هكذا سيقع لبنان بالعجز المالي

البروفيسور جاسم عجاقة

الثلاثاء 24/01/2017
في الأيام المقبلة، ستبدأ الحكومة اللبنانية دراسة الموازنة العامّة للعام ٢٠١٧، بعدما أرسل المشروع وزير المال علي حسن خليل. ومن المتوقّع أن تكون هذه الموازنة، في حال أُقرّت، موازنة عجز بامتياز مع عجز يفوق السبعة مليارات دولار أميركية.

مشروع موازنة ٢٠١٧ شبيه إلى حد كبير بمشروع موازنة العام ٢٠١٦. هذا الكلام عائد لوزير المال. لذا، يُمكن طرح السؤال الآتي: بما أن القوى السياسية هي نفسها التي كانت في الحكومات السابقة، ما الذي سيجعل هذه الحكومة تُقرّ مشروع الموازنة؟

بغض النظر عن الأبعاد السياسية لهذا السؤال وبفرضية أنه تمّ إقرار مشروع موازنة العام ٢٠١٧، فمن المتوقع أن يبلغ العجز فيها مستوى تاريخي مع أكثر من ٧ مليارات دولار أميركية.

الأسباب تعود ببساطة إلى الإنفاق المُفرط وإلى ضعف الإيرادات. ما يخلق عجز (إيرادات- إنفاق). هذا العجز بلغ ٣.٠٧ مليار دولار أميركي في العام ٢٠١٤، و٣.٩٥ في العام ٢٠١٥، و١.٩٤ مليار دولار في الأشهر السة الأولى من العام ٢٠١٦.

زيادة العجز
من المُتوقع أن يزداد العجز في العام ٢٠١٧ تحت تأثير عوامل عدة:

أولًا، زيادة الإنفاق: قرار مجلس الوزراء المتعلّق بتوسيع ملاك الدفاع المدني من ٦٠٠ إلى ٢٥٠٠ عنصر، وتثبيت متعاقدين في وزارة الإعلام، سيزيدان حكماً الأعباء المالية على الخزينة، وبالتحديد بند الأجور والتعويضات الذي يستهلك نصف دخل الدوّلة البالغ ٩.٥٨ مليار دولار أميركي في العام ٢٠١٥.

أضف إلى ذلك، فإن الانتخابات النيابية (إذا ما حصلت في 2017) ستُشكّل عبئاً إضافياً على خزينة الدوّلة.

لكن هذين الأمرين ليسا وحيدين. فهذا العام يحمل تحدّياً جديداً للحكومة مع استحقاقات مالية بقيمة ٧.٩ مليار دولار أميركي، منها ٣.٩ استحقاقات رأس مال و٤ خدمة دين عام. بالتالي، إذا ما اعتبرنا أن استحقاقات رأس المال يمكن استبدالها بإصدارات جديدة، إلا أن الفائدة على هذه الأموال ستزيد حكماً بسبب حجم المبلغ المطلوب. بالتالي، فإن هذا الأمر سيفرض عبئاً إضافياً على الخزينة.

أضف إلى ذلك إقرار سلسلة الرتب والرواتب، التي ستفرض عبئاً يقارب ١٠٠٠ مليار ليرة سنوياً. ما يجعل منها العبء الأكبر على الخزينة بحكم حجمها والمفعول الرجعي.

ثانيًا، ضعف الإيرادات: يحتوي مشروع موازنة العام ٢٠١٧ على ضرائب لتغطية كلفة سلسلة الرتب والرواتب، كما وردت في الصيغة التي تمّت مناقشتها في الجلسة العامة الأخيرة لمجلس النواب التي ناقشت هذا الموضوع. ومن بين هذه الضرائب، الضريبة على القيمة المضافة التي ستُصبح ١١٪ بدل ١٠٪. هذه الزيادة سترفع بشكل ميكانيكي الأسعار، وستُخفّض القدرة الشرائية للمواطن. بالتالي، تراجع الاستهلاك. ما يعني أن العائدات المنتظرة حسابياً لن يتم تحقيقها.

الأصعب في الأمر هو أنه في حال قبلت الحكومة مطالب حملة "سكّر خطّك"، فإن عائدات الخليوي الواردة في مشروع الموازنة ستقلّ. بالتالي، سيتمّ زيادة الضريبة على القيمة المُضافة إلى ١٢٪ أقله لتغطية الخسارة في عائدات الخليوي.

رئيس الجمهورية ميشال عون، قال في ١٦ كانون الثاني، إن لا زيادة في الضرائب بل تحسين للإرادات عبر الحدّ من التهرّب الضريبي. وهنا، يُطرح السؤال في هذه الحالة عن الاجراءات الضريبية التي تواكب إقرار سلسلة الرتب والرواتب، هل سيتم إدخالها مشروع الموازنة؟ إذا كان الجواب بالنفي، فهذا يعني أن العجز سزيد بقيمة ٧٠٠ مليون دولار سنوياً.

في كل الأحوال، فإن الاجراءات التي ستُتخذ للحد من التهرب الضريبي ستفرض إقرار قوانين تتعلّق بالتبادل المعلوماتي بين الوزارات والمؤسسات العامّة ومكننة العمليات التجارية. وهذا بحدّ ذاته اجراء جيد لكن يفرض استثمارات مالية ستزيد من عجز الموازنة في العام ٢٠١٧.

غياب القيود
هذا الواقع ليس جديداً في تاريخ الدول، فمعاهدة ماستريتش في العام ١٩٩٢ التي أقرّت انشاء الاتحاد الأوروبي، فرضت قيوداً على الدول الاعضاء بهدف تفادي المشكلة التي يقع فيها لبنان حالياً:

١- يُمنع على الدول الاعضاء تسجيل عجز في الموازنة يفوق ٣٪ من الناتج المحلّي الإجمالي؛
٢- يُمنع على الدول الاعضاء تسجيل دين عام يفوق ٦٠٪ من الناتج المحلّي الإجمالي؛
٣- يُمنع على الدول الاعضاء تسجيل تضخمّ يفوق ٢٪ سنوياً.

بلغت نسبة العجز في لبنان في العام ٢٠١٥، ٨٪ من الناتج المحلّي الإجمالي ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلّي الإجمالي ١٤٢٪. بالتالي، لبنان بعيد جداً عن أفضل الممارسات المُتبعة في الدول المتطوّرة التي تحفظ المالية العامّة من الدخول في المجهول.

لتصحيح الوضع المالي وإعادته إلى المعايير الدولية، يتوجب على مجلس النواب إقرار قانون يفرض فيه قيود على الحكومات بهدف المحافظة على المالية العامّة من الإنزلاق في نفق فقدان السيطرة المالية. وللذين يُشككون في استحالة فرض مثل هذه القيود نظراً للوضع المالي الحالي، القيود يُمكن فرضها تدريجاً بحسب خريطة طريق واضحة للحكومة من خلال خطة اقتصادية بعنوانين أساسيين: الأول هو الاستثمار في الماكينة الإقتصادية، مما يعني خلق فرص عمل وزيادة الاستهلاك ومن خلالها زيادة مداخيل الدوّلة؛ والثاني هو لجم الإنفاق الجاري مثل التوظيف العشوائي والهدر في مؤسسة كهرباء لبنان والإنفاق في وزارات ومؤسسات الدوّلة، إذ يكفي النظر إلى الإنفاق في مشروع الموازنة لمعرفة أن هناك أكثر من ٩٦٪ من الإنفاق هو إنفاق جارٍ.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021