رمضان كريم يا جار... كريم في أحياء الصدأ

محمد أبي سمرا

الأحد 25/04/2021
من شرفة بيت في الطبقة السادسة من بناية يتآكل صدأٌ إسمنتيّ واجهاتها الخارجية الأربع، أراهم يصطفون بمشقّة على الرصيف الصدئ أمام محل بيع الحلويات. رصيف الشارع الرئيسي النازل من أمام جامعة بيروت العربية في اتجاه مستديرة الكولا على مسافة عشرات الأمتار، والصاعد من محلة صبرا ومحطة الدنا، فجامع الإمام علي، فالملعب البلدي في محلة الطريق الجديدة، حيث الستائر البلاستيكية المهترئة المهلهلة بألوانها المغبّرة تبرقع واجهات البنايات على الشرفات، لتحجب البيوت وسكانها في أحياء الصدأ.

وهو شارع يتكاثف السير الفوضوي فيه وعليه في الاتجاهين: سيارات، مشاة تكاد تصدمهم دراجات نارية تشوّح في الاتجاهات كلها. ويشتد الازدحام في الشارع وعلى أرصفته بين العصر والمغرب، وفي نصف الساعة الأخيرة قبيل الإفطار في نهارت شهر رمضان الكريم.

حلوى وعصائر
أراهم يصطفون أمام محل الحلويات. وأفكر بأن إجراءات تفشي وباء كورونا فعلت فعلها أخيراً، فكرّست عادات يومية وأرستها، وكتمت بعضاً من السيولة الصاخبة في هذا الشارع. وإلا لكان عليَّ أن أقول يزدحمون ويتزاحمون للدخول إلى المحل إياه، أقله ما بين العصر والمغرب، كما في شهور رمضان السابقة على تفشي الوباء. شهور وسنوات السعد المبتعدة، كأنما من دهر مضى وانقضى، عندما كانوا أحياناً في أيام الرمضانات السابقة تلك، يتصايحون ويتشاجرون في ازدحاماتهم ما بين عصر نهارات الشهر الفضيل ومغربه، كي يشتروا لإفطاراتهم الجامعة ذاك الصنف من الحلوى المسمّى أو المنسوب إلى كنية عائلة صاحب المحل البيروتية العريقة، منذ أيام ولاية بيروت العثمانية على الأقل.

نعم، لقد خفتَ الصخب في هذا الشارع جرّاء تهاوي الاقتدار المالي الفوضوي وشحّه في هذا الموسم الرمضاني، عنه في مواسم السعد الآفلة. فلم تعد تتكدس بين العصر والمغرب على الرصيف قبالة محل الحلويات إياه، أكوامُ قشور البرتقال والجزر المعصور في الهواء الطلق أمام كشك رمضاني، تصطف على طاولات أمامه عبوات بلاستيكية كبيرة الحجم معبأة بأصناف من العصائر: البرتقال، الجزر، الجلاب، السوس، والكوكتيلات على أنواعها. والعبوات كانت تصطف كثيرةً في ماء ثلج يذوب في أطشات (جمع طشت) كبيرة من البلاستيك. حتى إذا تناول البائع من الطشت عبوةً، ودفعها لزبون صائم، يرشح الماء البارد منها في الأيدي، وتظل قطراته تنهمر مسافة بعد ابتعاده من الكشك على الرصيف. وحتى العاشرة من صباحات النهارات الرمضانية السابقة كانت تظل أكوام قشور البرتقال ونثار الجزر مصبّرةً على الرصيف إياه مكشوفة في الشمس، قبل أن يزيلها عمال تنظيفات سوكلين العابرون في الشارع ما بين الجامعة العربية ومستديرة الكولا.

حواجز منسيّة
واسم الكولا ليس لمستديرة، بل لمحطة وجسرٍ معلّق فوق تقاطعات شوارع كثيرة. وتحت الجسر موقع عسكري منسيّ منذ دهر، تسوّره جدران غرانيتية رصاصية اللون وأسلاك شائكة. وتربض قرب الموقع ملالة تبدو مهملة، ولم يعد ينتبه لوجودها أحد. أو صار مشهدها أليفاً في المكان، على خلاف ما تراءى لي مرة في زيارة كئيبة لبغداد، قبل سنوات، عندما عبرنا في حالٍ من الرعب في طرقها آتين من مطارها الصدئ إلى فندق فخم، أو كان فخماً فيها. وعلى جنبات الطرق الطويلة رأينا تلك الجدران الغرانيتية الهائلة والقاسية تصطف مسافات طويلة في عاصمة مسطحة على مساحات شاسعة.

وهناك في بغداد، لم تكن الجدران الطويلة، ولا الحواجز (السيطرات في اللغة العراقية) الأمنية والعسكرية، تبدو مهملة أو منسيّة، بل حيّة شرسة ومتحفزة، على خلاف حالها في بيروت وضاحيتها الجنوبية.
وفي شارع بمحلة زقاق البلاط، يربض واحد من تلك الحواجز، فيبدو جنوده سئمون ضجرون على الدوام. والأرجح أنهم نسوا مهمتهم وماذا يفعلون قرب شاحنتين أو ثلاث متوقفة منذ سنوات. وشيّد الجنود على الرصيف كشكاً من اللبن العاري، به نافذة صغيرة في أعلاه، كالتي في حمامات شقق بنايات تجارة البناء الجاهز. وفي كشك آخر من بلاستيك وزجاج لقوى الأمن الداخلي على واحد من مداخل الضاحية الجنوبية المستقلة أو المنقطعة عن بيروت، غالباً ما يغفو رجل أمن سئماً من نوبة قعوده الطويلة في الكشك. وأراه على هذه الحال في زياراتي لأهلي هناك في شارع من شوارع الطيونة، بعدما انعطفُ من أمام صورة ضخمة يبتسم فيها مصطفى بدر الدين ابتسامته العسكرية التي تُظهر أسنانه المنتصرة المرحِّبة.

أيام العصف المالي
وفي زياراتي هذه أكون قد عبرت ذاك الموقع العسكري الكبير وأسواره الغرانيتية للجيش اللبناني، في ما كان سابقاً مستديرة شاتيلا، آتياً من منطقة الجامعة العربية. وفي بدايات أيام رمضان هذه حاولتُ مراتٍ أن أتوقف أمام محل صفصوف الشهير للحلويات قرب المعلب البلدي، لأحمل منه لأهلي نصف كيلو من حلوياته الشهيرة. لكنني لم أتجرأ مرة على النزول من سيارتي، كلما لمحت ذاك الزحام الصفصوفي الهائل أمام المحل.

الشهرة الصفصوفية التي تطوّح بزبائن المحل هنا، لم تفعل إجراءات كورونا فعلها فيهم. حتى أنني في صبيحة أحد سبقت حلول رمضان، تجرأت على دخول المحل، فإذا بزبائنه الكثيرين يطلبون كميات مهولة من حلوياته المعدة للسفر في علب معدنية مزينة. فأخجلني أن أطلب نصف كيلو من المعمول مد بالفستق والتمر والجوز. علماً أنني أذكر أن الكلغ كان سعره 8 آلاف ليرة، ثم ارتفع إلى 12 ألف ليرة، قبل هذه الأيام العجاف من العصف المالي الذي رفع سعر الكلغ إلى 50 ألف ليرة. لكن تحليق الأسعار لم يخفض الطلب على حلويات صفصوف، بل ضاعفها على ما يبدو، ربما استباقاً لارتفاعات تصيب أسعارها مجدداً في أيام مقبلة.

أما محل الحلويات الآخر القريب من الكولا، فقد رفع ثمن الكلغ من حلوياته المشتق اسمها من كنية العائلة البيروتية العريقة، من 20 ألف ليرة إلى مئة ألف. وعُلِّقت على زجاج واجهة المحل لافتة تبيّن السعر الجديد، وكُتب عليها: "شكراً رياض سلامة، شكراً حكام لبنان". وقد اغتنمتُ في صباح رمضاني فرصة عدم اكتظاظ الزبائن الرمضانيين، فاشتريت من المحل نصف كلغ من الحلوى العريقة، كي أحمله لأهلي، فلمحتُ على وجه البائع علامة استغراب، ربما من ضآلة طلبي.

جار رمضان الكريم
رمضان كريم يا جار، رمضان كريم، يبادرني في المصعد الرجل الساكن في الطبقة الخامسة في البناية الصدئة الواجهات، فأحتار بأي عبارة أجيبه، ولم أجد سوى كلمتيّ: أهلاً، أهلاً، من دون أن يطاوعني لساني في لفظ كلمة: بالجار، التي يُفترض أن تلي كلمة التأهيل أو الترحيب المناسبة.

وهذا على الرغم من أنني أستشعر سيولة الإلفة، الهنيئة اللزجة، التي تتدفق من عبارة: رمضان كريم يا جار. إلفة بلدية هنيئة تتدفق من ألف سنة، وتجتاز ألف سنة أخرى، لتصل إلى هذا الزمن البيروتي، أهلاً وعائلات وجيراناً، في هذه المنطقة (الجامعة العربية، الكولا، أو الطريق الجديدة) التي تعاقبت عليها ميليشيات وجيوش ومقار أمنية شتى. ويا ما سمعت من بيت الطبقة السادسة أنيناً وصرخات ليلية في مقر المخابرات السورية فوق محل الحلويات المنسوبة إلى العائلة البيروتية العريقة.

تحيّة الجار الرمضانية على حالها من سنين، تخترق التاريخ والأزمنة، وتبعث الطمأنينة التي تحيرني لهنيهات في المصعد أو في مدخل البناية. حتى ليبدو لي أن الرجل الجار على حاله، لم يكبر في السن منذ أكثر من 30 سنة. طمأنينة أزلية دنيوية تلابس الزمن البيروتي، وتتصاعد من الأرض إلى زرقة السماء الوهمية، مثل زرقة ماء البحر الذي كتب الشاعر محمد العبدالله مرة عنه فقال: "البحرُ/أعني الزرقة لا الماء". وقال أيضاً: "لا شيء بيني وبين الجنون سوى البحر وبعض الكلام الجميل".

وتحطّمَ الكلام الجميل كله في هذا الزمن اللبناني الكئيب، وربما ظلت عبارة "رمضان كريم يا جار، رمضان كريم" تبعث الطمأنينة إياها في هذا الركام.

روائح ومسلسلات وأصوات
وفي وقتٍ سميته سابقاً "فجر المنتحرين"، مستلهماً سكون ما قبل الفجر بقليل من مخيلة أدبية أو روائية أصابها زمن المحق اللبناني الراهن، يمرُّ في سكون الليل مسحراتي رمضان بطبله، ويمشي خلفه ولد صغير تحت مصباح الإنارة العامة الشاحب الضوء، بعد ليلة من عروض المسلسلات الرمضانية التلفزيونية الكثيرة التي ربما تفوقت اللبنانية منها في هذا الموسم.

وأصِلُ في السادسة والنصف مساء إلى موقف السيارات، عائداً من رياضة المشي المسائية المعتادة، فأركن سيارتي وأخرج منها، فتعبق في أنفي ألوان من رائحة الطبخ والمشاوي، التي يتهيأ لي أن العالم يخلو إلا منها في المغيب. أضع الكمامة على أنفي وفمي. وفي الشارع غالباً ما يعبر سائق دراجة نارية مسرعاً، ربما لتأخره عن الوصول إلى غايته. وفي أمسية تأخرتُ في العودة، فإذا بسيارتين اثنتين يقودهما شابان يبدو أنهما خرجا لاستجمام ما بعد الإفطار، وراحا يتسابقان في الشارع الخالي بسيارتيهما اللتين تبعثان صخباً مرعباً، فيما دارت واحدة منهما دورة كاملة في وسط الشارع، قبل انطلاقها مجدداً في سرعة جنونية هائلة، تاركة خلفها أزيز عجلاتها الذي جمّدني في مكاني مرتجَّ الأعصاب والحواس والعظام خوفاً وغضباً.

وكان رائعاً أن صادفتُ في مدخل البناية جار عبارة "رمضان كريم يا جار"، فهدأ قليلاً غضبي. وقال الجار أيضاً: ماشي الحال، الله كريم، يا جار، الله بيدبر ويسامح.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021