17 تشرين: قوس قزح ضد سوادهم "العظيم"

رنا قاروط

الأحد 03/11/2019
هي إذاً ثورة "أكتوبر" (تشرين الأول 2019)، وانطلقت عفويةً من البيوت إلى الشوارع والساحات، وناسها هم الناس مجردين من كل انتماء سوى إنسانيتهم الصرف. ولأول مرة في حياتي على أرض لبنان، يكون مطلبهم: #كلن_يعني_كلن. أي الزعماء المتشبثين بالمناصب، أبًا عن جدٍّ إلى حفيدّ، والمتفردين بها، أقله منذ وُلدنا، مستمدين ديمومتهم من مبدأ "فرّق تسُد"

طويلًا سادوا. ولكن ماذا حصل ليلفظهم الناس أخيراً؟

ناس الانتفاضة
أرى أن عوامل عدة تشابكت لتشكل دوافع لانتفاضة الشعب: صغارًا وكبارًا، أصحاب شركات وموظفين، عمّالاً وفقراء، عاطلين عن العمل ومعدمين بلا مأوى. ومنهم من صاروا ظلال بشر أحياء، يسعون نهاراً ليقتاتوا من حاويات النفايات، وينامن ليلًا تحت الجسور.
معوّقين ومعوّقات، من ذوي الاحتياجات الخاصة الملحة.
وفي المشهد الكبير نساء، نساء، نساء...

نساء في انتفاضة أكثر من أي زمن مضى: أمهات، عازبات، ربّات بيوت، وبينهن اللواتي حُرمن من المقعد المدرسي، والعاطلات عن العمل، ووجوه معروفة من الرائدات في مجالات العلم والعمل والإبداع. 

ناس الاستئثار
وأرى أيضاً أن أركان السلطة تجاوزوا الحدود السابقة كلها، في الاستئثار، في الصفقات المشبوهة المكشوفة، في الهدر والفساد، في المؤسسات العامة المهملة المتعفنة، التي صارت وظيفتها تقتصر على إعالة المحاسيب والنهب، فلم تعد تلبي حاجات الناس. ومنها مثلاً صندوق الضمان الاجتماعي لتسول المحتاجين وكآبتهم، حاملين فواتير أمراضهم على أبوابه. 

وفي مشهد آخر هناك أهل الثراء المشهدي الفاحش. أولئك الذين صارت ممارستهم الشخصية، وممارسات عائلاتهم مضرب الأمثال: أعراس أولادهم الأسطورية في كل صيف، في أغلى العواصم والفنادق. استيلاءهم على المشاعات والأملاك العامة، بما فيها الشواطئ والأرصفة… وهناك تلك الأخبار المتناقلة عن زوجة ضابط تهين سيدة فقيرة في بلدتها، وعن زوجة مسؤول تجرّ وراءها المرافقين إلى عيادة طبيب جِلد.

في المشهد عينه، لا تخلو عائلة عادية من مصاب بالسرطان، بسبب ارتفاع نسبة تلوث الماء والهواء والتراب. وتكثر العائلات التي تفقد فردًا منها بحادث سير سببه الفوضى وسوء الطرق.

الموازنة العامة الجديدة "تتمرجل" على الجامعة الوطنية ومؤسسات الرعاية التي صارت نهباً للفوضى والنهب، وتعمل وفق فلسفة مستمدة من سلوك إدارة أهل النفوذ والسلطان على المواطنين.

مصالح كثيرة توقفت. الصحافة والنشر أولها، والمستمرون في المصالح الأخرى بالكاد يحصّلون أنصاف مداخيلهم وأتعابهم.
لقد طفح الكيل بالقهر، إذاً.

عهد القوة وسلطان الحرب
وجاءنا "العهد القوي" بلغوه وأكاذيبه وعنجهيته، بوسائل قمعه التي تستبطن شيئاً من تلك التي عرفناها لدى الأسدية السورية. ومنها نشاط جهاز "مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية" الذي لا يهدأ، وعمد إلى التخويف والاستدعاءات، وتوقيف الصبايا والشبان، من صاحبات وأصحاب الرأي والتأثير في مجتمعاتهم الصغيرة.

وأطل علينا أركان هذا العهد بأسوأ خطاب عنصري، ليس تجاه اللاجئين واللاجئات والشغّيلة الأجانب فحسب، بل ضد المرأة والأطفال. أي الفئات التي ينظر العالم الحديث إلى تمكينها وتعويضها عن ظلم تاريخي بائد. عهد قوي على كل من يخرج عن منظومة طأطأة الرأس لآل عون ورهطهم، ولآل الحريري وبرّي وجنبلاط وحاشياتهم… وكل من قاوم إسرائيل من دون أن يكون حسينيّاً كربلائيًا، ولا يجلس مشرئب العنق إلى الشاشة التلفزيونية المشتركة الضخمة، منتظراً إطلالة أمير الكلام والفتاوى والحرب. 

السواد العظيم وقوس قزح
هذه لمحة موجزة عن مدى الضيق والاختناق والمهانة التي وصلنا إليها، ثقافيًا وبيئياً واقتصاديًا وسياسياً وأخلاقاً. وهكذا تكوّنت التربة الصالحة لانتفاضة شعبية مفاجئة، كانت قد نُثرِت فيها البذور أيام تحرك #إسقاط_النظام_الطائفي عام 2011، ثم #حراك 2015 الذي امتد عاموديًا وأفقيًا، ليُنضِج أخيراً شعار: #كلن_يعني_كلن.

هذا الشعار الذي خفتت أصداؤه سابقًا، صدحت به الحناجرهذه المرة، وكان الشرارة واليقين الذي لا نقاش فيه.
عذرًا فخامتكم، معاليكم، سعادتكم: إنه لبنان الشعب الحرّ والخلّاق.. و"المهضوم".
وهي نهاية سنة 2019، التي حتى إيران والسعودية تخلعان فيها الحجاب.
وفخرٌ لنا أن لا عنف يُذكر سُجل في انتفاضتنا، لأننا فعلاً مدنيين، علمانيين وسلميين.

وحدكم أنتم الحكّام مجرمو حرب لا تريدون لها نهاية، بل إعادة سجننا في قوالب التهميش والمهمشين، فيما تتضخم ثرواتكم المخفيّة في بنوك العالم، وتتشدقون برفع السرية المصرفية عن أموالكم في لبنان .

أقصى ما فعلناه هو إطلاقنا شتائم في الشوارع والساحات وعلى الشاشات، بعدما لم نعد قادرين على إبقائها سجينة حلقاتنا خلف الحيطان وجدران البيوت. أردنا أن نطلقها فرادى ومجتمعين في هواء الساحات المفتوحة على السماء، في العاصمة والمدن والأطراف رافضين دفع أبهظ أثمان شرهكم إلى الأبد.

هكذا - بالرغم من ما شاب ويشوب الحركة الجديدة التي يناهز عمرها العقد، وبالرغم من ضبابية الرؤية المستقبلية - تثبت حركتنا أنها تحرز تراكماً في الوعي السياسي والطبقي والإنساني - الحقوقي، يتفجر كل سنوات أربع على صورة دفق بشري في الساحات، تلونه أطياف البلاد، تجعله قوس قزح فوق السواد العظيم الذي تنشرونه فوق هذه البلاد.

أخيرًا، كيف لي أن أخرج من أمومتي واختصاصي، وممن أنا، وماذا أفعل في حياتي اليومية؟

شاء القدر أن أنجب بكري عشية #إسقاط_النظام_الطائفي، وصغيري قُبيل #الحراك - الانتفاضة هذه. وأن أفرّ معلمةً من نظام تعليم يلقِّن التلاميذ التاريخ والإنشاء والتربية المدنية المعلّبة، لأساهم في إعادة صنع مواطن ومواطنة يجرؤون على التغيير، بعدما كانوا يعتبرون أن العدم الكلي يحيق بهم .

قرأت مرّة أن أسوأ ما يمكن فعله هو جعل طفل يحمل يافطة في تظاهرة.

تربويًا، الأمر صحيح. ولكنني الآن كلي فخر، لأنني خرجت مع ولدي إلى الشوارع، منّ أجل حقوق لا لنصرة أيديولوجيات وأشخاص "منزّهين". خرجت مع سواي من أمثالي، حاملين علم الوطن، لا أعلام أحزاب، وهاتفين #كلن_يعني_كلن. أي رموز الشرانق والأجهزة والمناصب الطائفية.

آن الأوان لتكون #القوة_للشعب، وأرى جاري/ جارتي، زميلي/زميلتي، صديقي/صديقتي…

نحن، على فكرة، لم نسأل بعضنا، ولا مرّة: "شو طايفتك؟". فقط تجمعنا محبة العِشرة والسعي إلى عيش كريم.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019