مفاوضات صندوق النقد: انتهى زمن جاك شيراك ورفيق الحريري

خضر حسان

الثلاثاء 19/05/2020
لقاءان عقدا بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي. لم يكن خلالهما المصرف المركزي والحكومة متجانسان سوى في الظاهر. ولم يكن ذلك خافياً على صندوق النقد. إذ اختلفت الأرقام بين ما عرضته الحكومة حول الدين العام، وبين ما عرضه حاكم مصرف لبنان.

ورغم الاختلاف، يتوحّد الطرفان حول عدم امتلاك إجابات مقنعة، حيال الإصلاحات المطلوبة في القطاعات التي تستنزف الدولة، وعلى رأسها مؤسسة كهرباء لبنان، إلى جانب حجم القطاع العام. بالإضافة إلى معالجة الفساد، الذي يطال الجمارك والتهريب على الحدود والتهرّب الضريبي.. وما إلى ذلك من مفاصل حيوية، كانت لنحو ثلاثة عقود مصدر تمويل للطبقة السياسية، التي تفاوض اليوم بهدف اقناع المجتمع الدولي أنها اهتدَت وعادت إلى صوابها.

الثالثة ثابتة؟
جلستان قال لبنان فيهما ما لديه، وهو في الأصل قليل وواضح. وما كان أوضح، هو خطة الحكومة التي "تسيء للنظام المالي والنقدي والمصرفي"، وحاكم مصرف مركزي "يضرب مصداقية الحكومة أمام العالم"، وفق ما يراه الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي، الذي يشير في حديث لـ"المدن" إلى أن الحكومة التي تتحدث عن الإصلاحات والتغيير، "حيّدت الطبقة السياسية ولم تحمّلها المسؤولية، بل حمّلتها للمصارف ومصرف لبنان ولصغار المودعين". أي أنها قبل مفاوضاتها مع الصندوق، لم تعطِ بوادر صحيحة عن الإصلاحات المنوي القيام بها. وهذا ما يقلّص فرص نجاح الجولة الثالثة من المفاوضات، والتي يعززها معرفة المجتمع الدولي بحقيقة الوضع السياسي اللبناني، الذي هو مفتاح حل كل الأزمات، كما كان وسيلة الانزلاق نحو الافلاس.

من ناحيته، لا يتوقّع الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة نجاح المفاوضات. فبالنسبة إليه "المفاوضات سقطت قبل أن تبدأ"، وذلك من خلال ذهاب لبنان إلى المفاوضات وهو في موقع ضعف، بعد أن ارتكبت الحكومة ثلاث نقاط سلبية، إذ "علّقت دفع سندات اليوروبوندز، فقطعت باب التمويل من الأسواق المالية العالمية. قالت لصندوق النقد انها ستحرر سعر صرف العملة، أي أنها هزّت الثقة بالليرة، وقدّمت للصندوق ما يريده على طبق من فضة. وصادرت رأسمال المصارف وأموال المودعين وأخافت المال الآتي من الخارج".

ذهب لبنان إلى الصندوق خاسراً بعد أن تنازل عن كل أوراقه. أما خطة الحكومة، فيشير عجاقة إلى أن صندوق النقد "يعلم أنها خطة غير مقنعة، وأنها تضرب الليرة، فيما يريد الصندوق وضع خطة تتضمّن إصلاحات فعلية".

أمام الاستنتاجات المرتبطة بالواقع، يُبقي البعض نافذة الأمل بصندوق النقد مفتوحة. فتعتبر مصادر في مصرف لبنان، أن كل المعطيات السلبية واقعية ومحقة، "لكن على الأقل بدأنا من نقطة ما مع الصندوق". وتؤكد المصادر في حديث لـ"المدن"، أن "الصندوق يريد أن يرى أرقاماً وأفكاراً موحّدة لا مشتّتة، لكي يبني موقفه على أساسها. وتوحيد الأرقام كان من المفترض أن يحصل عبر التنسيق بين وزارة المالية ومصرف لبنان. وهذا ما لم يحدث".

الأيام الخوالي
إن كان البكاء على الأطلال في الشعر الجاهلي سمةٌ تُحسَبُ للشاعر، فالبكاء على أطلال الدعم الدولي للبنان إدانة للطبقة السياسية، التي لم تُبدِ ما يمكن أن يُكسبها الثقة. بل كل ما جمعته الطبقة السياسية عبر المؤتمرات الدولية، استند بشكل رئيسي إلى العلاقة الشخصية والمصالح الكبرى التي جمعت الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك ورئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري، من دون نسيان ظروف التقارب السوري السعودي، تحت المظلة الأميركية، والتي أمّنت الاستقرار السياسي. ما يعني أن ما كسبه لبنان لم يكن مردّه لثقة دولية، بقدر ما هو علاقات شخصية ومناخ عام، أتى بأموال بددها السياسيون عن طريق تحويلها إلى ثروات شخصية، بدل إدخالها في الاقتصاد بهدف إنمائه.

وتقريباً، حتى الرهان على أموال مؤتمر سيدر لم يعد ممكناً. بل إن نجاح المؤتمر رسمياً وانتظار المجتمع الدولي الإصلاحات من الحكومة اللبنانية لتقديم التمويل المتفق عليه، وفي المقابل استهتار الحكومة بما توصّلت إليه نتائج المؤتمر، يصعّب موقف لبنان في التفاوض مع صندوق النقد. ويصعّب أيضاً إمكانية حصول لبنان على التمويل من سيدر، ما لم تنتهِ مفاوضاته مع الصندوق بصورة ايجابية. أي بات سيدر سيف ذو حدين بالنسبة للبنان.

كذلك، يضغط حملة سندات اليوروبوندز على موقف لبنان، لأن الدائنين ينتظرون قرار صندوق النقد ليقرروا خطوتهم التالية.

ثورة وجوع
اليوم، يذهب لبنان فارغ اليدين، بلا دعم سياسي من أحد. وبلا علاقات شخصية بين زعيمين قادرين على التأثير والاقناع. ولا مجال هنا للرهان على الطابع الاستغلالي لصندوق النقد، الذي ينتهز فرصة ضعف الدول للاستيلاء على مؤسساتها والتحكم باقتصادها. فأموال الصندوق هي أموال دول ليست مستعدة لخسارة أموالها، من أجل بلد أفلس وما زال يفاخر بنظامه وأركانه، وليس فيه ما يُغري للسيطرة.

لا بوادر إيجابية حتى الآن. هناك غموض بمؤشرات سلبية. الحكومة أدخلت نفسها بنفقٍ تعلم أنه مظلم، ولا منفذ له من الطرف الآخر، سوى حفرة للسقوط فيها. والسقوط سيستتبع ثورة شعبية عارمة في الشوارع، قد يكون صداها مدوياً أكثر، لأنها ستمتزج بارتفاع معدلات الفقر الذي سيراكمه قرار تحرير سعر الصرف. وفي المقابل، سيحاول رموز الطبقة السياسية الحفاظ على مناصبهم واستمالة جمهورهم، للدفاع عنهم، بشكل أكبر وأعنف مما شهدته تظاهرات 17 تشرين الأول 2019.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020