استرداد إدارة الخليوي: حزب الله يخوض معركة باسيل؟

خضر حسان

الأربعاء 22/01/2020
جميلٌ إصرار بعض أهل السلطة على إعادة الحقوق للدولة عن طريق التقيّد بالقوانين ورفض ابتداع طرق ملتوية، من خلال اجتهادات قانونية تُفضي الى إضاعة الفرصة على الدولة. ويندرج سعي رئيس لجنة الاتصالات النيابية النائب حسين الحاج حسن، ضمن إطار الدفاع عن حقوق الدولة في ما يخص استعادتها إدارة قطاع الخليوي، بعد انتهاء العقد مع شركتي ألفا وتاتش، مع نهاية العام 2019.
لكن لهذا السعي تشعّبات تأخذه إلى أماكن بعيدةٍ عن قصدِ حماية حقوق الدولة، وإن كان الظاهر يشي بذلك. فالسجالات السياسية بين مكوّنات أهل السلطة تبقى حاضرة دائماً في أي موضوع، وتتستّر كلها بغطاء الحقوق والاحتكام للقانون.

حق الدولة
ملف استرداد الدولة حقّها في إدارة القطاع، ليس منّة من أحد ولا يمكن إنكاره أو محاولة تجاهله عبر اختلاق عراقيل قانونية. فلا يُجادل اثنان في أحقيّة ما يطرحه الحاج حسن حول حتمية انتقال الإدارة للدولة بعد انتهاء العقد، من دون المرور بمجلس الوزراء. وهو رأي مخالف لما يطرحه وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال، محمد شقير، الذي يسعى لكسب الوقت وإدخال مجلس الوزراء على خط المماطلة في تسليم الدولة إدارة القطاع. إذ يعتبر شقير أن فسخ العقد مع الشركتين يحتاج إلى قرار من الحكومة. وهو يعلم أن لا حكومة فعلية في الوقت الراهن.


وبعيداً عن وضع الحكومة حالياً، فإن المادة 25 من القانون رقم 431 الصادر في 22/7/2002، والمتعلق بتنظيم قطاع خدمات الاتصالات، تنص حرفياً على أن مجلس الوزراء يبت بطلب التجديد "بمهلة ستة أشهر من تاريخ إيداعه الأمانة العامة لمجلس الوزراء"، وذلك في حال أراد المشغّل تجديد عقده مع الدولة، ويُعتَبَر "عدم صدور مرسوم بتجديد الترخيص ضمن مهلة الستة أشهر المذكورة آنفاً رفضاً ضمنياً لتجديد الترخيص".
وفي حضور النص القانوني الحرفي، تسقط مزاعم شقير بوجوب اتخاذ الحكومة قراراً بشأن فسخ العقد الذي فُسِخَ تلقائياً بعد انتهاء مدّته، وبعد عدم اتخاذ الحكومة قراراً بتجديده. أي أن أمام شقير صورتان قانونيتان تتضمّنهما المادة المذكورة. فعن أي فسخ يتحدّث في ظل عدم وجود عقد؟.

سجال سياسي
في حضرة النص، تسقط الاجتهادات. وفي حال استمرارها، يُحال السجال إلى السياسة لا إلى القانون.. وإلى المصالح الشخصية الضيّقة لا إلى المصلحة العامة التي يكفلها تطبيق القانون. ومع تشابك العقد، يبقى على هيئة التشريع والاستشارات حسم الجدل، وهي الجهة التي التجأ الحاج حسن إليها.

موقف الحاج حسن قوي قانوناً وضعيف سياسياً. ولا يمكن فصل الملف عن السياسة. فالحاج حسن لا يُقارب الملف من زاوية قانونية بحتة. ولو كان كذلك، لما انتظر أكثر من ثلاث سنوات ليسلّط الضوء على حقوق الدولة في قطاع الاتصالات. ولو أنه ومَن يُمثِّل سياسياً، دعموا المناقصة التي كان يعدّها وزير الاتصالات الأسبق بطرس حرب، لكانت المنافسة التلقائية بين الشركات الأجنبية التي أبدت رغبتها الاستثمار في قطاع الخليوي، أعطت الدولة والمواطن حقوقهما، وجنّبتهما الخسائر والهدر المستفحل الذي تشهده حقبة احتكار الشركتين تشغيل القطاع.

فحزب الله لم يدعم دخول شركات جديدة إلى القطاع، ولم يقف على الحياد حين عارَضَ وزير الخارجية جبران باسيل مناقصة حرب، بل سانده في إسقاط المناقصة داخل مجلس الوزراء. وهو ما قاله حرب في حديث لـ"المدن". فقد لفت النظر إلى أن "باسيل كان سبباً رئيسياً في تعقيد الوضع، إذ عرقل عملية دخول شركات أجنبية ذات كفاءة، لإدارة القطاع، وناصره بذلك حزب الله. ولو أن المناقصة أجريَت حينها، لما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه".

وللتذكير، فإن دفتر شروط المناقصة التي رفضها باسيل، كان يشترط "تشغيل الشركة المتقدمة للمناقصة، لـ10 ملايين مشترك في آخر 10 سنوات"، وذلك لضمان كفاءة وخبرة الشركات المُشغّلة. لكن باسيل رفض المناقصة لأن الشرط المطروح لا يضمن فوز شركته التي كان يزعم تأسيسها، والدخول بواسطتها إلى قطاع الاتصالات. علماً أنه شريك بشكل غير مباشر في القطاع، عبر شركة ألفا.

وبعد اتهامه بالعرقلة والتعجيز، وافق حرب على عدم التمسك بشرط 10 مليون مشترك، على أن تثبت الشركة المتقدمة للمناقصة أهليتها لتشغيل القطاع، أو تفسخ الدولة عقدها في حال ثبت العكس. لكن الملف أقفِل ولم يبحثه مجلس الوزراء، بضغط من باسيل وحزب الله. فبقي الوضع على حاله حتى انفجاره حالياً، في ظروف طاردة لأي استثمارات أجنبية.

شقير في ورطة
تمسّك شقير برأيه يضعه في ورطة مُخالَفة القانون. ولا يمكنه التغاضي عن حقيقة أن "العقد شريعة المتعاقدين، وعند انتهائه تسقط مفاعيله حكماً". وفق ما يؤكده حرب، وهو محامٍ يعرف القانون عن ظهر قلب. وبحسب القانون "لا يوجد مسوّغ لاتخاذ الحكومة قراراً بفسخ العقد، لأن العقد انتهى، أي فُسِخَ حُكماً. وعلى الدولة تسلُّم الإدارة خلال شهرين، وتقرر ما ستفعله في هذا السياق". وعليه، ليس أمام وزير الاتصالات سوى "تحمّل المسؤولية وإيجاد وسيلة لإدارة القطاع"، علماً أن الوزير "لا يمكنه ترتيب أي التزام جديد خلال فترة تصريف الأعمال". وهذا ما يُعقّد الملف أمام شقير، ويدفعه لرمي الكرة في ملعب الحكومة، أي في ملعب كل القوى السياسية.

ورطة شقير جاءت لمصلحة حزب الله الذي أخذ على عاتقه خوض معركة باسيل في القطاع، أولاً، وإظهار نفسه في صورة المكافح للفساد، ثانياً. لكن الحزب تناسى أن مكافحة الفساد ليست شعاراً بل ممارسة، ولا يمكن خوض غمارها "بالمفرَّق"، أي بفتح ملفات فريق سياسي والتغاضي عن ملفات فريق آخر، وتحديداً التيار الوطني الحر، سواء في قطاع الاتصالات (الخليوي وأوجيرو) أو الكهرباء.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020