سعر السحب من المصارف: خلاف على حجم "الهيركات" والسطو

عزة الحاج حسن

الجمعة 10/09/2021
قبل أيام من موعد انتهاء مفعول تعميم مصرف لبنان 151، المتعلّق بتحديد سعر صرف السحوبات الدولارية من المصارف، عند 3900 ليرة للدولار.. تنشط حركة لجنة المال والموازنة على خط السعي لرفع سعر صرف السحوبات من المصارف. يحمل رئيسها في جعبته بعض الأرقام ويتفاوض حولها مع مصرف لبنان والمصارف، حين يتسنى له ذلك. تُكثر لجنة المال من البيانات والمواقف والظهور الإعلامي، منصّبة نفسها المدافع الأول عن المودعين وأموالهم. ناسية أو متناسية أن أعضاءها وما يمثلون من أحزاب وتيارات سياسية شاركوا مع المصارف في السطو على أموال المودعين، وتستّروا على نهش حقوقهم وفرض الخوات عليهم، وتحميلهم الجزء الأكبر من الخسائر التي منيت بها الدولة والمصارف.

أما وأن لجنة المال والموازنة تعتبر نفسها حامل راية الدفاع عن حقوق المودعين، فلماذا لم تتحرك قبل أشهر منذ أن بدأت المصارف باقتطاع 70 و75 و85 في المئة من أموالهم، بفرض سعر صرف للسحوبات عند 3900 ليرة للدولار، في حين أن الدولار الفعلي قارب سعر صرفه الـ25 ألف ليرة. ثم هل حماية أموال المودعين وحقوقهم تقتضي برفع سعر صرف السحوبات من 3900 ليرة إلى 6000 ليرة أو 7000 ليرة أو حتى 8000؟ وهل تعتبر لجنة المال أنها بخفض نسبة الاقتطاع من أموال المودعين من 85 في المئة إلى 70 أو 65 في المئة حقّقت إنجازاً؟ وهل مِن أسس علمية للأرقام المطروحة لتعديل سعر صرف السحوبات المصرفية؟

رفع السعر أم خفض الهيركات
حُسمت مسألة وضع سعر صرف جديد للسحوبات المصرفية، ورفع السعر المعتمد من نيسان 2020 وحتى اليوم. وهو 3900 ليرة للدولار. أما السعر المقترح، فيتفاوت بين 6600 ليرةة و10000 ليرة. بمعنى أنه لم يتم التوافق على سعر موحد للدولار المصرفي حتى اليوم. فلجنة المال والموازنة -وفق مصدر متابع- تسعى إلى التوافق مع مصرف لبنان على رفع سعر صرف السحوبات إلى 8000 ليرة للدولار. ووفق المصدر نفسه، تختلف المصارف فيما بينها حول مسألة السحوبات. فبعض المصارف ترفض رفضاً قاطعاً تغيير سعر الصرف المعمول به حالياً (3900 ليرة)، وبعضها الآخر يتشدد برفع السعر إلى محيط 6500 و6600 ليرة للدولار فقط. الخلاف في وجهات نظر المصارف هو ما دفع ممثلي جمعية المصارف إلى التغيّب عن حضور الاجتماع الأخير الذي جمع لجنة المال والموازنة ومصرف لبنان وأحد التجمعات التي تصف نفسها بـ"الممثلة" للمودعين، وهي "صرخة المودعين"!

هذا الاختلاف والخلاف في ما بين المصارف من جهة، وبينهم وبين مصرف لبنان ولجنة المال والموازنة من جهة أخرى، حول قيمة سعر صرف السحوبات المفترض اعتماده بديلاً عن 3900 ليرة، هو في حقيقة الأمر ليس رفعاً لسعر صرف السحوبات. بل تغيير في نسبة الاقتطاع من الودائع، بمعنى أن لجنة المال تتفاوض مع مصرف لبنان والمصارف على خفض نسبة الاقتطاع من الودائع (الهيركات)، من نحو 85 في المئة إلى نحو 60 أو 70 في المئة. وهذا أمر مرفوض كلياً من قبل رابطة المودعين، التي رفضت مشاركة لجنة المال والموازنة والتفاوض مع مصرف لبنان والمصارف، في اجتماعات مغلقة غير علنية وتفتقد للشفافية والأسس العلمية، وفق ما يؤكد عضو رابطة المودعين، نزار غانم.

تصب سياسة التعاميم والأرقام والتفاوض على أسعار صرف السحوبات جميعها، ومنها 8000 ليرة، في خانة تحميل المودعين أكلاف الأزمة المالية، يقول غانم في حديث إلى "المدن". وبدلاً من الإشارة إلى السعي لرفع سعر صرف السحوبات من 3900 إلى 8000 ليرة، ينبغي القول أن السعي ينصب لتقليص الهيركات على الودائع من نحو 85 في المئة إلى نحو 60 و70 في المئة. وهذا أمر مرفوض كلياً. ويصف غانم سياسة التعاميم بالفاشلة والفاسدة، لاسيما أنها تستهدف تحميل المودعين الجزء الأكبر من الخسائر.

لا خطة اقتصادية
لم تغب رابطة المودعين عن اجتماعات لجنة المال والموازنة صدفة. بل تعبير عن موقف مدافع عن حق المودعين ليس بأموالهم وحسب، بل حقهم في فهم كيفية وماهية الدراسة العلمية التي يستند إليها المعنيون في تحديد سعر صرف السحوبات المصرفية.

فكان لرابطة المودعين لقاء سابق مع رئيس لجنة المال والموازنة، ابراهيم كنعان. توجّهت إليه، بمجموعة أسئلة (19 سؤالاً) لم يجب على أي منها، حسب غانم. في حين أن كنعان يتحمّل مسؤوليته التاريخية كلجنة مال وموازنة في تفخيخ خطة لازارد، التي حمّلت المودعين اقتطاع لا يتجاوز 20 أو 30 في المئة بالحد الأقصى. أما اليوم، فنشهد مساعي لاقتطاع نسب مضاعفة عن كل ما يمكن اقتراحه في خطط مالية يتبناها صندوق النقد. ويشدد غانم على رفض الرابطة المشاركة بأي نقاش في غرف مغلقة "وإن كان لا بد من التفاوض فليكن علنياً. وليشرح لنا النواب وجهة نظرهم حيال الرقم المطروح لسعر صرف السحوبات 8000 ليرة"، يقول غانم. فالأمور لا تحل بـ"الطربشة" على الطريقة اللبنانية.

خطة الظل المالية
السياسة المتبعة من مصرف لبنان وسياسة التعاميم وتعدد أسعار الصرف، تأتي -حسب ما ترى رابطة المودعين- في إطار خطة الظل المالية. وهي ليست عبثية، إنما اتبعت عن سابق إصرار وترصد لإنقاذ الواحد في المئة من أصحاب الثروات. ويرى غانم أن ليس هناك من أزمة سياسية حقيقية، إنما الأزمة السياسية وجدت لتمرير الخطة المالية، التي تستهدف تحميل الغالبية من المودعين الخسائر الكبرى، لحماية الأقلية.

هذا الواقع الذي يستهدف تحميل المودعين الثقل الأكبر من أكلاف الأزمة، ويستحوذ على موافقة ضمنية من كافة الكتل النيابية، تواجهه رابطة المودعين من خلال القضاء اللبناني، ومن خلال استقدام عقوبات ضد السياسيين اللبنانيين، وأصحاب المصارف والمساهمين بها، عبر التواصل مع سفارات دول أجنبية، لحث الأخيرة على فرض عقوبات، في ظل غياب السلطة السياسية عن السمع وعدم إنصاف المودعين من قبل القضاء.

ويجزم غانم مسألة التفاوض بشأن سعر صرف السحوبات المصرفية بأنه "لا يمكن التفاوض من دون خطة ماكرو-اقتصادية واضحة تحدد حجم الخسائر وأكلافها" وأي سعر صرف ستخرج به اللجنة دون القيمة الحقيقية لأموال المودعين، أو أقله دون ما تقتضيه الخطط الاقتصادية العلمية، سيكون مجحفاً وغير شفاف.

بالمحصلة، على الرغم من طلب مصرف لبنان مهلة إضافية لتزويد لجنة المال والموازنة بالأرقام، والتأثير الفعلي والعملي لأي تعديل قد يطرأ على التعميم 151 على الكتلة النقدية، وارتفاع سعر الدولار من عدمه، فإن مسألة تسعير الدولار المصرفي في ظل غياب خطة اقتصادية واضحة لن يضمن للمودعين حقهم بأموالهم المسطو عليها من المصارف.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021