عشائر بعلبك – الهرمل ورؤسائها على علاقاتٍ وصداقاتٍ مع المقدم عبد الساتر منذ ما قبل العام 1951. ونتيجة لمفاوضة المقدم معارفه وأصدقاءه في عشيرة آل جعفر، أُرسلت دورية من رجال درك البقاع لدهم الصيداني في ديرة العشيرة ومعقلها، والقبض عليه. وقيل، حسب الراوي الفغالي إن مقدمي عشيرة الجعافرة قرّ رأيهم على التخلص من الصيداني، قبل وصول دورية الدرك إلى ديرتهم، تلافيًا لاحتمال صدام بعضهم مع رجال الدورية. وهكذا قتلوه ورموا جثته في مسكبة بقدونس. ولما وصل رجال الدرك راحوا يطلقون على جثته نيران بنادقهم، إثباتًا منهم بأنهم هم من قتلوه.

أما زوجة الباشا شاتيلا القتيل، فنفّذت وعدها أبو طعان المقداد، وسجلت باسمه قطعة أرض الباشا التي استأجرها منه، فأقام عليها محطة المحروقات المعروفة مذّاك وحتى اليوم بمحطة المقداد على طريق مطار بيروت الدولي، الذي صار اسمه مطار رفيق الحريري الدولي بعد اغتياله.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019