إطلاق دورة التراخيص في البترول.. فتح بازار المحاصصة

خضر حسان

الخميس 26/01/2017

نفض لبنان الغبار عن عجلة ملفه النفطي، بدءاً من إقرار مرسومي النفط مطلع كانون الثاني 2017، وصولاً إلى إعلان وزير الطاقة سيزار أبي خليل، الخميس 26 كانون الثاني، إطلاق دورة التراخيص الأولى لتلزيم الرقع النفطية (البلوكات) الموزعة بين الشمال والجنوب والوسط، وهي حصراً، بلوك رقم 1 في الشمال، وهو يحاذي الحدود المائية لسوريا وقبرص، وبلوك رقم 4 في وسط الساحل اللبناني، والبلوكات الجنوبية التي تحمل الأرقام 8-9-10، وهي المحاذية للمياه الفلسطينية المحتلة. مع الإشارة إلى أن البلوكين 8 و9، يتداخلان مع الحدود المائية الفلسطينية.

فتح دورة التراخيص ببلوكات خمسة، لا يعني بحسب ابي خليل، تلزيم كل البلوكات دفعة واحدة. وعلى الارجح ستلزّم الدولة 3 أو 4 بلوكات. علماً أن خبراء البترول يؤيدون تقليص عدد البلوكات الملزّمة.

تعود ضرورة تقليص عدد البلوكات الملزّمة إلى "غياب الخبرة النفطية لدى لبنان"، وبرأي الخبير النفطي ربيع ياغي، فإن توسيع دائرة البلوكات المعروضة على شركات النفط، سيضع الكرة في ملعبها، فتفرض شروطها وأسعارها على لبنان. لكن، في حال تقلص عدد البلوكات المعروضة للتلزيم، يعطي الأفضلية للبنان في التحكم بالأسعار والشروط. والنجاح في التلزيم، ولاحقاً في التنقيب داخل بلوك أو بلوكين، يرفع رصيد لبنان لناحية الخبرة والعائدات النفطية. ما يشجع الشركات على الإقبال. وبالتالي يزيد حظوظ لبنان في فرض شروطه ورفع أسعار التلزيم. على عكس مغامرة التخبط في عدد بلوكات أكثر، والحصول على نتيجة أقل.

تجاوز مسألة عدد البلوكات التي ستقوم الدولة بتلزيمها، يسلط الضوء على سبب اختيار هذه البلوكات لافتتاح عملية التلزيم. وفي حين تؤكد مصادر مطّلعة على الملف لـ"المدن" أن توزيع البلوكات بهذا الشكل جاء لإرضاء 3 مكونات سياسية أساسية في لبنان، وهي تيار المستقبل والتيار الوطني الحر وثنائي أمل وحزب الله، يشير ياغي إلى أن السبب تقني، وهو غنى هذه البلوكات بالغاز، وتحديداً البلوكات الجنوبية.

غير أن عرقلة إقرار المرسومين في السابق، والخلافات السياسية في شأن الترسيم والتلزيم، وسرعة إقرار المرسومين أخيراً، هي أسباب ترجّح كفة الصفقة السياسية التي ستدار بواسطتها الثروة المستخرجة من البلوكات الغنية. ما يعني أن الاستغلال السياسي قائم، سواء إذا ما كان عرض البلوكات على أساس سياسي، أم على أساس تقني.

نزعة الاستفادة التي تحملها السلطة السياسية، لن تستحيل حقيقة في الحاضر. وهذا ما باتت تعرفه السلطة. لكن ما يتم طرحه على بساط البحث، هو موعد الاستفادة في المستقبل القريب، والذي يتفاوت هو أيضاً، ما بين 5 أو 6 سنوات، وصولاً إلى 10 سنوات. فيما بعض المطّلعين على الملف، ينفون الاستفادة ما لم يوقع لبنان إتفاقية مع إسرائيل.

عليه، فإن الحديث عن مرحلة ثانية من العمل في ملف النفط، سيتوقف. هذا إذا سلّمنا جدلاً بأن الحكومة تعد العدة لمرحلة ثانية تتعلق بانجاز مشاريع البنى التحتية اللازمة لمواكبة عملية التنقيب. فالتحضير للبنى التحتية يستحق بعد سنتين أو ثلاث من تلزيم الشركات. إذ تكون الشركات الفائزة قد رتّبت أمورها التقنية واستعدت لعملية التنقيب. والبنى التحتية في رأي ياغي، يجب أن تُعد بالتشاور مع الشركات التي تملك الخبرة المطلوبة، وعلى التشاور أن يشمل دور الشركات في تغطية جزء من التكاليف المادية للبنى التحتية، لكونها ستستعمل هذه البنى- إلى جانب لبنان- في نقل حصتها من المخزون وبيعها. ويلفت ياغي إلى أن المسارعة في تنفيذ البنى التحتية بعد الإفتراض بأن مشاريعها الورقية موجودة، يؤدي إلى ترتيب أكلاف مادية على لبنان، هو بالغنى عنها، لناحية الرواتب وأكلاف الصيانة لمعدات لن تعمل في الوقت القريب.. وما إلى ذلك.

التخبط في ملف النفط، حتى بعد ترسيم البلوكات وإطلاق دورة التراخيص الأولى، هو أمر غير مستبعد في بلد ليس لديه رؤية لمستقبل الصناعة النفطية، وليس لديه أدنى معايير التخطيط للاستفادة من الغاز والنفط.ويكشف التخبط الإلتباس والغموض في ملف انشاء صندوق سيادي يحمل عائدات الثروة النفطية، والمنحى التحاصصي الذي يفتتح مشروع التنقيب عن النفط، إنطلاقاً من إفتتاح دورة التراخيص الأولى.

وزير الطاقة لم يذهب أبعد من إعلان افتتاح دورة التراخيص الأولى، فهل تكون المقدّمة، وسط التخبط، هي نفسها الخاتمة التي ستكتبها المحاصصات والمزايدات الانتخابية؟

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019