مالية الدولة تقتصّ من إبني المتوحّد وتترك كبار الفاسدين

رنا قاروط

الأربعاء 03/07/2019
عاد ابني جميل (توحدي - 10 سنوات) من المدرسة.

إنه يومه الأخير قبل بداية العطلة الصيفية، وهي عطلة قصيرة نسبيًا مقارنة مع عطل أطفال المدارس "العادية"، لا تتعدى الشهرين، محسوبة بوعي وعلم حتى لا يخسر، هو وأصدقائه / صديقاته مهاراتهم / مهارتهن التي اكتسبوها / اكتسبنها على مدى عام، نتيجة تمرين لا يتوقف ويُعاد تطويره كل فترة.

عاد، حاملًا معه ملفاً كبيراً يحتوي قسائم أعماله اليومية، التي يتابعها من أجل إنجازها فريق متخصص. أغلبها نشاطات من أجل تطوير حركته الدقيقة في القص، اللصق والتلوين.

وضعته جانبًا. كنت تعبانة وبحاجة للراحة. لا أقوى على استيعاب شيء بعد أن ألج عتبة البيت، في آخر نهارات أقضيها بالعمل خلف شاشة الكومبيوتر، أو متنقلة على الطرقات لدفع فاتورة هنا أو إنجاز ورقة هناك للضرورات البيروقراطية .

وزارة الشؤون الاجتماعية
أيضًا، لطالما شكل لي الصيف، وبالنسبة لجميل، مأزقاً حقيقياً. ليس سهلًا أبدًا إيجاد سبل مناسبة حتى يقضي وقتاً نافعاً ومسلياً، هو الذي يحتاج لمرافقة دائمة. إذ لا يستطيع القيام وحده بأبسط أموره، كما تتطلب حالته التدريب المستمر. صحيح أنه بات هناك مخيمات صيفية كثيرة للمتوحدين / المتوحدات، لكنها كلها باهظة جدًا، تبلغ كلفتها على الأقل ضعفي الكلفة للطفل / الطفلة العادي / العادية (كما كل خدمة أخرى تتعلق بعلم أو طبابة التوحديين / التوحديات) وأتكلم هنا عما لا يقل عن 1000 دولار أميركي.

استيقظت في اليوم التالي. وأول ما فعلته هو أن تناولت الملف، بعد أن شعرت أني أهملت واحدة من مسؤولياتي، وما كان يجب. لا ألوان ولا رسوم في الورقة الأولى، بل شعار "الاتحاد الوطني لشؤون الإعاقة"، في الترويسة والأسفل. إنه "بيان" صادر عن الجمعيات التي تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة، يقول في بند بين بنوده ما مفاده أنه سوف يتم تعليق الدروس للعام المقبل، أي إعلان الإضراب المفتوح، إلى حين تجاوب وزارة الشؤون الاجتماعية، بسبب التأخر في دفع المستحقات للعاملين والعاملات، وعدم زيادة التعريفات لتتلاءم مع الكلفة المتزايدة للمستفيدين والمستفيدات، بالإضافة الى عدم تجديد العقود لسنة 2019.

عنف تربوي
أنا في ورطة إذن، وكأن ما فينا لا يكفينا: إبني مهدد أن يبقى بين جدران البيت إلى أجل غير مسمى. ولم تعد فقط مسألة أسابيع عطلة أستطيع أن "أدبرها" كل يوم بيومه؟ قد يطرح البعض السؤال: "شو ما في غيرها هالمدرسة؟"... "مبلا فيه"، أرد، ولكن مقابل الملايين إذا لم تغطيها الوزارة. و"مبلا فيه"، ولكن اقتلاعه بهذه الطريقة القاسية والاعتباطية من المؤسسة، والفريق الذي أحسبه بيتنا الثاني وعائلتنا الممتدة، أحسبه عنفاً تربوياً. فمعروف لدى أطفال التوحد أنهم نمطيون ونمطيات، يُشعرهم نظامهم المُعتمد بالأمان والطمأنينة ويساعدهم في التقدم . وهكذا، أي تغيير مفاجئ كفيل بهدم ما تعبنا من أجل إنجازه بالتعاون الطويل.

الطريق الصعب
كما علينا حق للمعلمين والمعلمات، الأطباء والطبيبات، المعالجين والمعالجات النفسيين، الممرضات، عمّال وعاملات الهاتف والنظافة والسائقين. هم وهن من اختاروا واخترن طوعًا وأخلاقيًا المسك بأيدينا والمضي معنا في الطريق الصعب، لإيمانهم بقيمة الإنسان أولًا وجوهره الروحي. هؤلاء ليسوا مجرد موظفين ولا موظفات، إذ لا يكفي أن يتمتع من يشتغل مع أولادنا، مهما كان دوره، بالشهادة والكفاءة، بل عليه قبل كل شيء أن يكون محباً وصبوراً وإلا فشل. حزنت جدًا عندما فقدنا في الفترة الأخيرة وجوه أناس طيبين هناك، رحلوا لأنهم ما عادوا يحتملون العيش من دون دخل. وهم أيضًا لديهم عائلاتهم ومسؤولياتهم. أخذوا معهم خبراتهم المتراكمة حتى ينجوا، بعد أن وصلوا إلى عمر يستأهلون فيه الشكر والتكريم منا ومن الدولة.

انتهى عام "جميل" الدراسي هذه المرة من دون حفلة، نشاهد خلالها أولادنا على المسرح في وصلات رقص وغناء وتمثيل، نفرح ونهلل لهم: "وااااو مامي، أنتَ / أنتِ بتجنن / بتجنني!". ولا قهوة وڠاتو مع الأهل، حيث نتبادل الأحاديث عن حيواتنا المختلفة وما يحدث فيها، نواسي بعضنا البعض، نقوي بعضنا البعض. كأن هذا حرام علينا، وليس مسموحاً لنا أن نكون جزءاً من "الطبيعي" في وطن يعمد نظامه التعليمي إلى إعادة إنتاج النموذج ذاته لتلامذة المعايير المعلبة، الحفّاظون المطيعون الذين يؤكدون استمرارية الولاء عبر صناديق الإقتراع. نظامه يقصي "المعوق"، خصوصاً إذا ما كانت إعاقته ذهنية، ليبقى محروماً من إخراج أي طاقة كامنة فيه، ما دامت لا تُترجم صوتاً انتخابياً.

أين أموال ضرائبي؟
وأخيرًأ أختم بأسئلة وحسب، لأني لست عالمة اقتصاد ولا اجتماع لأقدم حلولاً:

أنا مواطنة أدفع كل ضرائبي للدولة، وهي الأغلى في العالم. فأين تذهب ضرائبي وحال الخدمات معروف، أكان في الطبابة أو الماء أو الكهرباء أو النفايات؟ أين يذهب مال شقائي؟

ما هو مصير إبني وأمثاله؟ موظفي وموظفات مؤسسته وأمثالها؟ هل فقط مصائر هؤلاء معلقة، أم سيدفع معهم الأثمان أخوتهم وأخواتهم، لأن الكارثة إذا وقعت في العائلة سوف تطال حتمًا كل أفرادها؟ ماذا تفعل الأم العاملة؟ تتخلى عن مشروعها من أجل أن تبقى بجانب طفلها / طفلتها المعوق / المعوقة وتتحول بالتالي إلى رقم إضافي في صفوف التهميش؟ ومبتورة عن رزقها. والغلاء لا يرحم؟

ولماذا يريد واضعو الميزانية هذه الاقتصاص من صغار بلا حيل ولا قوة، من طلاب الجامعة اللبنانية ومرضى الضمان الاجتماعي، ولا ينظرون إلى ما يقترفه كبار كبار الفاسدين؟

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019