كنعان يهادن المصارف وباسيل يهاجمها: شِقاق أم توزيع أدوار؟

علي نور

الأحد 21/06/2020
لا يمكن فهم تعليقات جبران باسيل الأخيرة في الملف الإقتصادي، إلا كإستهداف مباشر لعمل زميله أمين سرّ تكتّل لبنان القوي إبراهيم كنعان، الذي يقود بفخر منذ أسابيع ثلاث عمل لجنة تقصّي الحقائق المتفرّعة عن لجنة المال والموازنة التي يرأسها.

فكنعان جهد في لجنة تقصّي الحقائق البرلمانيّة للانقلاب على الخطّة الحكومة الماليّة. وذلك بإعادة النظر بأرقام الحكومة حول الخسائر وتقليصها من 241 ألف مليار ليرة إلى 82 ألف مليار ليرة فقط. وهذا يتناقض مع توجّه صندوق النقد الذي يتلاءم مع قراءة الحكومة للخسائر والمعالجات. ويمكن القول أن جهد كنعان قد يفضي في نهاية الأمر إلى الإطاحة بملف التفاوض مع صندوق النقد. فكنعان حرص على إحاطة مقارباته بإجماع الكتل النيابيّة، مما سيؤدّي إلى فرض المقاربة المرفوضة من الصندوق على الحكومة. مع العلم أن مقاربة لجنة كنعان تحظى أيضاً برضى كل من مصرف لبنان وجمعيّة المصارف.

باسيل ممتعضاً
باسيل لم يبد مسروراً بجهد اللجنة التي يقودها زميله في التيار، أو على الأقل هذا ما يمكن تلمّسه من آخر تعليقاته. فهو عبّر صراحة عن امتعاضه من الانقسام في التفاوض مع الصندوق، معتبراً أن تحديد الخسائر عمل حكومي، وعلى شركات التدقيق أن تقوم به. وبذلك وجّه باسيل سهامه إلى لجنة كنعان البرلمانيّة من زاوية الصلاحيات، كون اللجنة أخذت على عاتقها الغوص في ملف تحديد الخسائر. وهو ملف كانت الحكومة قد درسته من خلال خطة الإصلاح الحكومي بمعاونة شركة لازارد. واعتبر باسيل أن دور المجلس النيابي يجب أن يكون المصادقة على خطّة الحكومة أو رفضها، عندما تطلب الحكومة منه ذلك، أو عندما تطلب الحكومة إقرار قوانين من ضمن هذه الخطّة.

ولتكون وجهة سهام باسيل أوضح، حرص الرجل على الإشارة بعد ذلك إلى ضرورة قبول صندوق النقد بالأرقام لنجاح المفاوضات. مع العلم أن صندوق النقد عبّر علناً عن تقارب أرقامه مع أرقام الخسائر المقدّرة في خطة الحكومة. وهي تقديرات توازي قيمتها 3.4 مرات الخسائر التي قدّرتها لجنة كنعان. وفي جزء آخر من حديثه، رفع باسيل السقف عالياً في مواجهة عمل زميله في التيار والتكتّل، متسائلاً عن غاية إسقاط المفاوضات مع صندوق النقد، معتبراً أن ذلك يصب في صالح أصحاب المصالح الذين استفادوا، ولا يقبلون اليوم فكرة وجود خسائر كبيرة لأنّها ستأخذ من أرباحهم.

بإختصار، ثمّة إشارة واضحة هنا إلى كون تخفيض الخسائر المقدّرة، والذي سيضرب مسار التفاوض مع صندوق النقد، لا يفيد إلا الذين امتعضوا من خطّة الحكومة سابقاً. وهم تحديداً المصارف ومصرف لبنان ورفضوا حجم الخسائر الكبير الذي قدّرته خطّة الحكومة، بالإضافة إلى وجهة بعض معالجاتها كشطب جزء من رساميلها كطريقة لمعالجة بعض هذه الخسائر.

كنعان مهادناً سلامة والمصارف
في المقلب الآخر، كان جهد كنعان منصبّاً في الإتجاه المعاكس تماماً طوال الفترة الماضية. ففي مقاربتها أرقام الخسائر في القطاع المالي، تبنّت لجنة تقصّي الحقائق فرضيات وآراء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعيّة المصارف. فاحتسبت اللجنة العملة المطبوعة وغير الموزّعة كجزء من موجودات المصرف المركزي. وهي أدخلت الذهب في المعادلة، فانخفضت خسائر ميزانيّة المصرف المركزي وحدها بسحر ساحر من أكثر من 66 ألف مليار ليرة بحسب خطة الحكومة، إلى نحو 6 آلاف مليار ليرة فقط بحسب اللجنة. بمعنى آخر، لم تعد خسائر مصرف لبنان - بحسب اللجنة - تتجاوز مستوى 1.2 مليار دولار بحسب سعر الصرف الحالي في السوق السوداء.

لكن ثمّة إشكاليّات عمليّة كبيرة في هذه الفرضيّات التي سايرت حاكم مصرف لبنان، لكون الذهب محيّد تماماً عن الاستخدام لسداد التزامات المصارف لمصلحة المصرف المركزي. أما العملة المطبوعة وغير الموزّعة فلن تعالج الفارق الشاسع بين التزامات المصرف المركزي بالعملة الصعبة والموجودات المتبقية منها.

وعلى هذا النحو أكملت اللجنة عملها، على ضوء أرقام لجنة الرقابة على المصارف، فخفّضت قيمة الخسائر الناتجة عن تعثّر قروض القطاع الخاص إلى أقل من 35 في المئة من تقديرات شركة لازارد وخطة الحكومة. ثم قررت السير بمقترحات جمعيّة المصارف، ورفضت فكرة حسم نسبة 40 في المئة من قيمة سندات الدين بالليرة اللبنانيّة التي كانت رفضتها جمعيّة المصارف، مصرة على الاكتفاء بإعادة النظر باستحقاقات السندات ونسبة الفائدة. ثم قررت اللجنة عدم اعتبار جميع التزامات المصرف المركزي لمصلحة المصارف، خسائر في سجلّات المصارف، مكتفية باحتساب الجزء الذي يستحق خلال السنوات السبعة المقبلة فقط.

وهكذا تقلص حجم الخسائر شكليّاً. لكنّ واقعيّة الأرقام وجديّتها تقلّصتا أيضاً. فأنتجت اللجنة أخيراً رقماً لا يعبّر عن الخسائر الفعليّة التي تحققت فعلاً في ميزانيّات المصارف والمصرف المركزي. لكنّ هذا الرقم يرضي أصحاب المصارف وحاكم مصرف لبنان، المتخوفان سابقاً من تقديرات الحكومة المرتفعة للخسائر في القطاع المالي. وإذا تمكّنت لجنة كنعان من فرض أرقامها على الجميع في المرحلة المقبلة، فسيطمئن الحاكم والمصارف إلى أرقام لا تفرض الكثير من التصحيح والتنازل في ميزانيّات القطاع المالي.

لكن من ناحية أخرى، تعني هذه الأرقام أيضاً فرط مسار التفاوض مع صندوق النقد، الذي لن يوافق على منح أي قرض في حال وجود أرقام غير واقعيّة وغير قابلة لتأسيس أي معالجة جديّة، خصوصاً أن ذلك يعني عدم استعادة الدولة ملاءتها الائتمانيّة في المستقبل، كما يعني وضع قروضه الممنوحة للبنان في مهب الريح.

توزيع أدوار؟
من الواضح أن هناك مسارات متعاكسة بين باسيل وكنعان، في كل ما يتعلّق بطريقة معالجة الانهيار الحاصل: باسيل يصر على دور الحكومة والصراحة في الأرقام واسترضاء صندوق النقد. وكنعان يعمل في لجنة برلمانيّة تلعب أدواراً تنفيذيّة، ويطلق ماراتوناً لتخفيض أرقام الخسائر أمام صندوق النقد، ولو على حساب المصداقيّة.

للوهلة الأولى، قد يبدو أن ثمّة خلاف واضح بين الرجلين وصل إلى مرحلة التراشق الإعلامي في تغريدات باسيل الأخيرة. وتكمن بعض أسباب ذلك في عمل كنعان لصالح الأطراف التي تضررت من خطّة الحكومة، بمعزل عن اتجاه كتلته البرلمانيّة.

لكن ثمّة مؤشّرات أخرى تدل على أن توجّه كنعان الأخير قد يكون نابعاً من توزيع أدوار داخل التيّار العوني. فخطة الحكومة أثارت زوبعة من المخاوف الطائفية الطابع، لجهة مساس بعض معالجاتها بالتوازنات المذهبيّة داخل القطاع المصرفي وهويّة مالكيه. وخصوصاً إذا أفضى حجم الخسائر الكبير في القطاع المالي إلى شطب مساهمات مالكي المصارف، كما اقترحت الخطة الحكومية. ولعلّ هذا السبب تحديداً هو ما دفع البطريرك الماروني إلى التحذير في ذلك الوقت من "المساس بالنظام الحر الذي يشكّل النظام المصرفي جزءاً أساسياً منه". وهذ أضافة إلى عاصفة التصريحات التي رفعت شعار رفض وضع اليد على القطاع المصرفي.

ولذلك، قد يكون ما قام به كنعان في اللجنة البرلمانيّة، وتعديله أرقام الخطّة في ما يتعلق بالقطاع المالي، مجرّد دور أنيط به للتعامل مع هذه الهواجس المذهبيّة التي تتقاطع مع هواجس الولايات المتحدة من احتمال تغيير هويّة مالكي القطاع المصرفي. وهذا ما يؤدي إلى ولوج أطراف جديدة إلى النظام المالي العالمي من بوابة القطاع المصرفي اللبناني. وهكذا يمكن أن يكون جهد كنعان مجرّد محاولة لتقليص حجم الخسائر التي تُسجل على القطاع المالي، في محاولة تفادي الوصول إلى سيناريوهات يمكن أن تؤدّي إلى خسارة مالكي المصارف جزءاً كبير من أسهمهم فيها.

أما دور باسيل في هذا السيناريو، فهو الوقوف إلى جانب رئاسة الحكومة ووزارة الماليّة، للضغط بإتجاه توافق الأرقام اللبنانيّة مع متطلّبات صندوق النقد قدر الإمكان، وعدم وضع العهد في صورة المتسامح مع المصارف ومصرف لبنان.

بدائل الحكومة
ستكشف الأيام المقبلة عما يحصل فعلاً داخل تكتّل لبنان القوي: فإما أن يكون هناك حقّاً خلاف تمثّل بذرة شقاقاً بين نوّاب التكتّل، أو أن المسألة مجرّد توزيع أدوار لتلبية متطلّبات المرحلة. لكن في الحالات كلها، وبمعزل عن هذا الأمر، من المؤكد ثمّة إشكاليّات أكثر أهميّة قد يحتاج اللبنانيين إلى التساؤل حولها في الفترة المقبلة، منها نوع البدائل التي ستلجأ إليها الحكومة في حال تعثّر المفاوضات مع صندوق النقد. وخصوصاً في ظل التوجّه إلى إعتماد أرقام لجنة كنعان بعد تأمين توافق سياسي حولها. هذا بينما يبدو جليّاً أن الصندوق لن يوافق على السير في برنامج قرض مع لبنان وفق هذا النوع من الأرقام.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020