الأزمة الاقتصادية تفسد صحة اللبنانيين النفسية

مريم سيف الدين

الإثنين 01/04/2019

"سينعم كل سكان لبنان بفرصة التمتع بأفضل صحة نفسية ورفاهية ممكنين"، هو أشبه بوعد أطلقته وزارة الصحة في العام 2015، ضمن رؤيتها، التي أعلنت عنها مع إطلاق البرنامج الوطني للصحة النفسية، والذي يستمر حتى العام 2020. لكن، ومع ازدياد الضغوط التي يعاني منها المواطنون، من جراء تراجع الوضع الاقتصادي، وازدياد البطالة، وأزمة الإسكان، وغيرها من المؤشرات السلبية.. بات يلحظ المواطنون تراجعاً في صحتهم النفسية.

جيل القلق
في حديث مع "المدن" يؤكد مدير البرنامج، الدكتور ربيع شماعي، أن الدراسات حول العالم أثبتت أثر الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على الصحة النفسية. لكنه يشير أن لا دراسات في لبنان، فيما يتعلق بالضغط النفسي الذي يعاني منه المواطنون، أو التغيرات التي تشهدها صحتهم النفسية. يضيف شماعي أن هناك دراسة واحدة أجريت منذ حوالى عشر سنوات. مشيراً أن البرنامج يعمل على إعادة هيكلة نظام الصحة النفسية في لبنان، وأن العوامل الاجتماعية التي تؤثر على وضع الصحة النفسية، هي خارج إطار عمل البرنامج.

وفي ظل غياب الدراسات الرسمية التي تحدد حجم المشكلة، التي باتت واضحة وملموسة، وبات يشعر بها مواطنون لاسيما الشباب منهم، تؤكد الإختصاصية في علم النفس العيادي، كارلا أوانيس، في حديث إلى "المدن"، تفاقم المشاكل النفسية التي يعاني منها المواطنون، وتحديداً الجيل الصاعد منهم. وتلحظ أوانيس ارتفاع نسبة المراهقين الذين يعانون من أزمة هوية، وشعور دائم بالقلق. وتقول أن الشباب الصغار يقصدون عيادتها معبرين عن قلقهم على مستقبلهم: "خصوصاً أنهم ولدى التفكير بمستقبلهم المهني، يواجهون بآراء الجيل الأكبر منهم، والمنخرط في هذه المهن. يخبرونهم عن معضلة غياب فرص العمل، والحاجة إلى الواسطة، والمعارف، ما يزيد من حيرتهم وقلقهم". وهو ما يواجهه بالفعل الكثير من الخريجين. فقد بات يعمل أغلبهم في مجالات تختلف عن مجالات تخصصهم، وفق أوانيس، وهو ما لا يسبب القلق وحسب، إنما أيضاً عوارض جسدية: "البعض بات يفكر بالانتحار، والبعض الآخر يعاني من اضطرابات في النوم، وفي تناول الطعام، وهناك أمور غير سوية بدأت تظهر في الحياة الجامعية. كما يسبب الضغط النفسي آلاماً في الرأس والكتفين والظهر، ويسبب تعباً مزمناً ما يؤثر على حياة الفرد".

السلوك العصبي والغضب اليومي
هذه الضغوط النفسية باتت تؤثر أيضاُ على العلاقات الزوجية. إذ تلفت أوانيس إلى أن انهماك الطرفين بالتفكير بكيفية تأمين حاجاتهما، يؤدي إلى تراجع الاهتمام فيما بينهما، ما يسبب الطلاق. أما الشباب الذين يرغبون بالزواج ويعجزون عنه، فيصابون بالقلق والاكتئاب والعصبية. وهنا تشير الإختصاصية في علم النفس العيادي، إلى العصبية التي نراها كثيراً في لبنان، والتي تتمظهر في طريقة قيادة السيارات وفي الإشكالات الفردية، الناجمة عن هذه الضغوط. تربط أوانيس بين كل هذه الضغوط وتفاقم مشكلة الإدمان: "فعندما لا يجد الفرد طريقة للتخفيف عن نفسه والتنفيس عن الغضب، يلجأ إلى مواد كالكحول والمخدرات للتخفيف من وطأة العبء اليومي".

تعتبر أوانيس أن البالغين لا يوولون أهمية للعلاج النفسي، في حين تنبه إلى حاجة كل البالغين للعلاج: "لأننا نعيش تحت الضغط. وهناك قلق وهمّ مستمران في كل بيت". وهنا تظهر مشكلة أخرى مرافقة للمشاكل النفسية، وهي ارتفاع كلفة العلاج النفسي. فكلفة زيارة المعالج النفسي تبدأ من 50 دولار وما فوق، و بعض الأطباء يطلبون مبالغ لا تقل عن 250 ألف ليرة لبنانية. ما يدفع المواطن، الذي تخطى هاجس الوصمة، إلى تجنب العلاج النفسي، نتيجة العبء المالي الذي يضيفه على كاهله، وباعتباره من الكماليات أمام حاجاته الأساسية. خصوصاُ، أن الأزمات النفسية تؤثر على إنتاجية الفرد، وتؤدي إلى تراجع مدخوله. وهنا تبرز بعض التعليقات الساخرة من قبل مواطنين، يعتبرون أن المبالغ التي يطلبها الأطباء والمعالجون النفسيون كفيلة بالتسبب بتردي الوضع النفسي، لمن يضطر إلى مراجعتهم. في حين يبرز خوف كبير من أن يتمظهر تردي الوضع النفسي للمواطنين، نتيجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، بشكل أعنف، إذا استمر الوضع الاقتصادي بالتدهور.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019