فضيحة تحويلات عالمية بـ2 تريليون دولار: هل لبنان متورّط؟

خضر حسان

الإثنين 21/09/2020
جملة متغيّرات اقتصادية وسياسية يشهدها العالم، تتزاحم خلالها الدول لتعزيز مكانتها ولتفادي الانعكاسات السلبية لأي متغيّرات. وخلال التزاحم الذي يأخذ شكل صراع دولي بارد تنحصر أشرس معاركه في البُعد الاقتصادي، يجري تسريب وثائق وملفّات تؤذي الخصوم وتزيد من فرص نجاح طرف على حساب طرف آخر، أو تحسين شروط التفاوض في أسوأ الأحوال.

تحويل 2 تريليون دولار
وعلى غرار وثائق بنما التي سلّطت الضوء في العام 2016 على عمليات إخفاء حركة الأموال حول العالم، في ظل ارتفاع معدلات التهرب الضريبي وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، كشف الموقع الأميركي Buzzfeed News، عن ملفّات مسرّبة من شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية (FinCEN)، تؤكّد سماح بعض أكبر البنوك في العالم، للمجرمين، بنقل أموال قذرة (Dirty Money) حول العالم، بقيمة 2 تريليون دولار. وهذه الملفّات جرى تسريبها إلى الموقع، وتمّت مشاركتها مع مجموعة من الصحافيين الاستقصائيين من جميع أنحاء العالم. وقام الصحافيون بغربلة الملفّات وكشفوا عن بعض الأنشطة التي تفضل البنوك ألا يعرفها الجمهور. وبعدها، وزّعوا تلك الملفّات على 108 مؤسسة إخبارية في 88 دولة، بما في ذلك برنامج بانوراما على بي بي سي BBC.

وقال فيرغوس شيل من الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أن الملفّات المسربة كانت "نظرة ثاقبة لما تعرفه البنوك عن التدفقات الهائلة للأموال القذرة في جميع أنحاء العالم".

وحسب ما نشره موقع BBC، فإن شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية (FinCEN)، هي عبارة عن أشخاص في وزارة الخزانة الأميركية، يعملون على مكافحة الجريمة المالية. وهؤلاء يتلقّون الملفّات والتقارير التي تحتوي على شكوك ومخاوف بشأن معاملات تتم بالدولار، حتى لو حدثت خارج الولايات المتحدة الأميركية. مع الإشارة إلى أن الشكوك الواردة في الملفّات، هي تعبير عن سلوك مشبوه، ولكنها ليست دليلاً على ارتكاب مخالفة أو جريمة.

وتحتوي الملفّات المسرّبة، والتي يجب على البنوك ملؤها إذا كانت تشعر بالقلق، على أكثر من 2500 وثيقة، معظمها كانت قد أرسلتها البنوك إلى السلطات الأميركية بين عامي 2000 و2017، وتتضمّن مخاوف البنوك بشأن ما قد يفعله عملاؤها بالأموال المحوَّلة. وتُعتَبَر الملفّات من أكثر أسرار النظام المصرفي الدولي خضوعاً للحراسة المشددة.

ما الذي تم الكشف عنه؟
سلّطت الملفّات الضوء على سماح مصرف HSBC بنقل ملايين الدولارات من الأموال المسروقة في جميع أنحاء العالم، حتى بعد عِلمه من المحققين الأميركيين بوجود احتيال خلف عملية النقل.

كذلك، سمح بنك جي. بي. مورغان JP Morgan، لاحدى الشركات بنقل أكثر من مليار دولار عبر حساب لندن، من دون معرفة من يملكه. واكتشف البنك لاحقاً أن الشركة قد تكون مملوكة لعصابة مدرجة في قائمة العشر شركات الأكثر طلباً من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي.

أيضاً، أظهرت الملفّات دليلاً على استخدام أحد أقرب المقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لبنك باركليز في لندن، لتجنب العقوبات التي كانت تهدف إلى منعه من استخدام الخدمات المالية في الغرب.

وفي السياق، بيَّنَت الملفّات أن زوج المرأة التي تبرّعت بمبلغ 1.7 مليون جنيه إسترليني لحزب المحافظين الحاكم في المملكة المتحدة، قد جرى تمويله سرّاً بواسطة الأوليغارشية الروسية ذات العلاقات الوثيقة مع الرئيس بوتين.

وأوضحت الملفّات بأن المملكة المتحدة يُطلَق عليها صفة "ولاية قضائية عالية المخاطر"، وجرى مقارنتها بقبرص من قِبَل قسم الاستخبارات في FinCEN، وذلك بسبب عدد الشركات المسجلة في المملكة المتحدة، والتي تظهر في تقارير الأنشطة المشبوهة Suspicious activity reports. وقد بلغ عدد الشركات الواردة في الملفّات، أكثر من 3000 شركة بريطانية، وهو أعلى رقم مقارنة مع أي دولة أخرى.

وكان للدول العربية حصة من الملفّات. فقد فشل البنك المركزي الإماراتي في التصرف بناءً على تحذيرات بشأن شركة محلية كانت تساعد إيران في التهرب من العقوبات.

أمّا دويتشه بنك، فقد قام بنقل الأموال القذرة لغاسلي الأموال التابعين للجريمة المنظمة والإرهابيين وتجار المخدرات.
وفي ما يخص بنك ستاندرد تشارترد، فقد قام بنقل الأموال النقدية للبنك العربي لأكثر من عقد من الزمن، بعد أن تم استخدام حسابات العملاء في البنك الأردني، لتمويل الإرهاب.

علاقة المصارف اللبنانية
تقع المصارف اللبنانية في دائرة الاتهام لجهة تحويلها أموالاً من لبنان إلى الخارج، تعود لسياسيين ورجال اعمال ومصرفيين تدور حولهم علامات استفهام، تتعلّق بطريقة جمعهم لكل تلك الأموال المحوّلة، خاصة وأن ملف هدر المال العام مفتوح على مصراعيه، والقوى السياسية تتّهم بعضها البعض بالفساد والهدر. وعليه، ومع نشر تقرير الـBBC حول الملفّات المسرّبة، جرى الحديث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عن علاقة بعض المصارف اللبنانية بتلك الملفّات، وأنها أرسلت إلى الشبكة، تقارير حول عمليات تحويل أموال قذرة. ومنها بنك بيبلوس وبنك عودة، وغيرهما. إلاّ أن رئيس وحدة الدراسات في بنك بيبلوس نسيب غبريل، نفى في حديث لـ"المدن"، أن تكون المصارف اللبنانية قد أرسلت مثل هذه التقارير.

وبدوره، أكّد أحد النواب السابقين لحاكم مصرف لبنان غسان العيّاش، أن المصارف اللبنانية لا ترسل تقارير مباشرة إلى وزارة الخزانة الأميركية أو إلى أي شبكة أميركية أو أجنبية. أمّا التواصل مع الجهات الأجنبية عموماً، فيتم عبر مصرف لبنان الذي يتواصل هو مع أي جهة خارجية، وتلتزم المصارف اللبنانية بما يتم التوصّل إليه من اتفاقات بين مصرف لبنان وتلك الجهات.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020