سحمر تسكت عن اغتصاب الطفل السوري وتلاحق ناشطة أدانته

لوسي بارسخيان

الثلاثاء 07/07/2020
بعد أيام خمسة على الفيديو "المشين" الذي يوثق جريمة الاعتداء المزمنة التي اقترفها شبان ثمانية بطفل سوري، في بلدة سحمر البقاعية، وصلت القضية إلى مخفر درك القرعون. لكن ليس لتوقيف الشخص الثامن الذي لا يزال متوارياً، بل للتحقيق مع الناشطة زينة نعيم، إبنة بلدة لبايا البقاعية أيضاً. وذلك لأن بلدية سحمر رأت في أسلوب "انفعالها" وتعليقها على الجريمة الموثقة في صفحتها الفيسبوكية إهانة وشتماً للبلدة، فادعت عليها بالقدح والذم وإهانتها الضيعة بأكملِها.

قضاء المناكفات القروية
وإذا كان للمناكفات والنكايات والزجليات القروية والبلدية قسط من هذه الدعوى، يبدو أيضاً أن كمّ الأفواه بات أسلوباً لإدارة مؤسسات الدولة القضائية والأمنية، جواباً على مأزقها منذ مدة. وهذا لم يعد نزعة قائمة لدى السلطة المركزية، بل صارت تشمل المناطق والبلديات.

وسبق الإدعاء القضائي على زينة محاولات بلدية سحمر، مباشرة أو بالواسطة، تخويف زينة لحملها على حذف منشوراتها والاعتذار. وقد أقرت البلدية بالضغوط التي مارستها بنشرها في بيان لها أن "بلدية سحمر كانت راضيةً بالحد الأدنى، وهو اعتذار زينة التي اعتبرت الاعتذار عزيزاً عليها ومهيناً لها".

وأثارت الضغوط التي مورست على زينة، الناشطة في صفوف ثورة 17 تشرين، موجة سخط واستنكار لما اعتبر محاولة إسكات الصوت الآخر، في منطقة يسيطر عليها اللون الطائفي الواحد، وصولاً إلى استعمال القضاء وسيلة للترهيب.

فمساء السبت تلقت زينة اتصالاً من مخفر القرعون يطلب منها الحضور كمدعى عليها، بناء لشكوى مقدمة من بلدية سحمر. وأوضحت مصادر قضائية لـ"المدن"، أن النيابة العامة تحركت في هذه القضية، بعدما كادت منشورات زينة تتسبب بفتنة بين أهالي سحمر ولبايا. وبدا لافتاً أن بلدية سحمر هي التي حرضت أهاليها ضد منشورات زينة، باقتطافها تعليقات من فيديوهاتها، لتعليل لجوء البلدية إلى القضاء.

واتُهمت زينة "بالافتراء وتحوير الدعوة ضدها إلى منحى حزبي، وطائفي، ومناطقي، وسياسي، لا أساس له من الصحة، محاوِلةً بذلك استقطاب واستعطاف بعضاً من الرأي العام".

قضية عامة
وزينة لم تصل وحيدة إلى مخفر القرعون، بل سبقها إلى محيطه عدد من الناشطين وأفراد عائلتها، خصوصاً أن السبب الحقيقي لاستدعائها لم يكن واضحاً. بل اعتبره الناشطون محاولة استباقية لخنق كل صوت يرتفع في مواجهة الظلم.

كان علي حمود من المتضامنين مع زينة، فحضر من بلدة سحمر إلى القرعون، معتبراً أن "زينة أدانت في ما نشرته المتورطين بالجريمة، ولم تدن أهالي سحمر. وأدانت العصابة التي تصرفت بطريقة غير إنسانية وغير أخلاقية. وهذه العصابة تحميها عائلات تنتمي إلى أحزاب، وبالتالي فإن هذه الأحزاب مدانة بحمايتها المجرمين".

ورفضت زينة الاعتذار على أمر "لم تقصده"، قالت. وقبل دخولها إلى المخفر، قالت إن ليس لديها ما تبرره لأحد، وسبق أن دونت في فايسبوك أن الإهانة لا تطال أهالي سحمر جميعاً. وأضافت: "كل ما في الأمر أنني دافعت عن طفل سوري اغتصبه شبان ثمانية من سحمر. وأي إنسان لديه وجدان وضمير يفعل ما فعلته. انا ثورية ومثقفة ومتعلمة لا يمكن أن أرى الظلم وأقبل به. ولا يهمني ما يحصل. فليأخذ القضاء مجراه. لست خائفة من أحد، أياً كان من يقف وراءهم". وقالت أيضاً: "لم يكن في بالي التهجم على عامة أهل سحمر، بل المعتدين فقط دون غيرهم".

لم يكن سبب الادعاء على زينة دون سواها، واضحاً للناشطين الذين تجمعوا أمام مخفر القرعون. فما نشرته حول قسوة جريمة الاعتداء وفعل الشباب المشين أثار استنكاراً عارماً على المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما جعل الإعلام  يتعاطى مع الحادثة كقضية رأي عام.

ويرى رفاق زينة الناشطين في الثورة أن الإدعاء عليها "ليس رمانة وإنما قلوب مليانة". ففي بيئة الثناىي الشيعي من ضاق ذرعاً بالأصوات التي ترتفع من خارج هذه الثنائية. وخصوصاً تلك الأصوات التي تغطي بعض المجرمين والمفسدين.

وبرأيهم أنه لولا هذا الصوت الثالث، لما أوقف الشبان السبعة من أصل الثمانية الذين ظهروا بالفيديو.

جمهرة حول المخفر
بعد نحو ساعات ثلاث من الاستماع إليها في مخفر القرعون، خرجت زينة بسند إقامة، ووقعت على تعهد بعدم التعرض لأهل سحمر، ولكنها أكدت أنها لم تعتذر عما لم تقترفه. 

وترى والدة زينة أن إبنتها لا يمكن أن تقصد أهالي سحمر بإدانتها للجريمة، إلا إذا كان الأهالي أنفسهم راضين عن فعلة الشبان الثمانية. وبما أن أحداً لا يمكنه تبرير جريمة الشباب، فإن نبذ هؤلاء يصبح واجباً على أبناء سحمر، لأنهم هم من أساؤوا إليها قبل أي شخص آخر.

وشهد مخفر القرعون حركة استثنائية من انتشار القوى الأمنية والعسكرية وعناصر مكافحة الشغب، أثناء استجواب زينة. وذلك تمسكاً بحرية التعبير، حسب هتافات رفاقها ضد السلطة القمعية وأساليب ترهيبها: "ما منخاف ما منخاف والحكام عصابات".

وحسب النيابة العامة الاستئنافية في البقاع، جرى توقيف سبعة من الشبان الثمانية الذين ظهروا في الفيديوهات المنشورة حول عملية الاعتداء. وأوضحت مصادر قضائية أن عدداً من هؤلاء جرى تسليمهم، نتيجة تكثيف الملاحقات القضائية وضغوط الرأي العام.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020