"الثورة" في يومها البقاعي الثالث: توطيد سلمية التظاهر

لوسي بارسخيان

الأحد 20/10/2019

في اليوم الثالث للتحركات الشعبية بقاعاً، بدا المشاركون فيها أكثر "إصراراً" على إنتزاع حقوقهم في الشارع، بعد أن اكتشفوا "حقيقة قوتهم" متى حيدوا خلافاتهم السياسية عن "ثورتهم المطلبية"، وانصرفوا إلى معالجة مشاكلهم "المعيشية"، حسب قولهم "لا تفرق بين مسلم شيعي أو سني، ولا بين مسلم ومسيحي"، مطالبين بمعاقبة كل من أوصل البلد إلى ما وصل إليه...

"كلن يعني كلن"
لم تعد تنفع إذاً محاولات "أدلجة" المجتمعات، وسوقها بطقوس دينية أو غيرها، استخدمت في الماضي لشد العصب المذهبي، ولا عاد ينفع خطاب "التنصل من المسؤوليات، ورمي اتهامات إفشال المخططات على الآخرين". "كلن يعني كلن" بدا الشعار الوحيد الذي رافق "الثوار" في اليوم الثالث لنزولهم إلى الشارع، لتظهر الصورة أكثر انقشاعاً مع توقف "إشعال الإطارات" وتحولها تظاهرات "سلمية سلمية"، تلونت على خلاف الأيام السابقة في قرى البقاع، بمشاركة النساء والأطفال، ولا سيما في مجدل عنجر، التي شكلت "عرين تيار المستقبل" في الماضي.

فعلى رغم قلة عدد من نزل من أبناء مجدل عنجر إلى الشارع ، لم يبدُ الآخرون اعتراضاتهم على تحركاتهم، بل جرت فيها محاولات حثيثة لمنع احتكاك المتظاهرين مع الجيش اللبناني، وخصوصاً لدى إصرارهم على إغلاق الطريق المؤدي إلى منطقة المصنع الحدودية كلياً. وفي غياب رئيس بلديتها "منسق تيار المستقبل في البقاع"، سعيد ياسين، كان لافتاً تدخل البلدية في وضع حد للإشكالات التي كاد يتسبب بها إقفال الطريق، فأغلقت الطريق نهائياً بواسطة شاحنات النفايات التابعة للبلدية.

شتورا تنظم اعتصامها
شتورا التي بقيت بعيدة عن هذه التحركات المطلبية في اليومين الماضيين، تحولت في اليوم الثالث إلى ساحة مصغرة عن تلك الموجودة في رياض الصلح، وخصوصاً من حيث التنوع الذي ميز التحرك السلمي للمواطنين الذين حضروا من مختلف قرى البقاع، شبانًا وصبايا وأطفالاً، رفع كل منهم الشعار الذي يعبر عن وجعه على لافتة، فيما حضرت زوجة الشهيد محمد يوسف الذي قتل في جرود عرسال مع صورة زوجها على سترتها، يرافقها وحيدهما حسن. وعندما استشعر المشاركون في التحرك الذي نظم على بعد أمتار عن مركز لحركة أمل في البقاع، بأنهم باتوا في مرمى عناصره الذين خرجوا من هذا المراكز، انطلقوا بمسيرة إلى الطرف الآخر من الطريق، متجنبين التعرض لأي أعمال شغب.

وعودة التحركات بزخم إلى البقاع بعد الخطابات السياسية التي حاولت أن تمتص من نقمة الشارع، وضعت الجيش في المقابل بحالة جهوزية، وتدخل مباشر من أقصى شمال البقاع إلى جنوبه، ليتوزع جهده بين إبقاء جميع الطرقات مفتوحة أمام مواكب المشاركين المتجهة إلى بعلبك لإحياء أربعينية الإمام "الحسين" من جهة، وبين إبقاء بعض المسارب مفتوحة، ومنع الاحتكاك مع المواطنين في إصرار بعضهم لسلوك الطرقات المغلقة.

رفض كلام السياسيين
أما السمة المشتركة بين هذه التظاهرات التي عمت البقاع، فبدت في التوافق على عدم استعداد المتظاهرين حتى لمنح وزير الخارجية جبران باسيل فرصة الاستماع إلى ما يقوله في الأزمة ومسبباتها.

فيما أجمع معظمهم على وصف الرئيس الحريري بمغلوب على أمره، لم يقتنع أحد بمهلة ال 72 ساعة التي حددها في خطابه للوصول قرارات معينة، واعتبرها الكثيرون مهلة للإنقضاض على التحركات الشعبية، أو امتصاص غضب الناس. رافضين بالمقابل أن يقدم وحده "ضحية" لامتصاص غضب الناس من خلال إستقالة "منفردة" للحكومة، بل طالبوا بمغادرة كل الطاقم الحاكم بدءاً من رئيس الجمهورية.

وعليه فإن التساهل الذي أبداه المعتصمون مع إزالة الآثار التي خلفتها كميات الإطارات المشتعلة في أكثر من بلدة بقاعية سنية، واستراحتهم من الشارع في فترة الصباح، لم تعكس نجاح الرئيس الحريري في سحب الفتيل من الشارع من خلال خطاب مساء الجمعة،  بل شكل توافقاً ضمنياً بين المعتصمين والجيش اللبناني، على احترام خصوصية الطقوس التي يتبعها "إخوانهم الشيعة" في هذا اليوم. ومن هنا تبدلت الصورة تماما مع عودة هذه المواكب من إحياء الذكرى، بالتزامن مع نزول "الثوار" مجدداً إلى الطريق، ونصبهم الخيم في بعض المواقع، تأكيداً على استمرارهم في التحرك.

القرى الشيعية وزحلة
ليس الحال مغايراً في القرى الشيعية، حيث ما كادت مواكب "الزوار" تغادر بعلبك، حتى نصبت الخيم مجدداً في أكثر من موقع، وأعاق شبان من بلدة جلالا "الشيعية" تقدم حتى سيارة النقل المباشر التابعة لتلفزيون المنار، مرددين "سنية شيعية هيدي وحدة وطنية" ما فرض على الجيش اللبناني التدخل، لتأمين مسلك آخر لمواكب الزوار إلى خارج البقاع...

أما في زحلة فقد جرت محاولات لإعادة دوزنة التحركات الشعبية في يومها الثالث، وإبعادها عن الشعارات السياسية التي رافقت الدعوات للمشاركة الكثيفة لمناصري القوات اللبنانية في اليوم السابق، ومع أن الدافع لمشاركة الناس كان الهم المعيشي، بدا "نَفَس" القوات مسيطراً على الواقع، وهو ما خنق "الصوت الصامت" الذي لا يؤيد أي من الأحزاب المسيحية، وجعل مناصري التيار الوطني الحر، ينؤون بأنفسهم تلقائياً عن التحركات، وتمترسوا في خندق مواجه، استخدم قنوات التواصل الإجتماعي لتسخيف التحركات الشعبية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019