قانون الكابيتال كونترول مجدداً: أسوأ ما يصيب المودعين

علي نور

السبت 13/02/2021

منذ البداية، تعاملت السلطة والمجلس النيابي مع ملف الكابيتال كونترول وفقاً لما تمليه مصالح الفئة الأكثر نفوذاً في المنظومة المصرفيّة والسياسيّة، على حساب سائر المودعين. حين كان يجب فرض القانون بعد تشرين الأول 2019، لمنع الاستنسابيّة في التعامل بين المودعين، وللحؤول دون تهريب سيولة النظام المصرفي لمصلحة الفئات الأكثر نفوذاً، سقط مشروع القانون في مجلسي الوزراء والنواب بضربات متتالية ومحكمة. فيما تصدّر المشهد وقتها رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، الذي أعلن الترحّم على الكابيتال كونترول، بعد أن أوعز إلى وزير الماليّة سحب مسودّة مشروع القانون عن طاولة مجلس الوزراء. ومنذ ذلك الوقت، هُدر ما تبقى من سيولة في النظام المالي، سواء تلك الموجودة في احتياطات مصرف لبنان أو في موجودات المصارف الخارجيّة، في عمليات تهريب منظمة للسيولة، يدل عليها الفارق الكبير بين كلفة السلع المدعومة التي تم استيرادها وما تم تبديده من سيولة خلال هذه الفترة.

مشروع القانون على قياس المصارف
عاد قانون الكابيتال كونترول اليوم إلى الواجهة الآن، من بوابة المسودة الأخيرة التي عملت عليها لجنة المال والموازنة، والتي يبدو أنّها تأتي للتحضير للخطوات البديهيّة التي يُفترض أن يقوم بها لبنان قبل الحصول على أي دعم أجنبي. والسعي لإقرار القانون هنا لا يتربط حكماً بالحرص على ما تبقى من أموال المودعين، التي جرى تبديدها أصلاً بغياب القانون في المرحلة السابقة، بل لكون أي جهة أجنبيّة لن تقدّم الدعم لاحقاً قبل التأكد من وجود ضوابط قانونيّة، تمنع إساءة استعمال السيولة، على النحو الذي أساءت به الدولة ومصرفها المركزي التصرّف بأموال المودعين.

ولأن الغاية إرضاء المانح أو المقرض الأجنبي المقبل، لا حماية المودع في النظام المالي، جاءت بنود المسودّة الأخيرة على قياس المصارف واللوبي الموالي لها في المجلس النيابي. فكانت الصيغة الأخيرة الأكثر إجحافاً للمودع. أما الإشكاليّة الكبرى المرتبطة بالقانون، فهي غياب السيولة التي يمكن أن تُستخدم في عمليات التحويل المبررة والاستثنائيّة التي يسمح بها مشروع القانون، بعد أن جرى تبديد سيولة النظام المالي. ومع بروز الأسئلة حول سبل تمويل هذه التحويلات، ينشط اللوبي المصرفي مجدداً للدفع نحو مقترحات ستأتي مجدداً على حساب اللبنانيين، من قبيل تحرير جزء من الاحتياطي الإلزامي لتمويل التحويلات، في حين أن القانون لا يضع أي ضوابط تمنع إساءة استعمال ما سيتم تحريره من الإحتياطي الإلزامي.

سقوف السحب بالليرة متروكة للحاكم
بعد أن هرّبت المصارف ما يمكن تهريبه، وبعد أن باتت مسألة منع التحويلات إلى الخارج بلا جدوى اليوم، كان يُنتظر من قانون الكابيتال كونتول أن يحتوي على الحد الأدنى من الضمانات للمودعين، للتأكّد أن عمليّة ضبط السيولة بجميع العملات ستتم وفق معايير واضحة وموحّدة على الجميع. لكن مشروع القانون لم يحتوِ على أي من هذه الضمانات. فالسحب من الودائع المودلرة بالليرة اللبنانيّة وفقاً للتعميم 151 تُرك بيد مصرف لبنان، ليحدد السقوف وسعر الصرف على هواه، من دون وضع أي آليّة لضبط المسألة. مع العلم أن هذه السقوف تتفاوت بشكل كبير بين المصارف، وبين العملاء داخل المصرف الواحد، من دون وجود أي معيار واضح لكيفيّة تحديد هذه السقوف. ومن المعروف أن تفاوت السقوف بشكل كبير فتح الباب أمام شتّى أشكال إساءة استعمال هذه السقوف، من خلال شراء الشيكات وسحبها والإتجار بها. وهي عمليّات تتورّط بها اليوم جهات نافذة داخل النظام المصرفي.

مسار توحيد سعر الصرف غائب عن القانون
تغاضي مشروع القانون عن تنظيم مسألة السحوبات بالليرة يطرح اليوم إشكاليّة أخرى. فهدف أي كابيتال كونترول يتم تطبيقه بشكل مقونن يجب أن يكون، بالإضافة إلى حماية سيولة النظام المالي بالعملة الصعبة، ضبط السيولة بالعملة المحليّة أيضاً والتحكم بها، على أن يكون الهدف الأخير الوصول تدريجيّاً إلى سعر صرف موحّد، يعيد الانتظام إلى القطاع المالي بأسره، بوجود قانون يضع الآليّات والمعايير التي تتم من خلالها هذه العمليّة بشكل نزيه. أمّا عدم تطرّق القانون إلى هذه المسألة كليّاً، فيترك اليوم مسار توحيد أسعار الصرف بيد حاكم مصرف لبنان منفرداً، بغياب أي إطار قانوني يضمن عدالة هذا المسار وعدم إستنسابيّته. مع العلم أن عملية توحيد أسعار الصرف تدريجيّاً عبر ضوابط للسيولة بجميع العملات، مسألة لا مفر منها اليوم للخروج من الأزمة الراهنة.

في كل الحالات، لعلّ أكثر ما يبعث على قلق اللبنانيين اليوم تجاه تغاضي القانون عن التطرّق لإجراءات ضبط السيولة بالليرة، هو ما جرى مؤخراً من عمليّة فرض سقوف جديدة على السحوبات بالليرة في المصارف، بحجّة ضبط حجم الكتلة النقديّة المتداولة بالعملة المحليّة، والحد من تدهور سعر الصرف، والتمهيد لتوحيد سعر الصرف. لكنّ النتيجة الفعليّة كانت زيادة النقد المتداول خارج مصرف لبنان بالليرة بوتيرة أسرع مع بداية هذا العام، ما أدى إلى المزيد من الضغط على سعر صرف الليرة، وهو ما يطرح أسئلة كبيرة حول طريقة تطبيق إجراءات ضبط السيولة بالعملة المحليّة في المصارف، والفئات التي تدفع ثمن هذه الإجراءات.

اليوروبوند: بعد فوات الأوان
من الأمور المستجدة في مشروع القانون، حظر تحويل سندات اليوروبوند إلى الخارج، أي بيعها من قبل المصارف إلى أطراف خارجيّة. أما الغرابة هنا، فتكمن في أن خطوة المنع تأتي اليوم بعد أن قامت المصارف التجاريّة طوال الأشهر الماضية ببيع جزء كبير من محفظة سندات اليوروبوند التي تحملها، وهو ما زاد من تعقيد أزمة الدولة مع دائنيها الأجانب، بعد أن تمكن هؤلاء الدائنين من الاستحواذ على حصة تكفي لتعطيل التفاهم على إعادة جدولة السندات. مع العلم أن بيع سندات اليوروبوند استمر طوال الفترة التي تلت امتناع الدولة عن سداد سنداتها، في الوقت الذي امتنع مصرف لبنان عن إصدار أي تعميم أو ضوابط تمنع هذا النوع من الخطوات، رغم إمتلاكه هذه الصلاحية. بمعنى آخر، جاءت خطوة منع بيع السندات اليوم خالية من أي معنى، بعد أن باعت المصارف ما يمكن بيعه منها، تماماً كخطوة منع التحويلات إلى  الخارج بعد تهريب ما أمكن تهريبه من سيولة النظام المصرفي.

التحويلات إلى الخارج: لا سقوف محددة
القانون نص على حالات استثنائيّة يمكن لأجلها إجراء التحويلات إلى الخارج، كحالة استيراد السلع الأساسيّة، أو تسديد الإلتزامات الضريبيّة المتوجبة على العملاء في الخارج، أو القروض الناشئة في الخارج قبل تاريخ 17 تشرين الأول 2019، أو تسديد النفقات المعيشيّة الملحّة. لكنّ القانون لم ينص أيضاً على أي سقوف لهذه التحويلات، بل ترك المسألة برمتها لحاكم مصرف لبنان بالتنسيق مع وزير الماليّة، ما يعزز مجدداً الهواجس من طريقة تنفيذ هذا القانون والضوابط التي ستتحكم بتنفيذه، وإمكانيّة تطبيقه باستنسابيّة بين المودعين. أما صلاحيّة مراقبة حسن تنفيذ القانون، وتلقي الشكاوى في كل ما يخص المخالفات المتعلقة بذلك، فتركت للجنة الرقابة على المصارف. وهي اللجنة نفسها التي اكتفت طوال الفترة الماضية بإصدار التعاميم للتعليق على مخالفات المصارف، من دون أن تتخذ أي خطوة تتعدى ذلك. مع العلم أن ثمّة تساؤلات كبيرة حول قدرة اللجنة نفسها على القيام بالدور الرقابي المنوط بها في هذه المرحلة بالذات، نتيجة القصور الكبير في عديد موظفيها قياساً بعدد وحجم المخالفات الموجودة.

من أين تموّل المصارف التحويلات؟
في كل الحالات، تبقى المسألة الأساسيّة التي لم تتضح هي كيفيّة حصول القطاع المصرفي على السيولة بالعملة الصعبة لتمويل التحويلات الاستثنائيّة التي سمح بها القانون، خصوصاً أن أرقام القطاع المصرفي تظهر أن صافي الموجودات الخارجيّة للمصارف، أي الفارق بين موجوداتها والتزاماتها في الخارج، بلغ مستوى سلبياً يقدّر بـ2.87 مليار دولار. وهو ما يعني أن المصارف غير قادرة في وضعها الراهن على تمويل أي تحويلات إلى الخارج. أما المقترح الذي تسعى المصارف لتسويقه حاليّاً، فليس سوى تحرير جزء من الاحتياطي الإلزامي الموجود لدى مصرف لبنان، لتمكينها من إجراء هذه التحويلات. وهكذا، وبغياب أي ضوابط محكمة لمراقبة هذه التحويلات في مشروع القانون، يمكن القول أن هذا الإجراء سيسمح إذا تم بتطيير جزء إضافي من أموال المودعين الموجودة في المصرف المركزي، بعد أن جرى تبديد الجزء الأكبر من هذه الأموال خلال الأشهر الماضية بغياب قانون الكابيتال كونترول.

من يريد أن يحمي القانون؟
في الخلاصة، تتركز كل التساؤلات حول فكرة واحدة: من يريد أن يحمي هذا القانون؟ فوفق الصيغة الحاليّة، لن ينفع القانون سوى في حماية أموال الداعمين والمقرضين الأجانب حين تأتي في المستقبل. ويبدو أن غاية القانون الوحيدة هي تطمين هؤلاء والامتثال لشرط وضع القانون لمنع إساءة استعمال أموالهم. أما بالنسبة إلى المودعين، وسائر اللبنانيين المتضررين من أزمة القطاع المالي وتعدد أسعار الصرف، فلا يبدو أن حمايتهم موجودة في لائحة أولويات المجلس النيابي، والجهات المؤثرة في قراراته. وعلى ما يبدو، سيصب القانون مجدداً في السياق نفسه الذي تصب فيه جميع الخطوات التي تتخذها الدولة اللبنانيّة: ترك مصرف لبنان ليحدد طبيعة المعالجات المطلوب اعتمادها للتعامل مع الانهيار الحاصل. وهي معالجات لا تصب حكماً في مصلحة عموم اللبنانيين من محدودي الدخل وأصحاب الودائع الصغيرة والمتوسطة.

أما البديل الذي لم تذهب إليه الدولة اللبنانيّة بعد، فهو اللجوء إلى المعالجات المطلوبة كجزء من خطة حكوميّة واحدة وشاملة، تضع حماية الشرائح الأضعف كبوصلة لإجراءاتها. وبغياب الحكومة التي تملك صلاحية وضع خطة كهذه، وبعد إسقاط نواة الخطة الحكوميّة السابقة في المجلس النيابي قبل بلورتها، لا يوجد اليوم ما يمكن الرهان عليه فعلاً.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021