"التدقيق الجنائي": سلامة لا يستسلم.. ولبنان يخسر البنوك المراسلة

علي نور الدين

السبت 10/04/2021

سلَّمَ مفوَّض الحكومة لدى مصرف لبنان، أمس الجمعة، إلى وزارة المالية، لائحة محدّثة للمعلومات التي طلبتها شركة آلفاريز آند مرسال. وأعلنت الوزارة إرسالها تلك المعلومات في اليوم نفسه إلى الشركة، تمهيداً لإعادة إطلاق عمليّة التدقيق الجنائي في المصرف.

هذا التطوّر، رغم إيجابيّته الشكليّة، لا يعدو كونه مناورة جديدة من مناورات حاكم مصرف لبنان للتملّص من التدقيق، وحشر الشركة لإخراجها من هذا المسار طوعاً، بينما يبدو أن وزارة الماليّة تتناغم مع هذا الأداء المشبوه عبر قراراتها، على الرغم من السجالات الاستعراضيّة التي تقوم بها عبر وسائل الإعلام مع مصرف لبنان، للظهور بصورة الحريص على عمليّة التدقيق. أما الجديد، فهو تمهيد مصرف لبنان لدفن هذا المسار في حال خروج الشركة، بذريعة الآثار السلبيّة التي تتركها "الحملات السياسيّة الدعائيّة ضد مصرف لبنان وأنشطته ومصداقيته"، وإمكانية تسبب ذلك باهتزازات سلبيّة تصيب علاقة مصرف لبنان والمصارف التجاريّة بالمصارف المراسلة في الخارج، حسب الكتاب الذي وجهه حاكم مصرف لبنان للنائب العام لدى محكمة التمييز غسان عويدات.

في المقابل، اختار العهد أن يجعل من هذه التطورات فرصة للمزايدة خطابيّاً ومحاباة الجهات الدوليّة التي تراقب عن كثب هذا المسار ومآلاته، والجهات المتورّطة في عرقلته، ولاستكمال مساعيه لإحراج رياض سلامة وإخراجه، ووضع اليد على "الموقع الماروني" المليء بما يرغب العهد بالحصول عليه من نفوذ وأوراق ضغط محليّة ودوليّة. وفي كل هذه التطورات، لم يقم أحد من الجهات المحليّة، بما فيها العهد ووزارة الماليّة، بأدنى جهد لدفع مسار التدقيق الجنائي إلى الأمام فعلاً. الجميع يدرك أنّ المسار مفروض من الخارج. والجميع يبحث عن ما يمكن استثماره في هذه التطوّرات، أو على الأقل حماية رأسه، من دون أن يساهم في إنجاح المسار الذي يبدو أنّه يمكن أن يكشف الكثير من خبايا المرحلة السابقة، والمتورطين فيها من أصحاب نفوذ مالي وسياسي.

مناورة اللائحة
اللائحة التي وعد مصرف لبنان بتسليمها الجمعة ليست سوى قائمة تفنّد المستندات التي يمكن تسليمها قبل نهاية شهر نيسان، وتلك التي ستحتاج إلى وقت أطول لتحضيرها، من دون أن يحدد مصرف لبنان أفق زمني لهذه المسألة، ومن دون أن يتم تحديد إجابات على طلبات الشركة، التي تتخطى مسألة المستندات نفسها، كطلب العمل من داخل المصرف وإعطائها حق الولوج إلى قواعد البيانات لتدقيق المعلومات والبحث فيها بحريّة. وفي الوقت نفسه، تم الاتفاق على "مباشرة" تسليم مفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان المعلومات المطلوبة بعد تسليم القائمة أمس، من دون أن يتم أيضاً تحديد سقف زمني لتحضير هذه المستندات.

باختصار، لن تتمكن آلفاريز آند مرسال أن تتخذ قرار العودة إلى التدقيق الجنائي قريباً، خصوصاً أن عودتها مرتبطة بتأمين كامل المستندات التي طلبتها في المرحلة الأولى من التدقيق، في حين أن ما تم التفاهم عليه مع الشركة لم يقدّم أي موعد واضح تتوفّر فيه هذه المستندات المطلوبة. وهنا تطول لائحة الأسئلة: لماذا يحتاج مصرف لبنان مهلة تتخطى الأسابيع الثلاثة التي تفصلنا عن نهاية الشهر، ومن دون أفق زمني واضح، لتأمين مستندات امتلك أكثر من ثلاث أشهر ونصف –منذ إقرار قانون رفع السريّة المصرفيّة- لتحضيرها؟ مع العلم أن طبيعة المعلومات التي طلبتها الشركة هي من النوع المتوفّر في قواعد البيانات الموجودة، ولا يتطلّب تحضيرها أكثر من طباعتها أو استخراجها إلكترونيّاً. وما الهدف من ترك العلاقة مع الشركة معلّقة بهذا الشكل الغريب، ومن دون أي ضمانات بخصوص الموعد المنتظر لتسليم البيانات؟ في حين أن الشركة كانت حاسمة في عدم نيّتها الخوض مجدداً في مغامرات مع لبنان قبل التأكّد من توفّر كل المعلومات المطلوبة، قبل اتخاذ قرار العودة للعقد وإعادة تفعيله.

الهدف إذاً هو المماطلة والتسويف، خصوصاً أن أبواب المعلومات الثلاثة التي يتحدّث عنها حاكم مصرف لبنان، أي حسابات المصارف والدولة ومصرف لبنان، لا تشمل لائحة طويلة من المعلومات الأخرى التي تحتاجها الشركة، والتي تتعلّق بالبنية التنظيميّة للمصرف وتوزّع الصلاحيات فيه وتقارير المراقبة الداخليّة والخارجيّة والقواعد المحاسبيّة والماليّة المعتمدة. وبالنسبة إلى هذه المعلومات، تفيد مصادر مصرفيّة إلى أن هذا النوع من البيانات يتسم بحساسيّة شديدة، لكونه يكشف الكثير من الممارسات الداخليّة التي اعتاد سلامة على تطبيعها، رغم تجاوزها الإجراءات النظاميّة الداخليّة أو المعايير المحاسبيّة العالميّة. وهنا تشير المصادر نفسها إلى أن جميع المتابعين للملف يشككون اليوم في نوعيّة وكفاية هذا النوع المعلومات التي سيتم تقديمها، حتّى لو أشار الحاكم اليوم إلى نيّته تسليمها، لكون نطاق هذه المعلومات وكفايتها يتسمان بالكثير من الاستنسابيّة.   

الغاية الأخيرة من المماطلة بهذا الشكل، وإبقاء مساحة رماديّة من الغموض في كل ما يتعلّق بهذا المسار وإطاره الزمني، ليس سوى إحراج الشركة تمهيداً لإخراجها كليّاً من المشهد. فالشركة تعلم جيّداً أن تورّطها في مسار طويل من المماحكات المتعلّقة بالعقد، لن يؤدّي في المحصّلة إلا إلى ضرب سمعتها على المدى الطويل، خصوصاً أنّه سيوحي بدخولها في بزار من المساومات على نطاق ونوعيّة التدقيق نفسه، مع دولة لا تملك النيّة أو القدرة على فرض التدقيق على مصرفها المركزي، في حين أن التدقيق يجري تحت وطأة الضغط الدولي لا أكثر.

أما الهدف الآخر من المماطلة والتسويف، فليس سوى حرق أكبر قدر ممكن من المهلة التي حددها قانون رفع السريّة لغايات التدقيق الجنائي، والمحددة بسنة واحدة فقط. مع العلم أن المماطلة طوال الفترة الماضية مكنت حاكم مصرف لبنان من حرق أكثر من ربع هذه المهلة، من دون أن تحقق شركة التدقيق الجنائي أي تقدّم يُذكر. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ما ستقدّمه الشركة في حال عودتها لعقد التدقيق في مصرف لبنان لن يكون سوى تدقيق أولي لا أكثر، أي تدقيق يحدد الأبواب الأساسيّة للخسائر والمخالفات التي يقتضي التدقيق أكثر فيها، في حين أن الشركة ستحتاج إلى ملحق للعقد لاحقاً للتوسع بكشف خبايا هذه الخسائر والمخالفات. وهذا المسار سيحتاج حكماً إلى فترة تتجاوز السنة، بينما يستفيد حاكم مصرف لبنان من عامل الوقت لحرق أكبر قدر ممكن من فترة رفع السريّة المصرفيّة.

التمهيد لإعدام التدقيق الجنائي
بالتوازي مع التمهيد لإقصاء الشركة، عبر تعقيد المسار وإطالة أمده قدر المستطاع، بدأت الخطوات العمليّة للتمهيد للحظة خروجها، عبر التسويق لربط أي ضغط يتعرّض له مصرف لبنان بتداعيات سلبية بدأت تطال علاقاته بالمصارف المراسلة.

ففي كتاب وجهه حاكم المصرف المركزي للنائب العام لدى محكمة التمييز غسان عويدات، أشار حاكم مصرف لبنان إلى أن علاقة مصرف لبنان بالمصارف المراسلة في الخارج تتعرّض لاهتزازات سلبيّة. وقد أدت هذه الاهتزازات الى إقفال عدة حسابات يملكها مصرف لبنان لدى المصارف المراسلة، ما ترك له مصرفاً واحداً فقط يقبل بتعزيز اعتماداته المستنديّة التي ستم استخدامها لاستيراد السلع الحيويّة للدولة اللبنانيّة. أما عن سبب هذه التطورات السلبيّة، فأشار حاكم المصرف المركزي إلى "الحملات الدعائيّة ضد مصرف لبنان وأنشطته ومصداقيته"، والضجة القضائيّة و"استغلالها الإعلامي والسياسي داخل لبنان وخارجه، مما زرع شكوكاً لدى مراسلينا والمصارف الكبرى التي نتعامل معها منذ عشرات السنين".

خسارة البنوك المراسلة
باختصار، أراد رياض سلامة هنا ربط كل الضغط الذي يتعرّض له إعلاميّاً وسياسياً في لبنان، في جميع الملفات المثارة ضدّه، بما يجري على مستوى حسابات المصرف المركزي في الخارج، والتي يمكن أن تصل إلى حد "الحصار" النقدي إذا فقد مصرف لبنان المراسل الوحيد الذي يقبل بتعزيز اعتماداته. مع العلم أن الضغوط التي يشير سلامة لتداعياتها، تطال بطبيعة الحال جميع الملفات القضائيّة التي تُثار ضده محليّاً، وهو ما يفسّر توجيه الكتاب لعويدات، لكنها تطال أيضاً ما يجري على مستوى الاهتمام الإعلامي بملفات كالتدقيق الجنائي والتصويب على مسؤولية سلامة في عرقلتها. ولعل هدف صياغة هذه المعطيات على شكل رسالة رسميّة قابلة للتسريب، لم يهدف إلا للتأثير على الرأي العام من خلال التلويح بتداعيات هذه الضغوط التي يتعرّض لها سلامة على لبنان وقدرته على الاستيراد.

بالتأكيد، ثمّة أسباب أهم لتردي علاقة مصرف لبنان بمراسليه، أبرزها حجم الخسائر الضخم الموجودة في ميزانياته وغير المعالجة، والشكوك في التزامه بسداد أي التزامات مستقبليّة في ظل ما يُحكى أن اقتراب احتياطاته القابلة للاستخدام من النفاد. كما ثمّة تساؤلات كبيرة تحوم اليوم حول الكثير من التحويلات المشبوهة التي حصلت خلال الفترة الماضية من النظام المصرفي اللبناني. كل ذلك يمثّل اليوم كتلة من المخاطر الائتمانيّة ومخاطر السمعة، التي تدفع أي مصرف أجنبي لتفادي التعامل مع مصرف لبنان. لكنّ سلامة اختار أن يربط كل ما أصاب علاقته بالنظام المالي العالمي بمحاولات استهدافه محليّاً، في محاولة لتوظيف هذه التطورات بصراعاته الداخليّة، ومنها تلك المتصلة بملف التدقيق الجنائي.  

في الخلاصة، بات من الواضح أن ملف التدقيق الجنائي لن يسلك طريقه نحو الدخول حيّز التنفيذ في القريب العاجل، وهو ما يزيد من فرص ابتعاد الشركة عن المشهد كليّاً، مع ما يعنيه ذلك من إطاحة بالملف كلياً في المرحلة الراهنة، في ظل عدم قدرة حكومة تصريف الأعمال على التفاوض من أجل توقيع آخر مع شركة جديدة. أما في حال قررت الشركة الصبر على المماطلة، فسيكون عليها انتظار ما بعد نهاية شهر نيسان، للحصول على المستندات المطلوبة واتخاذ قرار السير بعمليّة التدقيق الجنائي من جديد.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021