مدارسنا الرسمية ووزارتها.. دولة الفشل في كل امتحان

جنى الدهيبي

السبت 15/06/2019

كان انطلاق الدورة الأولى لامتحانات الشهادة المتوسطة الرسميّة في لبنان، هستيريًا.. بما يشبه حال لبنان إلى حدٍّ بعيد. بل نُسخة طِبق الأصل عنه. ونموذوجٌ يصحُّ أن يُدرّس عن معنى الفوضى والفساد المستشريين على مساحة 10452 كيلومتر مربع. القضيّة أبعد من مئات طلاب كانوا كبش محرقةٍ بين وزارة التربية وإدارات مدارسهم "الدُكّانيّة"، التي تخلفت عن تقديم طلبات ترشحهم خلال المهل القانونية المحددة. والقضية تتجاوز وزيرًا استلم حقيبة تربيةٍ لم يفقه من انجازاتها غير تنصيب "الكاميرات – الصفقة"، لمراقبة طلاب الشهادات بتكاليف باهظة من خزينة دولتنا المفلسة. حال من الهرج والمرج ترافق موسم امتحانات الشهادات الرسمية هذا العام. وهي أيضًا، أصبحت حال "طبيعية" ترافق كلّ القضايا الشاغلة للبنانيين، وتسير بمنحى السخرية والانقسام والتسييس و"التّطييف" والاستغلال والاستثمار. هكذا تعوّدنا، أن تُؤخذ القضيّة الأساس إلى مكانٍ آخر يؤذي جوهر القضيّة نفسها ويُشيح النظر عنها. لكن، ما إن أردنا الرجوع إلى عمق النظام التربوي في لبنان، حتّى نجد أنّ كلّ ما نسمعه ونشهده في "موسم الشهادات"، لا يغدو كونه فولكلورًا فارغًا، ونتيجةَ طبيعيةً لمسارٍ طويلٍ من الفشل والفساد. 

​شهيب vs بوصعب
ثمّة نوعٌ من المغالاة، أن نُحمّل وزير التربية أكرم شهيب وحده مسؤولية ما حدث مع طلاب البروفيه، الذين حُرموا من تقديم الامتحانات الرسمية. هي ليست مسؤولية "شخصية" يُراد من خلالها تحقيق أهدافٍ سياسيةٍ وحسب، وإنّما نتيجة سياسة تراكميّة في أداء وزارة التربية على مرّ العقود. حتّى مقارنة شهيب بأسلافه من وزراء التربية، وتحديدًا لدى مقارنة عهده بعهد وزير الدفاع الحالي الياس بو صعب حين كان وزيرًا للتربية، فيها الكثير من الخفّة والسطحيّة. أصبح معروفًا في لبنان أنّ لكل وزيرٍ "تريند" في عهده، يتحول لسياسةٍ في الإدارة والتعامل. وإذا كان الوزير بو صعب استطاع أن يشكل حالةً تستحوذ قلوب الطلاب، ويصبح "محبوب الجماهير"، وصاحب العُطل المديدة، الخائف على التلاميذ من الرعد والبرق والشتاء، اتّبع شهيب نهجًا آخر، ولعب بشخصيته الوزارية دور الحاسم والصارم والضارب بيدٍ من حديد، لكبح جماح "دكاكين" المدارس الوهمية، وبدا كأنّه يسعى لإستعادة "هيبة" فقدتها الشهادات الرسميّة، من خلال كاميرات ترصد عمليات "التفلت" والغشّ، وعبر دعوة "التبشير" أنّ زمن النجاح في لبنان بنسبة تفوق 90 في المئة قد ولّى.

لكن، إذا أردنا أن نغوص في المقارنة بين هذين النموذجين في إدارة وزارة التربية، قد نصل ربما إلى نتيجة مفادها أنّ كليّهما فاشلان، يتّسمان بالمبارزة والشعبوية وحسب. وهذا طبيعي أيضًا، لا سيما أنّ النظام اللبناني، والأعراف المتّبعة في تشكيل الحكومة، لا يتعاطيان مع وزارة التربية بوصفها وزارة "سيادية" (وهذا دليل تخلفٍ طبعًا)، وإنّما تتقاذفها القوى السياسية، ثمّ ما تلبث أن تتحول إلى حقلٍ خصبٍ للتوظيفات النفعية، وتقاسم الحصص الحزبية والطائفية، ومصدرًا إضافياً لجباية "أموال طائلة" من الأمم والجهات المانحة، بحجة تأمين متطلبات تعليم الطلاب من النازحين السوريين. وكحال جميع الوزارات، لا تُطبّق التشكيلة الحكومية مبدأ "الشخص المناسب في المكان المناسب" أو تسليم المهام لأصحاب الاختصاص، وهو ما يبدو أمرًا كارثيًا في وزارة التربية على وجه الخصوص، لا سيما أنّها تدير واحدًا من أضخم وأهم القطاعات في لبنان، أيّ قطاع التعليم، بمؤسساته وأساتذته وطلابه. 

سهلة وصعبة
في الواقع، ليست "الشطارة" أن تكون سهولة المسابقات أو صعوبتها معيارًا لجودة التعليم في لبنان. ثمّة ما يشي في هذا المعيار لروائح تفوح من طرائق التعلم البدائية، القائمة على الحفظ الببغائي والحشو والتلقين، ورواسب من الثقافة البعثيّة والأنظمة الديكتاتورية المجاورة التي باتت تتأثر بها جمهوريتنا "العظيمة" إلى حدٍّ بعيد، رغم تنكّرها لذلك، وتحديدًا في اتّباع مبدأ "الثواب والعقاب" في التعليم. فبينما العالم المتطور يحلّق بطلابه في ركابٍ حداثيةٍ ورقمية، تُنتج إنسانًا عارفًا وذكيًا وليس "ببغاءً" حافظًا، لا تزال معظم مدارس لبنان مع أهالي الطلاب أيضًا، يؤمنون أن "حشو الدروس" هو سبيل الوحيد لتعليمهم، وإنتاج جيل من الدكاترة والمهندسين والمحامين (تلك الطموحات الرائجة عند الأهل بأبنائهم).

بالعودة إلى الوزير شهيب، الذي تعرض لضغوطٍ سياسيةٍ وشعبيةٍ كبيرة، دفعته لاحقًا إلى التراجع عن موقفه لجهة حرمان فئة من طلاب البروفيه من التقدم إلى الامتحانات الرسمية، فسمح لـ "دكاكين" مدارسهم الوهمية أن ترفع لوائح بأسماء مرشحيها في موعدٍ ينتهي بعد ظهر الجمعة 14 حزيران. أمّا التّحدي الذي ينتظر معاليه بعد انتهاء امتحانات الشهادات الرسميّة، هو إن كان سيُكمل طريق المواجهة الصعب مع هذه "الدكاكين" غير المرخصة، التي يُطلق معظمها على نفسه لقب "المدارس الخاصة شبه المجانية"، فيستسهل الأهالي تسجيل أبنائهم بها، من دون التأكد من قانونيتها ومناقبية عملها التربوي. إلّا أنّ هذه المدارس التي تعمل وفق منطق "مافيوي" فاضح، لها أحزابها وتياراتها وطوائفها ومنتفعيها ومتواطئيها من داخل الوزارة وخارجها. ما يعني عمليًا أنّ المواجهة مع هذه "المافيات التربوية" (وما أكثرها)، بعيدًا عن اتخاذ الطلاب "رهائن"، هي مواجهة مع كلّ هؤلاء، الذين راكموا الثروات على مدار سنوات طويلة، ومن رصيد "المدرسة الرسمية" التي أصبح حالها كمن يصارع الموت. فهل سيستطيع الوزير أكرم شهيب خوض هذه المواجهة؟ أمّ أنّ سقف "الإنجازات" العملية سيقتصر على "مشروع" كاميرات المراقبة، الذي كان بديلًا هشًّا عن قطع الطريق على بعض النافذين من نواب ووزراء وأمنيين ومسؤولين يمكلون سطوة "التوصية" في قاعات الامتحانات بهذا الطالب وذاك؟

ما قبل 22 عامًا
كلّ الأزمات التي ترافق الشهادات الرسميّة اليوم، وعلى امتداد سنوات، ليست سوى قشورٍ لأزمات كبرى أصابت تركيبة نظام لبنان التعليمي، الذي يتغنّى برِفْع مستواه الأكاديمي، بينما الحقيقة المّرة تناقض ذلك. أطلق الوزير شهيب كليشيه "المسابقات الصعبة"، لكنّ الأمر بدا تهويلًا لا قيمة له من اليوم الأول للامتحانات، لا سيما أنّ مناهج لبنان التي لم تتغيّر منذ نحو 22 عامًا، لم تعد تحتمل أيّ قدرة على ابتكار مسابقات حولها تخرج عن المألوف، ليشغّل الطلاب ذكاءهم ويختبرون معنى الصعوبة والسهولة. فعلى امتداد نحو قرنٍ من الزمن، لم تتغيّر مناهج التعليم في لبنان سوى ثلاث مرات: 1946، 1971 و1997، وكان تغييزًا ناتجًا عن تحولات وحروبٍ أهلية، لا عن بحوثٍ أكاديمية ومواكبةٍ للتطورات والمقاربات التعلمية والعلمية الحديثة. أمّا الجزء الأساسي من هذه الأزمة التربوية، فتتأصل جذورها بمراكز القرار التربوي، بدءًا من وزراة التربية التي لا يتبوؤها صاحب اختصاص، مرورًا بالمركز التربوي للبحوث والإنماء والتفتيش التربوي وجهاز الإرشاد والتوجيه، وكلّها مؤسسات مترهلة لا يختلف حالها عن حال المدارس الرسمية التي يديرونها. لذا، لم يعد عجبًا أن تتحول إلى أرضٍ خصبة للتوظيف والتنفيع والمحسوبيات بيد السياسيين، الذين انقضّوا على دور كلية التربية في إعداد معلمي هذه المدارس الرسمية، بعد أن انتشر نظام التعاقد بالساعة فيها، وأصبح التثبيت الوظيفي مشروطًا بنتيجة المباراة المفتوحة أو المحصورة في مجلس الخدمة المدني.

لكن، في بلدٍ أصبح يُعاب فيه على المدارس الرسمية التابعة للدولة وفرة الأساتذة وقلّة أعداد التلاميذ مقارنةً بالتعليم الخاص، وأصبحت هذه المدارس لا تلعب أيّ دورٍ في إظهار وبناء الهوية الوطنيّة الجامعة لكلّ شرائح المجتمع اللبناني، بعد أن جرى محاربتها وإهمالها عمدًا، وحصرها بطبقة اجتماعية معينة لتكون "مدرسة الفقراء" وحسب، لم تعد أزمته التربوية في الشهادات الرسمية فقط، لأنّ الجذور من أساسها فاسدة.

وعليه، لا عجب من القول: إلى حين أن يُعلن لبنان "حال الطوارئ" لإنقاذ نظامه التربوي والتعليمي، سيبقى بلدًا "بلا تربية"، ينتج السلطة الحاكمة نفسها، التي تعبث به خرابًا وفسادًا وجهلًا، وانزلاقًا نحو القعر. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019