رغماً عن الجيش: النفط المدعوم يعبر "المصنع" ويباع لسوريا

لوسي بارسخيان

الثلاثاء 06/04/2021

أخذ مسلسل المازوت المهرب إلى سوريا، منحى متجدداً في منطقة البقاع، مع فرض المهربين مروره عبر معبر المصنع الرسمي، ليباع في المنطقة الحدودية الفاصلة بين لبنان وسوريا بضعف سعره المحلي، في وقت قننت معظم المحطات من كميات بيعه للبنانيين، متذرعة بنضوب مخزونها.

300 "نقلة" يومياً
قبل أيام، صوّر أحدهم فيديو يظهر عشرات السيارات المتوقفة على جانب الطريق المؤدية إلى حدود سوريا البرية في جديدة يابوس، وبحوزة أصحابها "غالونات" من مادة البنزين اللبناني "المدعوم" التي ذكر أنها تباع للسوريين. وقد تحولت هذه الطريق، وفقاً للمعلومات، إلى سوق لتداول المادة بسعر السوق السوداء، بالشراكة بين المهربين وأصحاب المحطات "الطامعين" بمضاعفة أرباحهم.

وفقاً للمعلومات أيضاً، فإن المهربين يشترون المازوت من المحطات اللبنانية بـ60 ألف ليرة، أي أغلى بنحو عشرين ألف ليرة من سعرها الرسمي، ومن ثم ينتقلون بخزانات سياراتهم الممتلئة إلى منطقة المصنع الحدودية، حيث يعبرون بعد مرورهم بثلاثة أجهزة رسمية، وهي الأمن العام، الجمارك ومخابرات الجيش، متجاوزين مباني الأمن العام المستحدثة للداخلين من لبنان بإتجاه سوريا، ليتوقفوا على مقربة من مركز عسكري عند الحدود السورية ويبيعون بنزين لبنان المدعوم إلى سوريا و"على عينك يا تاجر".

وتقدر المعلومات حمولة هذه السيارات يومياً بنحو 300 نقلة من خزانات السيارات الممتلئة، والتي تفرغ جميعها عند الحدود، ليشتريها أشخاص من الجانب السوري بمبلغ 40 ألف ليرة سورية للتنكة أي نحو ضعف المبلغ الذي دفع للمحطات في لبنان.

تحت نظر الأجهزة
يأتي ذلك في ظل استمرار السلطات السورية بإقفال حدودها الرسمية، متذرعة بجائحة كورونا، في وقت فتح لبنان حدوده بإتجاه مغادرة لبنان، حاصراً الدخول إليه بثلاثة أيام أسبوعياً، الأربعاء للسوريين الذين يملكون إقامات، والإثنين والجمعة للبنانيين.

قد يقال بأن تهريب المواد عبر هذه الحدود الرسمية ليس حديثاً، بل يعود إلى زمن وجود الجيش السوري في لبنان، عندما كان التهريب يحصل بالإتجاه المعاكس، أي من سوريا إلى لبنان، وكانت السيارات المحملة بالبضاعة السورية وبالغاز والمازوت السوري تمرر إلى لبنان بأقل من أسعارها المتداولة في السوق اللبنانية. وقد بات لهذه التجارة أشخاصها المعروفين من قبل السلطات الأمنية، وهم أنفسهم الذين يسيطرون على "الكار" حالياً ويبيعون "موارد لبنان المدعومة" إلى سوريا.

إلا أن حجم الأزمة اللبنانية، والتي لا تحمل مشاركة مقدرات لبنان المتناقصة بين "شعبين جائعين"، تجعل الفعل "لاأخلاقياً" ومستفزاً، ويرقى إلى مرتبة الفضيحة بحق الأجهزة الأمنية، التي تمر سيارات التهريب تحت نظرها، حتى بعد أن تحركت القوى العسكرية، إثر الفضيحة التي أثارها الفيديو المسرب لأعداد السيارات التي تقوم ببيع المادة عند الحدود.

تحدّي الجيش
ووفقاً للمعلومات، فإن الجيش اللبناني قام في الأيام الأخيرة بعدة محاولات لمنع عبور المهربين للحدود، والتدقيق في السيارات وفي أسباب عبورها لعنبر الجمارك، إلا أنه ووجه بتجمهر المهربين، ولم يفلح في ردعهم حتى الآن.

وكانت المحاولة الأخيرة صباح اليوم الثلاثاء، حين حضرت قوة كبيرة من الجيش، ومنعت المهربين الذين باتت وجوههم وسياراتهم معروفة، من تجاوز عنبر الجمارك. إلا أنه وكما في كل مرة، أغلق المهربون الطريق الدولية، ومارسوا "بوقاحة" كافة الضغوط بدعم من السلطات المحلية الموجودة في المنطقة، حتى نجحوا في نهاية النهار بتسيير مواكب سياراتهم المحملة بالمادة إلى ما بعد العنبر الرسمي.

يأتي هذا الإستقواء من قبل المهربين في فرض تهريب مادتي البنزين والمازوت المدعومتين عبر معبر لبناني "شرعي"، بوقت تدعي فيه معظم محطات الوقود نضوب مخزونها، ولا تبيعها للبنانيين إلا بالقطارة، فيما ودائع اللبنانيين المستخدمة في الدعم تذهب إلى جيوب بضعة مهربين، لا يكترثون لحجم الخراب الذي يساهمون بمضاعفته.

قد يأتي من يقول بأن الدولة التي تعجز عن قمع تهريب الأطنان من النفط عند حدود البقاع الشمالية، لا يمكنها أن تمنع عبور بعض الكميات على حدود لبنان الشرقية. وهذا صحيح إلى حد بعيد. ولكن ما يحصل عند معبر المصنع "الشرعي" يتجاوز حدود العقل في استيعاب مدى الوقاحة التي وصل إليها المهربون، بتناهبهم على هدر آخر مقدرات لبنان. وهو يعكس الانحلال الذي وصلت إليه الدولة في صورتها وهيبتها، ما يشكل ذريعة في تسيّد "شريعة الغاب" التي تبرر نهش اللبنانيين لأبناء جلدتهم بذريعة صراعهم من أجل البقاء. حتى لو تحولوا بفعلتهم شركاء لمن يوجهون إليهم الإنتقادات بتسخير موارد لبنان وقوته وشبابه لحماية النظام وبقائه في سوريا.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021