إضرابات المصالح المستقلة: هل تصدق السلطة ويكذب الموظفون؟

خضر حسان

الجمعة 03/05/2019
يوم أعلن وزير الخارجية جبران باسيل نية الدولة مد اليد إلى جيوب الموظفين في القطاع العام، كخطوة لخفض الإنفاق وخفض عجز الموازنة، تعالت الأصوات الرافضة لهذا الإجراء، لتستنفر باقي القوى السياسية وتؤكد عدم السير بهذا الرأي، وليظهر باسيل وكأنه يتكلّم وحده في البريّة، ولا يؤيّده غير صدى صوته. ليتّضح مع الوقت، أن القوى السياسية متفقة على تمرير هذا الموضوع بمختلف الوسائل، لكنها لم تكن لتعلن ذلك بالصراحة التي سبق إليها باسيل. وهذا يعيد إلى الأذهان رفع الحكومة شعار "الإجراءات الموجعة وغير الشعبية" التي ستتضمّنها موازنة العام 2019.

الرفض مستمر
بعد رفض العسكريين المتقاعدين أي إجراء تقشفي يمر عبر رواتبهم، وإعلان النائب شامل روكز، بوصفه عسكرياً متقاعداً وليس نائباً فقط، رفضه سد عجز الموازنة عن طريق إقتطاع رواتب العسكريين المتقاعدين، وإشارته إلى أن الموازنة المطروحة للعام 2019 هي موازنة "مرفوضة، لأن فلسفة الموازنة قائمة على القطاع العام وعلى العسكريين"، حذّر رئيس رابطة أساتذة التعليم الثانوي الرسمي نزيه جباوي، من "التعرض لحقوقنا"، محملاً السلطة السياسية مسؤولية "عما سيحصل في الشارع".

الرفض استمر بعد استراحة موظفي الدولة من الدوام الرسمي، بقرار من عيد العمّال. إذ نفّذ اتحاد النقابات العمالية في المؤسسات العامة والمصالح المستقلة، يوم الخميس 2 أيار، إضرابه الذي سبقه بدعوة الحكومة إلى "مباشرة سياسة الإصلاح ووقف الهدر والصفقات والهندسات بدلاً من هضم الحقوق ومد اليد على رواتب العاملين".
والإضراب الذي سيمتد إلى يوم السبت 4 أيار، سيعني توقف العمال في المؤسسات العامة المنضوية تحت لواء اتحاد النقابات، عن العمل، أي في كهرباء لبنان، الضمان الاجتماعي، أوجيرو، مؤسسات المياه في بيروت وجبل لبنان والبقاع والشمال والجنوب، كهرباء قاديشا، النقل المشترك، الريجي، مرفأ بيروت، إهراءات الحبوب، البلديات، المستشفيات الحكومية، بالإضافة إلى مصرف لبنان.

من يسبق الآخر؟
يهدد العسكريون المتقاعدون، ومعهم أساتذة التعليم الثانوي، ومن خلفهم موظفو المصالح المستقلة، وإلى جانبهم موظفو الإدارات العامة. وهذا كفيل بشلّ البلاد وتنفيذ "بروفا" للعصيان المدني، في حال أصرّت القوى السياسية على مرادها.

لكن التجربة تدل على أن الموظفين الذين أعلنوا الإضراب، سيكررون بضع إضرابات مماثلة وشكلية، في حال فُرِضَت الإجراءات التقشفية بالشكل الذي يريده الوزراء والنواب. لكنهم في المضمون، لن يقفزوا فوق الخط الأحمر المرسوم سلفاً لأي إعتراض. فما زالت الحركة العمالية اللبنانية قاصرة عن الخروج على الدور الوظيفي الذي يحدده الزعيم، حتى وإن مسّ الزعيم برواتب وتقديمات رعيّته التي وظّفها بإمتحانٍ أو من دونه أحياناً كثيرة.
فالسلطة مسّت سابقاً بسلسلة الرتب والرواتب، ولم تعطها كما أُقرت، وحُرمَت "المؤسسات العامة من ثلاث درجات استثنائية أسوة بالإدارات العامة"، ومستخدموها "يُصرَفون من الخدمة بموجب تعويض صرف من الخدمة ولا يستفيدون من معاش تقاعدي بعد بلوغ السن"، وفق ما قاله مستخدمو وعمال مؤسسة مياه البقاع في بيان يوم الخميس. ومع ذلك لم يُجِدْ الموظفون سوى الإذعان لقرارات رؤساء النقابات والروابط، بتوقّف الإضرابات والعودة إلى العمل، على أمل المطالبة لاحقاً. ليكون أصحاب القرار النقابي قد امتصّوا نقمة العمال بإضرابات لا تغيّر مسار أهل السلطة، التي تُسابِق دائماً نحو إبتداع حلول على حساب المواطنين.

الرهان على الانقسامات
عندما أُحكِمَت السيطرة على النقابات والروابط، جرى ذلك بلوائح انتخابية مشتركة بين قوى السلطة، وهذا مؤشر واضح على سقف الاعتراضات التي تُبديها النقابات. وفي حال حدوث أي طَفرة مفاجئة تدفع رابطة أو نقابة ما إلى محاولة وضع قواعد مغايرة للتحركات، فإن سيناريو الانقسام الحزبي والطائفي جاهز للرد، وهو ما حدث لرابطة أساتذة التعليم الثانوي ولمياومي مؤسسة كهرباء لبنان. فالانقسام كفيل بردّ المتمرد إلى بيت الطاعة أو إجباره على الرحيل عن القوم الطائعين، وفي الحالتين، يسود الهدوء ولا تُعكّر النقابات صفو التوافق السياسي. ولا ضرر حينها من عقد النقابات إجتماعات دورية، أو إبقائها مفتوحة بحجة "بحث سبل التصعيد".

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019