هدم ليسّيه عبد القادر: بيروت "الطبيعيّة" في عين العاصفة

فادي طفيلي

السبت 10/11/2018
جاءت ليسيه عبد القادر إلى زقاق البلاط في العام 1929. بذلك العام قرّرت "البعثة العلمانيّة (اللايكيّة) الفرنسيّة"، مُنشئتها، الالتحاق بالحيّ "الصيغة"، المُلتئمة معانيه وعناصره والمنعقدة أواصره في غرّة العقد الثالث من القرن التاسع عشر. قبل العام 1840، كان زقاق البلاط في معظم أنحائه مساحات برّيّة ومنخفضات وبعض مرتفعات في جنوبه الغربيّ. الإرساليّون الأميركيّون البروتستانت بدؤوا في نسج وبناء صيغة "الحيّ التربوي" هناك في تلك المساحات. مغامرون مشبعون بعقليّة الأنوار وبأفكار التطهّر الإنجيليّة والرومنطيقيّة السائدة في القرن التاسع عشر، وجدوا في تلك الأنحاء الخلّابة، الملفوحة بنسائم المتوسّط والمفعمة بعطر الياسمين والصنوبر وزهر "أبو صفير"، ما يبحثون عنه لتأسيس مشاريعهم على مقربة من الأرض المُقدّسة.

 

الكوزموبوليتية العثمانية

بنى المرسلون الأميركيون في شمال زقاق البلاط الخفيض مدرسة البنات الأولى في المشرق العثمانيّ. الأثر كان كبيرًا جدًّا. فتلك كانت لحظة انفتاح ثقافيّ للإمبراطوريّة العثمانيّة في آخر حقباتها. وكان الأميركيّون عشّاق بريّة ومساحات مفتوحة خارج الأسوار. كانت الحيويّة المحليّة تختبر نبضاتها الأولى التي تنشّطت بفعل توسيعات مرفأ بيروت ونمو أسواق المدينة، وكان الإقبال الأجنبيّ كبيرًا لاختبار الاحتمالات في أمكنة تختزن مضامين تاريخيّة موغلة في القدم. كان الطلب المحلّي والعثمانيّ كبيرًا على حداثة التعليم والقطاعات التربويّة والإداريّة والتقنيّة والصحيّة، وكان العرض الذي قدّمه الأجانب والإرساليّون رائدًا وتغييريًّا وجوهريًّا.

 

ارتأت البعثة العلمانيّة الفرنسيّة في أواخر العشرينيّات أنّ صيغة الحيّ التربويّ في زقاق البلاط قد تكرّست وينبغي الانضمام إليها، نظرًا لأهميّة وظيفتها وقوّة تأثيرها في المجال البيروتيّ العام. فبعد حقبة التأسيس في ثلاثينيّات القرن التاسع عشر، مع مدرسة ومطبعة الأميركيين، ومع توسّع زقاق البلاط في 1840، وتحوّله إلى مركز إقامة نخبويّ، برجوازيّ محلّي وأجنبيّ وسياسيّ ودبلوماسيّ، حلّت في الحيّ تباعًا ابتداءً من 1860، مجموعة من المدارس والمشاريع التربويّة الكبرى، كالإنجيليّة البريطانيّة والمدرسة البطريركيّة وراهبات مار يوسف الظهور، والمدرسة الوطنيّة للمعلم بطرس البستاني، وغيرها. على أنّ قرار البعثة العلمانيّة الفرنسيّة في أواخر العشرينيّات، والمتمثّل بتأسيس ليسيه عبد القادر في زقاق البلاط، بدا وكأنّه افتتاح رمزيّ وثقافيّ لمرحلة جديدة في الحيّ الكبير، المنتقل من تألّقه الكوزموبوليتيّ العثمانيّ إلى حداثته الإنتدابيّة اللبنانيّة-الفرنسيّة.

 

صحيح أن ليسيه عبد القادر قامت في حضن عمرانيّ بيروتيّ عثمانيّ، ووسط مؤسّسات تربويّة مُكرّسة تستحضر مرحلة عثمانيّة رومنطيقيّة كلاسيكيّة موسومة بأجواء انفتاح واضحة، إلّا أنّ المدرسة الفرنسيّة العلمانيّة تولّت منذ بداية حضورها في زقاق البلاط مهمّة استحضار الفرنكوفونيّة الثقافيّة والعلمانيّة الحديثة وبثّها في قلب المجتمع البيروتيّ الصميم.

 

سحر بيروت "الانتدابية"

وانطلاقًا من تلك العزبة الأنيقة التي سكنها منذ ثمانينيّات القرن التاسع عشر أستاذ الطبّ في جامعة القديس يوسف، الدكتور الفرنسي دو برون (De Brun)، وضعت الفرنكوفونيّة الثقافيّة العلمانيّة إحدى أبرز دعائمها في النسيج الداخليّ البيروتي الآخذ بالتشابك والتنوّع الطبقي والطائفي ابتداءً من العقد الثاني للقرن العشرين. فاشترت البعثة العلمانيّة الفرنسيّة من الدكتور الفرنسيّ المتقاعد عزبته تلك، التي تمثّل وحديقتها الضخمة، المتربّعة بأعلى جنوب زقاق البلاط، نمط العزبات السكنيّة البرجوازيّة في بيروت العثمانيّة بالقرن التاسع عشر. وحول العزبة المتألّقة بحجارتها الرمليّة، وتناسق فتحاتها، وأناقة قناطرها وعقودها السفليّة الحاملة، وقرميدها الجليل المتوّج بمسلّات متسامية، شيّدت البعثة العلمانيّة الفرنسيّة مباني مدرسة الليسيه الحديثة بين طلعة عبد القادر من الشرق، وشارع الشوف من الغرب، وكركول الدروز من الجنوب، وشارع رشيد نخلة  ومباني قسم المكفوفين في المدرسة الإنجيليّة من الشمال. وقد أوحى توزّع المباني الجديدة حول العزبة العثمانيّة بأبعاد تفاعليّة ثقافيّة وعمرانيّة اختزنتها المرحلة الحداثيّة لبيروت الانتدابيّة وأبرزتها. 

 

دائمًا وعلى الدوام، مثّلت لنا ليسيه عبد القادر، نحن سكّان زقاق البلاط وطلّاب مدارسه الرئيسة، عنصرًا حداثيًّا مُختلفًا في حضن كلاسيكيّ تاريخيّ عريق. علاقتنا بها، نحن طلّاب الإنجيليّة البريطانيّة، كانت علاقة وطيدة وكثيفة التفاعل. إذ كنّا نختلط وطلّابها على رصيف واحد في أثناء القدوم إلى المدرسة وفي أوقات المغادرة. كان مدخل الإنجيليّة الرئيس إلى يسار طلعة عبد القادر، ومدخل الليسيه إلى يمينها. كما كانت المباني الخفيضة لقسم المكفوفين بمدرستنا، والتي كنّا نزورها دوريًّا، على تماس مباشر مع الليسيه، فنُعاين من هناك أجواءها الداخليّة.

 

الدمج بين الجنسين والتحرّر

إحدى أقوى مظاهر الحداثة وأبرز سماتها التي طرحتها ليسيه عبد القادر وجسّدتها أمامنا، نحن طلّاب الإنجيليّة البروتستانتيّة البريطانيّة، هي ظاهرة الدمج بين الجنسين في صفوف واحدة وسمة التحرّر من الزيّ المدرسيّ. في إنجيليّتنا كان الذكور مفصولين عن الإناث، وكان ذلك الفاصل مرسومًا بدقّة. لون مراييل الإناث "التركواز" الأزرق في مدرستنا ما زال إلى اليوم يمثّل لي حاجزًا وعقدةً ولونًا فاصلًا. ولم تكن مدرسة راهبات مار يوسف الظهور الفرنكوفونيّة، المُحاذيّة لمدرستنا من الشمال، والمُخصّصة للإناث والصارمة في زيّها المدرسي الرماديّ، إلّا لتزيد من سطوة هذا الواقع التربويّ التقسيميّ بين الجنسين في تجربتنا المدرسيّة. كما كان حضور رجال الدين الخوارنة الرهبان في المدرسة البطريركيّة بأعلى التلّة القريبة والمُشرفة على مدرستنا من المرتفع الجنوبي للحيّ، يستحضر من الزمن العثمانيّ الكلاسيكيّ، صرامةَ التربيّة وعبوس المربّي وسطوة الصرح العلميّ وضخامته. الليسيه عبد القادر، العلمانيّة الفرنسيّة، في نظرنا، مثّلت نموذجًا مُختلفًا عن كلّ ذلك.

 

الحريرية والتغير الديموغرافي

في أوخر الثمانينيّات حين بدأت تُباع مدارس زقاق البلاط العريقة تباعًا، بدءًا من الإنجيليّة الوطنيّة التي اشتراها الحريريّ، ساد حالٌ من الذعر في الحيّ خوفًا من مغادرة المدارس. الذعر ذاك ما لبث أن تراجع قليلًا مع إبقاء الحريريّ على مشاريع المدارس وافتتاح "ثانويّة الحريري" مكان الإنجيليّة البريطانيّة بعد تعديلات وتحويرات قاسيّة في مباني المدرسة. والحريري اشترى أيضًا ليسيه عبد القادر ومباني قسم المكفوفين من المدرسة الإنجيليّة، التي جرى هدمها وإنشاء بناء جديد في مكانها ضُم إلى حرم الليسيه "الحريريّة". وجاء إبقاء الحريري على شراكته مع الفرنسيين في إدارة "ليسيه عبد القادر" بنسختها الحريريّة ليبثّ شيئًا من الإرتياح في الحيّ، إذ أن ذلك استعاد مبدأ التواصليّة المؤسّساتيّة-الاجتماعيّة والعمرانيّة مع الحقبات السابقة، والتي كانت ليسيه عبد القادر قد اعتمدته حين تأسّست في أواخر العشرينيّات، فصِيغت بحضورها المعماريّ كحبّات عقد حول دُرّة مبناها العثمانيّ القديم، قصر الدكتور دو برون. كما أن بقاء المدارس في الحيّ مثّل لأهله صونًا لوجودهم وظروف سكنهم من الانفجارات الديموغرافيّة التغييريّة الكاسحة.

 

مبدأ التواصليّة هذا يمثّل صمّام أمان المدن وحافظ مضامين هويّتها وملامح تمايزها. وهو مبدأ تتضاعف أهميّته في حالة مدينة كبيروت لم تشهد التخطيط إلّا في وسطها التاريخيّ. إذ أن أحياء بيروت خارج الوسط كانت على الدوام تتكوّن بفعل انفجارات سكّانيّة وموجات لجوء تسببّها الاضطرابات في الأنحاء اللبنانيّة. هكذا جاءت الموجّة الكبرى الأولى بفعل اضطرابات 1840 في الجبل اللبنانيّ. ثمّ تبعها بعد ذاك موجة أخرى أكبر إثر مذابح 1860 في الجبل ودمشق. وفي لبنان الحديث، في الخمسينيّات والستينيّات، جذبت المركزيّة الاقتصاديّة للكيان الناشئ، والمتربّعة في العاصمة السياسيّة، آلاف البيارتة الجُدد من جنوب لبنان وشماله وبقاعه. والحرب الأهليّة في منتصف السبعينيّات فعلت فعلها ترسيمًا وتقطيعًا في الأحياء، وفرزًا طائفيًّا لها وتدميرًا وحرقًا ونهبًا للوسط التاريخيّ. ومن ثمّ، وكحربٍ من نوعٍ آخر بعد الحرب، جرى طمس معالم ذلك الوسط وتعقيم فضاءاته طبقيًّا وفصلها عن محيطها الأهليّ والعمرانيّ المترهّل والمنهك.

 

الموجة الساحقة

وكانت حال الفلتان وغياب الدولة والاعتداءات الإسرائيليّة في الجنوب منذ منتصف العقد الثاني من السبعينيّات وحتّى أواخر الثمانينيّات قد أسّست لموجة ساحقة أصابت أحياء بيروت الداخليّة وأحزمتها المحيطة ورسمت مصائرها العمرانيّة والاجتماعيّة على نحوٍ يبدو اليوم، في المرحلة الراهنة، أبديًّا. كلّ تلك الموجات والإنفجارات السكّانيّة كانت تصيب العاصمة اللبنانيّة الخاضعة للقدر والمُستسلمة أمامه، وتكرّس ظاهرة النموّ الفطريّ والتراكميّ وحركة التآكل الوحشيّ للأحياء. عواصف سياسيّة عاتية وموجات بشريّة مرافقة تضرب الجسد العمرانيّ الهشّ، فتهزّه، وتنحتُه، وتُصدّعه، وتُصلّبه في مكان، وتنثره وتفتّته في مكان آخر، وتُنزل فيه شتّى الآثار التي تُنزلها ضربات الموج وعصفات الأعاصير بالجماد أمامها.

 

مصائر المدينة

الحيويّة البيروتيّة في لحظة الانفتاح الثقافي والاقتصادي للإمبراطوريّة العثمانيّة في مطالع القرن التاسع عشر، وما استمرّ بعدها من عمليّة تواصليّة استأنفت الحيويّة وضاعفتها في حقبة الانتداب الفرنسيّ، كانت تقترح احتمالات عديدة لخيارات مختلفة في مصائر المدينة. الانفتاح العثمانيّ ذاك في جزء محوريّ منه سعى لجذب التطورات العلميّة والتربويّة والتحديثيّة والتنظيميّة والصناعيّة الأوروبيّة والأميركيّة، وترجم ذلك انفتاحًا على الإرساليّات والبعثات الغربيّة ومشاريعها التربويّة وتسهيلات لها. كان ذلك جزءًا رئيسًا من بُنية الاقتصاد المحلّي. كان الاقتصاد آنذاك يحتاج إلى مكان ثابت، إلى أرضٍ صلبة ومضامين وملامح ماديّة. الفرنسيّون في حقبة الانتداب لم يدمّروا الإرث الذي سبقهم ولم يعبثوا به، بل بنوا في جواره وتشابكوا معه وسعوا بطريقتهم الخاصّة لبثّ حضورهم في النسيج الداخليّ البيروتي وطبقاته. كما استلهمت حداثة لبنان الاستقلال على الأثر أبعاد هويّتها الثقافيّة من عناصر دمجت الإرثين العثمانيّ والانتدابيّ، اللذين صارا أرثين لبنانيين. وذاك أثمر خلطة لبنانيّة مُقنعة، من الناحيتين الثقافيّة والعمرانيّة المدينيّة على الأقل، بلورت حاضرة متوسّطيّة متألّقة في خمسينيّات وستينيّات ومطالع سبعينيّات القرن العشرين، وذلك على الرغم من غياب مظاهر التخطيط في الأحياء المتوسّعة.

 

الإعصار الجامح

منذ أواخر الثمانينيّات ومطالع التسعينيّات طرأ ذلك التحوّل الكبير في طبيعة الاقتصاد ومعانيه وتبدّياته. وذاك أصلًا كان تحوّلًا عالميًّا، لكنّه في حالة بيروت التي تصدّعت كلّ أسسها الاجتماعيّة والمكانيّة والسياسيّة والرمزيّة التاريخيّة، وفي حالة الكيان اللبنانيّ الذي ضربته الحرب وشتّته الهجرة وسادت به مظاهر "خروج الأهل على الدولة"، وسقطت فيه فكرة الأخيرة برمّتها، وحلّ فيه مشروع الدويلة داخل الدولة، أو الدولة الباطنيّة العميقة التي تتناتشها قوى الأمر الواقع من أصحاب سلاحٍ وتجارات ومالٍ صرْف وشركات، يأتي كتحوّلٍ أشبه بإعصار جامح يضرب مُختلف البُنى المنتمية إلى حقبات سابقة. فالجنوح المالي الشامل وتحوّل الاقتصاد إلى عمليّات تداول ماليّة تتطلّب سرعة في تدوير رأس المال، أصاب في مقتلٍ أنماط المشاريع الثقافيّة والتربويّة والمكانيّة والعينيّة، التي كانت فيما مضى تنهض بجانب مهمّ من جوانب الاقتصاد وتمثّل مضامين ضروريّة له.

 

بيروت "الطبيعيّة" اليوم، التي يمثّل زقاق البلاط بفضل معاهده وصروحه التربويّة التاريخيّة واحدًا من آخر معالمها، أمام نموذجين صارمين وبائسين في آن. النموذج الأوّل يتمثّل بأحزمتها الجنوبيّة الغربيّة والشرقيّة، الزاحفة إليها بأنماطها العمرانيّة والاستثماريّة و"التطويريّة" العشوائيّة الساحقة الماحقة. والنموذج الثاني هو وسطها "التجريبيّ"، المُعقّم، البارد، والمنفصم، والعالق في عنق زجاجة. لا شيء ثابت أو واضح في ذلك الوسط. يُنشأ مركزًا للفنون هنا، ثم لا يلبث أن يُقتلع وينقل إلى خارج الحدود. تفتح الشركة هناك أبوابها، ثم لا تلبث أن تُقفل بعد أشهر قليلة. يفتح سوبر ماركت هنا ويعمل على مدى أعوامٍ ثمّ لا تلبث أن يُقفل ويُشرّد موظّفيه. يزدهر شارع حانات ليلية هناك، ثمّ لا يلبث أن يموت دفعة واحدة. حديقة عامّة موعودة منذ أكثر من عقدٍ لا ملامح لها بعد ولا حتّى أيّ بصيص لنبات تسهل زراعته. دين هذا الوسط وديدنه إلى الآن أندية محصورة بنخب "أولترا برجوازيّة"، تحتكر الواجهة البحريّة وتُخصّص الأرصفة والفسحات العامّة لها ولأجوائها المقفلة. إنّه وسط مدينيّ يُبنى منذ نحو عقدين ولم يتعدَّ بعد واقع الفقاعة الإختباريّة لحركة رأس المال، وسوق بيع العقارات وشرائها، وللتحوير اللانهائيّ في وظائف المباني والأمكنة.

 

قحل "الوسط" و"الضاحية"

ليسيه عبد القادر وحيّها اليوم في عين هذه الاختباريّة وهذا التحوّل. وبالتالي فأنّ زقاق البلاط بأسره، أيّ "بيروت الطبيعيّة" وما تبقّى منها، في عين هذا الإعصار التغييريّ الجامح وأمام النموذجين القاحلين لوسط بيروت والأحزمة الضاحيويّة. المدارس والصروح الثقافيّة بكلّ ما كانت تمثّله من ضمانة لفضاءات العيش وأمكنة المدينة، ومن قيمة تعويضيّة لغياب التخطيط العام والتفكُّر بالمستقبل، لم تعد مشاريع رابحة وتحريكيّة لرأس المال الشرس.

 

البيع المباشر وحده هو مبدأ الفكر الاقتصاديّ الحرّ اللبنانيّ المعاصر. بيع الشقق في البنايات "الإستعماريّة" و"الاجتياحيّة" المرعبة، التي تُبنى في سرعات قياسيّة، ثم الانتقال لبناء بنايات أخرى جديدة، ثمّ أخرى جديدة، ثم أخرى ... إلى أبد الآبدين. وطبعًا ثمّة تجارة بيع السلع على نحو مباشرٍ في فضاءات داخليّة مُعقّمة ومُحصّنة وتحت السيطرة والضبط والمراقبة الصارمة لجماهير المُستهلكين، على ما يُخطّط لمشروع "المول" الموعود في مكان ليسيه عبد القادر. على أنّ تحقيق هذا الأمر، الأخير، إذا ما تحقّق، سوف يطرح نظريّة الدومينو ويجرّ سحره على ما تبقّى من مدارس وصروح. ها هي الإشارات واضحة وجليّة، وقد جاءت من الجنوب أيضًا. فراهبات مار يوسف الظهور في صور، توأم راهبات زقاق البلاط قد أقفلت نهائيًّا بعد تجربة نحو قرن، وفقدت كلّ معنى من معاني الاستمرار. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020