فلكلور داخل مجلس النواب: هل موازنة 2020 ضرورية؟

خضر حسان

الإثنين 27/01/2020
جَلَسَ رئيس الحكومة حسان دياب وحيداً على أحد المقاعد المخصصة لأعضاء الحكومة، في قاعة مجلس النواب. بقي صامتاً لفترة من الوقت، يستمع لآراء بعض النواب حول عدم شرعية عقد جلسة لإقرار موازنة 2020، في ظل حكومة لم تنل ثقة النواب بعد. والجانب الدستوري، دفع النائب سمير الجسر إلى استهلال الجلسة التي عقدها المجلس يوم الاثنين 27 كانون الثاني، بسجال مع رئيس المجلس نبيه بري، حول شرعية جلسة إقرار الموازنة في هذه الظروف. واقتناعاً منه بعدم دستورية الجلسة، انسحب الجسر، داعياً الحكومة إلى استرداد مشروع الموازنة "حتى لا يتم رمي أي مشاكل ستواجه الحكومة الحالية على الحكومة السابقة".

إقرار مُعلَّب
لم يفلح الجسر في مقاربة الجلسة من منظار الشرعية والدستور. فعلى من تقرأ مزاميرك يا جسر؟ على قوى سياسية أمعنَت في خرق الدستور والقوانين لعقود؟

وعليه، أعلن بري انطلاق أعمال الجلسةن وفتح المجال أمام عدد من النواب لتكرار معزوفات سعي أحزابهم وتياراتهم لمحاربة الفساد ووقف الهدر واستعادة الأموال المنهوبة... وما شابه ذلك من "نوتات" ملَّ الناس سماعها. وفي النتيجة، أقر مجلس النواب موازنة العام 2020 بغالبية 49 صوتاً ومعارضة 13 وامتناع 8 عن التصويت.

الإقرار مُعَد سلفاً، وهو تعليبٌ لا يختلف عن تعليب كل ما أقرّه المجلس سابقاً من قوانين. فالقوى السياسية التي توافقت على تشكيل حكومة لا لون لها ولا طعم ولا برنامج، توافقت على إقرار موازنة تراها ضرورية لانتظام الحياة الاقتصادية والمالية والاجتماعية. وبالطبع، الظرف الاستثنائي هو الغطاء.

ولأن النتيجة معروفة، لم يكن مُستغرباً نطق دياب بقليلٍ من الكلام، يعكس موافقة الحكومة على المسرحية التي تجري تحت سقف البرلمان. فحسب دياب، الحكومة "لن تعرقل موازنة أعدتها الحكومة السابقة وناقشتها لجنة المال والموازنة النيابية واللجان المشتركة، واكتملت اجراءاتها. والحكومة تترك الأمر إلى المجلس النيابي الكريم، مع احتفاظها بحق تقديم مشاريع قوانين لتعديلات في الموازنة، بعد نيل الثقة".

موازنة عقيمة
الاعتراف بالعجز أتى على لسان القوى السياسية نفسها، التي تحاول وضع الحلول بأدوات أثبتت فشلها. فوفق رئيس لجنة المال والموازنة النيابية ابراهيم كنعان، فإن "الواردات المعاد تقديرها (في الموازنة) قد لا تكون واقعية أيضاً في ضوء الانكماش الاقتصادي، وربما عدم القدرة على التسديد من جراء الإجراءات المصرفية المعتمدة في توفير السيولة لعملائها، حتى بالليرة اللبنانية". واعتبر كنعان أن "التفاهم مع مصرف لبنان وجمعية المصارف أجرى عملية تجميلية موقتة للنفقات ينتهي مفعولها بعد سنة". كما أن "الإجراءات المعتمدة في تقسيط تعويضات الصرف على مدى ثلاث سنوات هو من قبيل الهروب إلى الأمام".


ووقف التوظيف "لم يحد من التحايل عليه عن طريق بدلات الأتعاب والدراسات، ولم يصل إلى حد صرف أي شخص من أصل 5000 تم توظيفهم خلافاً لأحكام القانون". واعتبر كنعان أن "ترشيد الانفاق ما زال من التوصيات والأمنيات، إذ أن مسؤولينا يفتقرون إلى ثقافة ترشيد الإنفاق وشد الأحزمة". وبرغم ما عَرَضه، أيّد كنعان الموازنة لأنها "خيار عملي ومسؤول".

من جانبه، وصف النائب سليم سعادة الموازنة أنها "ثانوية ولقيطة بلا أم وأب. وهناك مشكلة على صعيد الواردات والنفقات، فبوجود ثلاثة أسعار لصرف الدولار كل شيء يتغير والواردات تدخل في السعر الرسمي وتخرج بسعر السوق السوداء".

أما النائب جميل السيد، فرأى أنه "من الجريمة أن تصدر هذه الموازنة كما هي".

قنبلة في وجه الحكومة
عدم دستورية الجلسة وإقرار موازنة تحمل مؤشرات سلبية في ظل الظروف الحرجة التي يمر بها لبنان، سيجعل الموازنة بمثابة قنبلة موقوتة في وجه الحكومة الجديدة، التي لا ناقة لها بها ولا جمل. فالحكومة ستكون لاحقاً أمام انكشاف العجز المخبّأ والمُرحَّل إلى موازنة العام 2021. كما ستكون أمام مسؤولية تطبيق موازنة لم تضعها، وربما أيضاً ترفض العمل تحت سقفها بحجة أنها لم تضعها. وبالتالي، تضع الحكومة نفسها أمام سيف ذو حدّين، لن يسلم منه مجلس النواب الذي ألزَمَ الحكومة بلبس ثوبٍ ليس لها.

الاحتمالات المقبلة كثيرة، ونتائج إقرار هذه الموازنة لا تبشّر بالخير. ومع ذلك، ترك دياب القرار للنواب، متخلياً عن أحد الأدوار المهمة للحكومة، وهو وضع موازنة تعكس سياسة الحكومة ورؤيتها للواقع الاقتصادي والمالي ونظرتها للمؤسسات العامة. وبذلك، يسأل الخبير الاقتصادي ايلي يشوعي عن "السياسات التي ستتبنّاها الحكومة. وكيف ستُتَرجَم تلك السياسات مادامت الحكومة لم تشارك في وضع الموازنة ولا التعليق عليها".

ويعتبر يشوعي في حديث لـ"المدن"، أن الحكومة "لو كانت سيدة قرارها، لما قبلت بالتنازل لمجلس النواب لكي يقر موازنة لم تضعها هي. وكان من الأجدى بالحكومة أن تسترد مشروع الموازنة لتطّلع عليه على الأقل، وتضع لمساتها وإن شكلياً. وبما ان الحكومة لم تفعل شيئاً، فكيف تسمّي نفسها أنها حكومة مهارات وكفاءات؟".

وعن التذرّع بتجنّب الفراغ أو الصرف وفق القاعدة الاثني عشرية، يُذكّر يشوعي أنها ليست المرة الاولى التي يقف فيها لبنان أمام خيار القاعدة الاثني عشرية، كما أن اللبنانيين اعتادوا الفراغ لسنوات نتيجة عدم اقرار الموازنات السابقة، ولا قطوعات الحسابات. وبنظره، الأهم هو اجراء اصلاحات انقاذية جدية وليس الدخول في سجالات الفراغ أو عدم دستورية الجلسات وما شابه. ويؤيد يشوعي الاحتكام للقاعدة الاثني عشرية أو مخالفة بعض المهل الدستورية، شرط اعداد موازنة معدّلة وإصلاحية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020