"المدن" تنشر تقرير البنك الدولي: سيناريوهات اتساع الكارثة

علي نور الدين

الأربعاء 13/10/2021

في كانون الأوّل من العام الماضي، أصدر البنك الدولي تقريره الشهير حول لبنان بعنوان "الكساد المتعمّد"، حين حذّر التقرير يومها من "السياسات غير الملائمة" التي تتخدها النخبة الحاكمة، والتي تؤدّي إلى مفاقمة الوضع المالي والمعيشي. اليوم، يصدر البنك الدولي تقريراً مقتضباً جديداً من صفحتين، بهدف تحديث توقّعاته للوضعين المالي والنقدي، وتقييم استجابة الدولة اللبنانيّة للأزمة القائمة. أمّا أهم ما في التقرير، فكان رسمه سيناريوهات مختلفة لمسار رفع الدعم عن المواد الأساسيّة، وأثر كل سيناريو محتمل على سعر صرف الليرة أو احتياطات المصرف المركزي.

وفي النتيجة، كان التقرير أكثر صراحة ودقّة في توصيف الوضع من المعنيين في الحكومة ومصرف لبنان، وخصوصاً من جهة شرح الاحتمالات والخيارات المتاحة خلال المرحلة المقبلة، وتداعيات كل احتمال على معيشة المقيمين في لبنان. فالإشكاليّة الأساسيّة تكمن اليوم في غموض السلطة من ناحية المعالجات التي تحضّرها، وابتعاد مصرف لبنان عن شرح تفاصيل خططه وتصوراته.

سعر الصرف ورفع الدعم
يخصص التقرير جزءاً كاملاً لوضع سيناريوهات تقيّم أثر رفع الدعم عن المواد الأساسيّة، وتحديداً من ناحية إمكانيّة أن يؤدّي إلى ضرب سعر صرف الليرة اللبنانيّة خلال الفترة المقبلة. فأثر رفع الدعم، سيعتمد بالدرجة الأولى على مسألتين: سعر الصرف الذي سيتم اعتماده لشراء الدولارات المطلوبة لمستوردي السلع الأساسيّة، ومصدر الدولارات التي سيتم بيعها لهم.

وفقاً للتقرير، يدّعي مصرف لبنان أن فتح الاعتمادات لمستوردي المحروقات سيتم "وفقاً لسعر صرف السوق"، من دون أن يعلن المصرف عن طريقة واضحة لتحديد هذا السعر. أحد الخيارات المتاحة أمام المصرف المركزي سيكون الاستمرار باعتماد سعر الصرف المعتمد في منصّة صيرفة، والذي يقل عن سعر الصرف الفعلي في السوق الموازية بنحو 2000 ليرة للدولار الواحد. في هذه الحالة، سيضطر مصرف لبنان للاستمرار بتمويل عمليات استيراد المحروقات من دولاراته التي يضخّها في المنصّة نفسها، كون سعر صرف المنصّة المنخفض قياساً بسعر الصرف الفعلي غير كافٍ لاستقطاب عمليات البيع في السوق الموازية.

في هذا السيناريو، ستكون النتيجة -حسب البنك الدولي- استمرار الاستنزاف من احتياطات مصرف لبنان، ولو بمعدلات أبطأ بسبب ارتفاع أسعار المحروقات. كما يعتبر البنك أن هذا السيناريو لا يمثّل رفعاً كاملاً للدعم، بل تقليص للدعم ليقتصر على الفارق بين سعر صرف السوق الفعلي وسعر الصرف الذي تعتمده المنصّة.

السيناريو الثاني بالنسبة لرفع الدعم عن المواد الأساسيّة، وخصوصاً المحروقات، يتمثّل في انسحاب مصرف لبنان كليّاً من عمليّة توفير الدولارات لاستيراد هذه المواد، وإحالة الطلب على الدولار لهذه الغاية إلى السوق الموازية، ووفقاً لسعر الصرف الفعلي في السوق. في هذه الحالة، سيكون مصرف لبنان قد تمكّن فعلاً من التخلّص من الآلية  التي تستنزف احتياطاته، وسيمثّل هذا المسار وقفاً فعلياً ونهائياً للدعم، بخلاف السيناريو الأوّل. مع الإشارة إلى أن مصرف لبنان ووزارة الطاقة طبّقا هذا النموذج بالفعل بالنسبة لعمليات استيراد المازوت غير المدعوم، والذي بات يتم سداد ثمنه بالدولار الطازج بعد شرائه من السوق الموازية، كما أصبحت الوزارة تسعّر هذه المادّة بالدولار النقدي. لكن هذا النموذج لم يتم تعميمه على باقي أصناف المحروقات كالبنزين والغاز.

تداعيات السيناريو الثاني، وحسب تقرير البنك الدولي، ستكون أولاً ارتفاعاً أقسى وأسرع في أسعار المحروقات، مقارنةً بالسيناريو الأوّل، كون سعر صرف الدولار في السوق الموازية هو أعلى اليوم بنحو ألفي ليرة من سعر المنصّة (بتوقيت صدور التقرير، وتجاوز هذا الفارق اليوم). لكنّ النتيجة الأهم ستكون المزيد من التراجع في سعر صرف الليرة اللبنانيّة مقارنة بالدولار، وتحديداً بسبب ارتفاع الطلب على الدولار في السوق الموازية، لتأمين العملة الصعبة المطلوبة لاستيراد المحروقات. ومع كل تراجع إضافي في سعر صرف الليرة مقابل الدولار، سترتفع مجدداً أسعار المحروقات وسائر السلع المستوردة.

ما طرحه البنك الدولي من سيناريوهات بخصوص آثار رفع الدعم، والنتائج المتوقعة على سعر الصرف، ستعتمد على ما سيقرره المصرف المركزي خلال الأشهر المقبلة، بالتنسيق مع الحكومة ووزارتي الاقتصاد والطاقة. لكن الإشكاليّة الأهم تكمن اليوم في غياب أي شكل من أشكال المصارحة اتجاه اللبنانيين، لتوضيح توجهات حاكم مصرف لبنان بخصوص هذا الملف. وهو ما كان يمكن أن يسهّل مهمّة توقّع السيناريو الذي سيدخل حيّز التنفيذ من الناحية العمليّة. مع الإشارة إلى أن مصرف لبنان يمكن أن يعمل على خطّة متدرّجة تدمج ما بين السيناريوهين، بمعنى أن يعتمد على منصّته وسعر الصرف الخاص بها بشكل مؤقّت، مقابل أن ينتقل تدريجيّاً إلى اعتماد سعر السوق الموازية من خلال المنصّة نفسها، مراهناً على إمكانية توحيد السعرين وجذب دولارات السوق الموازية إلى المنصّة.

الاقتصاد المتآكل
وفقاً لتوقعات البنك الدولي المحدّثة في التقرير، من المفترض أن يبلغ حجم الناتج المحلّي اللبناني سنة 2021 نحو 20.5 مليار دولار، علماً أن هذا المؤشّر يعكس قيمة جميع السلع والخدمات التي تم إنتاجها خلال السنة في البلاد. وهذا الرقم بالتحديد، يدل على حجم التآكل الذي ضرب الاقتصاد اللبناني، وخصوصاً إذا ما أخذنا بالاعتبار أن حجم الناتج المحلّي بلغ حدود 55 مليار دولار سنة 2018، قبل حصول الانهيار المالي الكبير. بمعنى آخر، فقدت البلاد خلال الأزمة نحو 63% من حجم الاقتصاد الكلّي، وهو ما يؤشّر على نوعية الكارثة الماليّة التي ضربت لبنان.

في كل الحالات، كان من الواضح أن تآكل الاقتصاد الكلّي ترك أثره أيضاً على الدخل الفردي للمقيمين، إذ يشير التقرير إلى أن حصّة الفرد من الناتج المحلّي، التي يفترض أن تعكس تحولاتها التغيّر في قيمة الدخل الفردي، انخفضت بنحو 37% خلال سنة 2021، قياساً بحصّة الفرد من الناتج المحلّي قبل الأزمة. مع أهميّة الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من هذا التدهور في دخل الأفراد يعود إلى انخفاض سعر صرف العملة المحليّة نفسه، وبالتالي انخفاض القيمة الشرائيّة للرواتب والأجور المقوّمة بالليرة اللبنانيّة.

ومن هذه الناحية بالتحديد، انخفض سعر صرف الليرة بنحو 68% بين شهري آذار وآب من العام 2021، أي خلال فترة لا تتجاوز الستة أشهر. في المقابل، تشير أرقام التقرير بأن هذا الانخفاض لم يتجاوز حدود 18% خلال الستّة الأشهر التي سبقت هذه الفترة، ما يعني أن وتيرة تدهور سعر الصرف تسارعت خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت إصدار التقرير. أما نتيجة هذه التدهور، فكان ارتفاع معدلات التضخّم حسب معايير البنك الدولي إلى 213% خلال شهر آب 2021، مقارنة بـ131.9% فقط قبل ستة أشهر من هذا التاريخ. وفي ما يخص هذا المؤشّر بالتحديد، كان من الواضح أن عمليّة رفع الدعم التدريجي عن المحروقات والأدوية التي جرت خلال هذه الأشهر بالتحديد لعبت دوراً أساسياً في رفع معدلات التضخّم، بالنظر إلى حجم عمليات الاستهلاك الكبير المرتبط بها.

تفاقم المؤشّرات المعيشيّة
نتيجة هذا الانخفاض في سعر صرف الليرة، والارتفاع القياسي في معدلات التضخّم، بالإضافة إلى تراجع القدرة الشرائيّة لرواتب وأجور المقيمين، يتوقّع التقرير المزيد من التدهور في المؤشّرات الاقتصاديّة المرتبطة بالواقع المعيشي المباشر. على سبيل المثال، وبعد أن ارتفعت نسبة القابعين تحت معدلات الفقر بنحو 13% بحلول نهاية العام 2020، يتوقّع التقرير أن ترتفع هذه النسبة بما يقارب 28% سنة 2021، ما يشير إلى تسارع وتيرة ارتفاع نسبة الفئات التي تعاني من الفقر بجميع أبعاده. وفي هذا الإطار، يشير التقرير أيضاً إلى أن نسبة العائلات التي لا تملك القدرة على الحصول على الخدمات الطبيّة ارتفعت لتبلغ 48% خلال الصيف الماضي، مقارنة بنحو 25% فقط قبل سنة فقط.

في الخلاصة، قدّم هذا التقرير نظرة شاملة للأوضاع النقديّة والماليّة من مختلف جوانبها، بما فيها التطورات المتعلّقة بالشأن المعيشي ومستقبل سعر الصرف، وما يمكن أن يتخذه مصرف لبنان من قرارات بخصوص آلية رفع الدعم. لكن الأهم اليوم، هو محاولة تلمّس توجهات المصرف المركزي خلال المرحلة المقبلة، لحسم النقاش حول السيناريوهات التي تحدّث عنها التقرير، وتوقّع السيناريو الذي سيحصل فعلاً.

نص التقرير


©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021