دولاب ملاهي بيروت ينافس صخرة الروشة

رنا قاروط

الأحد 01/10/2017

في المعرض الصيني الكبير، في الروشة، يجلس صلاح رفاعي خلف مكتبه. هو صاحب المخزن. هو أيضاً، مع عائلته، مالك مدينة ملاهي بيروت، بدولابها الشهير قبالة الشاطئ، كأنه شمس أخرى لا تغيب. لا يتحدث صلاح بشغف كبير عن ملكه العريق. هو يفخر به بالتأكيد، لكنه على الأرجح اعتاده، كالماء والهواء، فعلاقته به يومية منذ أن فتح عينيه.

يقول صلاح إن والده، نورالدين، كان يعمل في تصنيع الألعاب الكبيرة لمراكز اللهو في الخليج. في البداية، استثمر أرض مدينة الألعاب، ثم اشتراها. صُنعت كل آلات المرح هنا وفق تصميمه الخاص وتنفيذه. لكن، للدولاب العملاق قصة أخرى، أكثر حميمية. إذ شيّده بيديه الاثنين، وحده، مع مساعدة قليلة من العمال عندما كان يضطر. وأطلقه في العام 1981. كان هناك قبله واحد أصغر (من 20 سلّة فقط)، أزاله ووضع هذا مكانه، وهو يحتوي على 40 واحدة، ترتفع فتشرف على أعرق معالم الجهة البحرية من المدينة: نادي النجمة الرياضي، مسبح السبورتينع، الحمام العسكري واللونغ بيتش.

رواده هم كل الناس، من كل الأعمار والفئات الاجتماعية، ويأتيه خصيصاً سكان المناطق البعيدة، كعاليه وطرابلس، لأنهم شاهدوه في الإعلانات السياحية. فما من دعاية لجذب الزوار إلى العاصمة تخلو من مشهد العجلة السحرية المضاءة بعشرات اللمبات الملونة، تدور وتدور من اليسار إلى اليمين. "الدولاب رمز لبيروت. هم يعرفونه أكثر من صخرة الروشة"، يطلقها كشعار. صعد فيه خلال السبعينات ألمع النجوم، مثل: صباح، هويدا، وحسين فهمي ونجلاء فتحي.. لم يفقد المكان الأصيل وهجه بالنسبة إلى صناع السينما الجميلة من أبناء العاصمة. فمنذ فترة قصيرة صورت نادين لبكي في أرجائه لقطات لفيلمها الجديد.

قديم، صدئ، يطقطق بجفاف، أحشاء تشغيله ظاهرة للعيان، وخارج عن الزمن مقارنةً مع الخيالي والبرّاق الذي يُنتجه عالم الأميوزمنت والإنترتايمنت الآن. يبدو أن الباهر حقاً في هذا الدولاب هو بعده العاطفي، لا شيء آخر. تذكره أحياناً مجلات إلكترونية كوجهة سياحية في لبنان (باللغة الأجنبية). وهو مصنف ضمن 100 موقع يُنصح بزيارتها كل من يريد الخروج من أجل المتعة والتسلية في بيروت. وواحد من المواقع المميزة لتبادل القبل بين العشاق. يعمل محمد العلي على شباك التذاكر منذ أربع سنوات، وهو يوافق تماماً على هذا الكلام. يشرح أكثر: "زبائن فترة بعد الظهر حتى المساء ليسوا كزبائن الأوقات المتأخرة. الأُول هم من العائلات، يأتون بصحبة أولادهم. أما زبائن الأوقات المتأخرة فهم المغرمون".

يروي محمد تفاصيل تشغيل الدولاب: "اللعبة ميزان. في الأيام العادية لا نديره إلا عند حلول المساء، ونبقيه يبرم طوال أيام الآحاد والأعياد لنعلن أننا نعمل كي نستقطب الجمهور. الدق يراوح بين أربع أو ست برمات، بحسب العجقة. مدة البرمة نحو دقيقة، وسعر البطاقة 4000 ليرة فقط".

تمد علا شهاب يدها لتفتح من الخارج البوابة الصغيرة للمقصورة الصفراء. تنزل منها مع زوجها وأولادها. هي وهو اعتادا الصعود بالدولاب منذ أن كانا صغيرين، ورغبا، في يوم العطلة هذا، أن يستعيدا الذكرى وينقلا التجربة إلى الجيل التالي. "اللعبة آمنة وسلسة ولا تثير أي خوف على الإطلاق. أخبرت أولادي أنني كنت آتي إلى هنا عندما كنت في عمرهم، فاندهشوا أن الدولاب قديم إلى هذا الحد. شعرت بالحنين في قلبي واسترجعت ذكريات حلوة".

جزدان الدولاب
ضمن مجموعة "نوستالجيا" للجزادين التراندي، وضعت المصممة بشرى دندش على واحد منها صورة الدولاب مأخوذة من زاوية معبرة. كأنها عين ولد تنظر بدهشة إلى الكبير الذي يفوقه بأضعاف. تقول بشرى إن عملها فني. صحيح أن الدولاب رمز لبيروت وكل لبنان، فنحن لا نرى أي دولاب في العالم من دون أن نتذكر هذا، لكن كل ديزاين تخرجه ينطلق من ذاتها قبل كل شيء. تعتقد بشرى أن الدولاب ملاذ للصغار، يأخذهم إلى العالي، مقارنة مع حجمهم الصغير، ليطلوا على مشهد مختلف للمدينة لم يألفوه. وهذا أكثر ما تحبه فيه. ترى بشرى أن أسلوب البرينت والكاليغرفي يعبر عن الهوية الشخصية لها ولحاملة الحقيبة.


بلد صغير
في كتاب الأطفال "بلد صغير" (باللغة الفرنسية- دار الجديد) لرشا الأمير، نرى رسماً للدولاب وضعته دانيل كتّار. في اللوحة ثلاثة ألوان فقط: أسود الليل الدامس وأصفر وبرتقالي ألسنة لهب الحرب. كتبت رشا ما يعني: "قل لي، بابا، ألا يستطيع البلد الصغير أن يفعل شيئاً ليرجع إلى الوراء".

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019