صيدا في الانتفاضة: حزب الله "يراقب" والقوى السياسية منبوذة

المدن - مجتمع

الإثنين 21/10/2019

أحدثت الاحتجاجات الشعبية، المستمرة منذ مساء الخميس الماضي، حالاً من الإرباك في صفوف القوى السياسية في مدينة صيدا، بعدما سبقها الناس إلى إطلاق الصرخة على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والحياتي في المدينة، وتحميل الناس المسؤولية لجميع السياسيين، بمن فيهم حلفاء العهد والسلطة، فطالت شظايا الهبة الشعبية نائبي المدينة الدكتور أسامة سعد والسيدة بهية الحريري، وحليفي التيار الوطني الحر عبد الرحمن البزري، والمسؤول السياسي للجماعة الاسلامية الدكتور بسام حمود، وبطبيعة الحال حزب الله وحركة أمل .

وجدت القوى السياسية في المدينة كل من موقعه نفسها محرجة أمام آلاف المتظاهرين، الذين يتجمعون يومياُ في ساحة الاعتصام المفتوح، عند تقاطع إيليا، والذين يرفضون أي استثمار أو توظيف لحراكهم المدني من قبل أي من السياسيين. بينما حاول بعض هؤلاء "التسلل" إليه بإيفاد مناصرين لهم أو هيئات محسوبة عليهم إلى ساحة الاعتصام، أو بتقديم دعم لوجستي للمعتصمين، أو برفع يافطات لهذا التنظيم أو ذاك لا تحمل اسمه أو شعاره، أو بالقيام بزيارات خاطفة وسريعة والاطلالة إعلامياً من داخل هذا التحرك والقول أنهم محتضنون وداعمون له.

التنظيم الناصري: سياسة التسلل
لم يستطع التنظيم الشعبي الناصري، الذي كان سابقاً ينظم ويقود ويتصدر معظم التحركات الشعبية في صيدا، أن يفرض نفسه على حراك اليوم. ولوحظ أن أمينه العام أسامة سعد، الذي زار ساحة الاعتصام أكثر من مرة، لم يتمكن من مخاطبة الجمهور المحتشد في المكان، كما جرت العادة في تحركات شعبية سابقة، وانما كان يكتفي بالإدلاء بتصريحات صحافية لوسائل إعلام تواكب الحراك.

ومرد ذلك، حسب مصادر مطلعة، أن سعد تبلغ بشكل غير مباشر من منظمي هذا الاعتصام أن النواب والسياسيين غير مرغوب بتواجدهم في المكان لأن المجلس النيابي، الذي انتج هذه السلطة وكلف حلفاء العهد، هم شركاء معها في ما آلت اليه الأوضاع في البلاد. وسعد نفسه وصل إلى البرلمان بدعم أساسي من بعض أقطاب هذه السلطة، أي حزب الله وأمل. الأمر الذي دفع بسعد إلى الدعوة لعقد لقاء في مركز معروف سعد أطلق عليه اسم "اللقاء الصيداوي"، محاولاً تقديم هذا اللقاء على أنه يمثل موقف المدينة لكنه لم يستطع حشد كل مكوناتها. واقتصر حضور اللقاء على التنظيم وحلفائه في صيدا، وبعض القطاعات الاقتصادية والأهلية، الذين أكدوا على دعم الحراك الشعبي وعلى احتضانه واستمراره حتى تحقيق أهدافه.

البزري: الحرج
سبق اللقاء الصيداوي تقارب هو الأول منذ سنوات بين سعد والدكتور عبد الرحمن البزري رئيس بلدية صيدا السابق، توج بمشاركة البزري في اللقاء. لكن ذلك أظهر أن البزري يواجه حرجاً أكبر في تقديم نفسه كداعم للحراك الصيداوي. فهو رغم أنه زار ساحة إيليا،  وأدلى لاحقاً بتصريح عبر فيه عن تضامنه مع المتظاهرين ودعمه مطالبهم، إلا أنه هو الآخر يبدو بالنسبة إليهم في موقف ملتبس يجعله غير مرحب بمشاركته في هذا الحراك، باعتباره حليفاً للعهد على خلفية تحالفه في الانتخابات النيابية الأخيرة مع التيار الوطني الحر. وبقي حتى بدء التحركات الأخيرة على تواصل وتنسيق مع وزراء ونواب التيار، وفي مقدمهم رئيسه جبران باسيل. علماً أن اللافت في تصريحات البزري منذ بدء التحركات هو تركيزه على مطلب استقالة الحكومة ورحيل رئيسها وتحييده للعهد وباقي شركائه!

الجماعة الاسلامية: غير مرحب بها
حرصت الجماعة الاسلامية منذ اليوم الأول لتحرك صيدا على التعميم على مناصريها المشاركة في الاعتصام المفتوح في ساحة إيليا لتسجيل حضور وموقف. وبمثل ذلك أوعزت إلى مناصري أحمد الأسير، الذين يدورون في فلكها. لكنها لم تستطع هي الأخرى تجيير هذا التحرك لتوجهاتها وشعاراتها. ورغم أن مسؤولها السياسي بسام حمود زار اعتصام ايليا وعبّر بتصريح هو الآخر عن دعمه للمعتصمن ومطالبهم. لكنه أيضاً لم يكن من المرحب بحضورهم في الاعتصام لأنه كان حليفا للتيار الوطني الحر في الانتخابات النيابية، ولا يزال حتى اليوم يواجه اللوم والعتب من أبناء المدينة وحتى من مناصري الجماعة وبعض كوادرها على هذا التحالف، الذي لم يوصله كمرشح للجماعة إلى البرلمان، وفي الوقت نفسه أضر بشعبية الجماعة صيداوياً.

تيار المستقبل: الغائب
رغم مشاركة مناصرين له وممثلين لهيئات أهلية من بيئته الحاضنة، بشكل عفوي، في اعتصام المدينة، إلا أن تيار المستقبل يبدو الغائب الأكبر عما يجري في صيدا من تحركات.. ففيما تلازم رئيسة كتلة المستقبل النائب بهية الحريري دارتها في مجدليون، وتتابع عن بعد حراك ساحة إيليا والوضع في المدينة ككل، بالتواصل مع بعض الفاعليات ومع الأجهزة الأمنية والعسكرية، ولم يصدر عنها أو عن التيار في صيدا أي موقف مع أو ضد اعتصام ساحة ايليا، وهو ما يعتبره القيمون على الاعتصام أمراً طبيعياً بالنسبة لتيار سياسي يتولى رئيسه رئاسة الحكومة اللبنانية، التي تُحاكَم اليوم مع باقي السلطة من قبل الشعب. لكنه لا يبدو طبيعياً بالنسبة للقاعدة الشعبية للمستقبل في صيدا والتي تجد نفسها في حالة من الضياع بين تأييد المطالب التي يرفعها التحرك الشعبي وبين الالتفاف حول قيادة التيار ممثلة برئيس الحكومة سعد الحريري .

حزب الله يراقب ..
أما حزب الله الذي اعتاد على يكون حاضراً أو مواكباً لكل تحرك في المدينة، فغاب هو الآخر عن اعتصام ايليا، كما عن لقاء مركز معروف سعد، واكتفى بالمراقبة عن بعد. حاله في ذلك في بقية المناطق بانتظار أي قرار جديد من قيادة الحزب. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019