إمتيازات العصابة لا الإصلاحات

عصام الجردي

الجمعة 26/06/2020

ردّ رئيس الحكومة حسّان دياب على المستشار الرئاسي سليم جريصاتي قبل أن يتلو الأخير "بيان الحواريين" في قصر بعبدا. "لبنان ليس في خير. اللبنانيون لا يهمهم ما نقول  دعوني أتحدّث بصراحة. إن اللبنانيين لا يتوقعون من هذا اللقاء نتائج مثمرة. بنظر اللبنانيين، هذا اللقاء سيكون كما قبله وربما أسوأ. لا يهتم اللبنانيون اليوم سوى بأمر واحد. كم بلغ سعر صرف الدولار الأميركي؟ لن يدقّق اللبنانيون في العبارات التي أدرجناها في خطاباتنا. لم يعد يهمهم ما نقول. يهمهم فقط ماذا سنفعل". البيان اختصر التوجّه. "دولار أبو كلبشة". "حرية أبو كلبشة". "معارضة أبو كلبشة". الفقرات الثلاث الأولى من البيان أكدّت ذلك. الرابعة استلحقت الاقتصاد والجوع والانهيار بعد أن كادا يسقطان سهوًا، وعلى طريقة "يمر لبنان بأزمة معقّدة ومتفاقمة".. الفقرة الخامسة والأخيرة مع "اعتماد برنامج صندوق النقد الدولي في حال وافقنا على شروطه الإصلاحيّة لعدم تعارضها مع مصلحتنا وسيادتنا".

الأمن اقتصادي واجتماعي
كرنفال الجنون لن يتوقف قبل الآتي المهول. من قال للحواريين أن ينصحوننا بأن "الاستقرار الأمني هو أساس لا بل شرط للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمالي والنقدي". لكن قبل أن ننشد الاستقرار يجب أن يكون هناك اقتصاد ومال ونقد واجتماع. وحالة سياسية سليمة وحكم وحكومة راشدان ليتوفر مناخ من الأمن والاستقرار. الأمن لا يخلق نموًا. وسعر الصرف لا يقيّد بالكلبشة. والأمن لا يكفل فرص العمل وليس طاردًا للعجوز المالية والنقدية. من غرائب "الحواريين"، والحكم والحكومة أن يغفلوا عمدًا حقيقة أن الأمن الركين هو الأمن الاقتصادي والاجتماعي. وقد بدأ بالانهيار تمامًا. ولا يمكن لكل جيوش العالم وأجهزتها الأمنية أن تفرض استقرارًا في نظام فاسد وسارق ومنحطّ أخلاقيًا وسياسيًا. الانهيار ليس من طبيعة أمنية. فليستخدم الأمن في مكانه ليكون عاملًا مساندًا بالفعل للخروج من الانهيار. كم قرار صدر عن مجلس الدفاع الأعلى لقفل معابر التهريب؟ ولضبط الكثير من الأنشطة المخالفة للقوانين التي عمّقت أزمة العجز المالي وصولًا إلى الانهيار. وليس غير القوى العسكرية والأمنية مولجة بتطبيق القوانين والقرارات الرسمية والحكومية، مستندة إلى سلطة قضائية نزيهة وشجاعة.

لن نتجاهل "الفتنة" التي عقد حوار بعبدا لدرئها على ما قالت مصادرها. أي فتنة "بالعافية" على الطريقة المصرية. المجموعة أو المجموعات التي أطلقت شعارات طائفية ودينية وأكملت باستفزاز أهالي عين الرمانة على الدراجات النارية المتنقلة، صورهم وأسماؤهم وحمضهم النووي لدى القوى الأمنية. ليفعّل القانون ويحالوا إلى القضاء. الأمر نفسه للمعتدين على الأملاك الخاصة والعامة. وتعرفونهم منذ تظاهرة 19 آب 2015. أمّا أن يقبض على التشكيلات القضائية. ولا يصدر قانون استقلال القضاء. وتهدّد السلطة السياسية باستخدام القوى العسكرية والأمنية لترهيب الناس ومصادرة الصوت والرغيف في وقت واحد، فلعبة خطرة جدًا على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي عنه تحدّث بيان بعبدا. القضية في مكان آخر تمامًا. البلد ينهار والقرارات الإصلاحية المطلوبة معروفة. فعلام التغطية والمواربة؟ ولماذا القنابل الدخانية لإخفاء لبّ الحقيقة والشغب عليها في مكان آخر بدعوى الفتنة والسلم الأهلي؟

سيهزأ بنا صندوق النقد الدولي مرةً ثانية كما لم يفعل مع دولة من قبل. الأولى كانت على خسائر بين 204 تريليونات ليرة لبنانية وبين نحو 80 تريليونًا. الثانية بعد "بيان الحواريين" لـ"اعتماد برنامج صندوق النقد الدولي في حال وافقنا على شروطه الاصلاحية وعدم تعارضها مع مصلحتنا وسيادتنا" على ما جاء في المانيفستو الثوري!

كل ما حدث ويحدث الآن، ومنذ 7 آذار 2020 يوم أعلنت الحكومة التوقف عن سداد اليوروبوندز، والخلاف المفتعل على أرقام الخسائر والكابيتال كونترول وسواها، يتلطى وراء نقيصتين بحجم العار التاريخي غير المسبوق في بلد ينهار وشعب يُهان. الأولى، كيف نجهز على ودائع الناس في المصارف وتحويل حقوقهم من الدولار الأميركي إلى الليرة اللبنانية ووضع قيود على السحوبات بالليرة أيضًا. الثانية هي الوجه الآخر للأولى، رفض عصبة الأشرار الأوليغارشية أي إصلاح يطال امتيازاتها في القطاعين والخاص. لأن الخطاب الطاغي اليوم هو الدولة والدولة التي نهبت المال. ولا يقال أن المنظومة السياسية هي التي فعلت وما انفكّت تفعل فعلها. كل كلام غير ذلك بهتان وتزوير.

الامتيازات لا الإصلاح
هنا نستدعي الموقف والقرار. أن تعلن الحكومة ورئاسة الجمهورية أولًا، أن قررنا الطلب إلى كل زعماء الطوائف السياسيين أن يكفّوا أيديهم عن مرافق الدولة العامة التي استقطعوها لزبائنهم في الوظيفة والمال. ثانيًا، أن يبادر رئيس الجمهورية ميشال عون إلى إصدار مرسوم التشكيلات القضائية ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إلى الدفع بمشروع قانون استقلال القضاء. ثالثًا، إعداد ملف قضائي – حكومي رصين لا بدّ منه لاستعادة المال المنهوب وتحويله إلى المراجع الدولية والأمم المتحدة تنفيذًا للاتفاقات الصادرة عنها في ما يتعلق بتبييض الأموال والأموال المنهوبة، تكليف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي يرأس كل الهيئات المعنية بهذا الملفّ. لاسيما الهيئة الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وأموال الارهاب، وتزويد القضاء المستقلّ، والحكومة بالتنسيق مع لجنة الرقابة على المصارف لائحة التحويلات المالية إلى الخارج وأسماء أصحابها. من سياسيين درجة أولى وعاشرة، ورؤساء تنفيذيين ومديرين في المصارف وخلافهم. وآخرين من دوائر المال والأعمال وفي مواقع أخرى. القضاء هو الذي يحدد التحويلات المسموح بها بموجب القوانين. ويفعّل القوانين وأهمها القانون 2/67. وفترة الريبة فيه من ثمانية عشر شهرًا إلى الوراء، كفيلة باقتفاء أثر التحويلات. والأهم حركة الحسابات منذ 2018. التحويلات بدأت في وقت مبكر وقبل 17 تشرين الأول 2019. يحق لأكثر من مليون لبناني وأُسرهم أن يجدوا مرجعًا قضائيًا يحتكمون إليه.

"نبيهًا فطينًا" كان "بيان الحواريين". لحظ أن "المعارضة العنفيّة التي تقطع أوصال الوطن وتواصل أبنائه وتلحق الضرر بالممتلكات العامة والخاصة لا تندرج في خانة المعارضة الديموقراطيّة والسلميّة". أيها القوم، أليست ودائع الناس أموالًا خاصة لتحموها؟ أليست الكيانات الحكومية التي تستقطعونها إدارة ووظيفة ومالًا ممتلكات عامة؟ عصبة الأشرار لم تترك شيئًا من العام والخاص. سألنا مرة هل يبدأ الصندوق بالفساد؟ يبدو إنه سيفعل لمجرّد اهتمامه بمجلس الخدمة المدنية في مفاوضاته مع الحكومة. لهذه الأسباب يعارضون الصندوق. الامتيازات أقوى وبحجم النظام والمنظومة.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020