لقاءات في الظِّل تؤكِّد وقف دعم الدواء.. ومآسٍ أخرى

خضر حسان

الأربعاء 25/11/2020
لم تستسغ السلطة صراحةَ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، حين أكَّد بأنّ المركزي سيتّجه إلى وقف دعم استيراد الدواء والمحروقات والقمح، بسبب تناقص الدولارات المخصصة لهذه العملية. فهذا الكلام هو تمهيد رسمي للارتطام الكبير الذي نتحضَّر لبلوغه قريباً. فالمطلوب بالنسبة إلى السلطة، التخفيف من الصراحة للاستمرار في السيطرة على ردّ فعل الناس ريثما يتم الوصول إلى صيغة أخرى من التحايل عليهم. فكان الحلّ الأوّلي بتعديل سلامة لموقفه، مستبدلاً التبشير بوقف الدعم، بترشيده. وكان التبديل فاتحةً لابتداع حركة مباحثات ولقاءات لبحث آلية الترشيد ونتائجها. وليس عمل لجنة الصحة النيابية سوى جزء من الاستجابة الفلكلورية للسلطة، حيال أزمة الدواء. إلاَّ أنّ اللقاء الذي كشفت عنه وكالة رويترز نقلاً عن مصدر وزاري لبناني، يحيل إلى ما قاله سلامة سابقاً، وإن جرت التغطية على الحقيقة بستار الترشيد.

مورفين الترشيد
حتى الآن، غطّى مصرف لبنان دعم الدواء بقيمة مليار و41 مليون دولار، بمعدّل 5 مليون دولار يومياً، حسب ما يؤكّده رئيس لجنة الصحة النيابية عاصم عراجي، ما يعني أنّ المركزي يدعم الدواء منذ نحو 7 أشهر. وخلال هذه الأشهر، ذهب ما يوازي 96 بالمئة من قيمة الدعم إلى شركات استيراد الدواء، فيما استفادت الصناعة الدوائية اللبنانية بنحو 4 بالمئة، جرى بواسطتها استيراد المواد الأولية. ومع ذلك، استمرَّ إخفاء الأدوية ورفع أسعار بعضها وتهريب أخرى. أيّ أنَّ ترشيد الدعم سيوسِّع حجم الأزمة نحو المزيد من الإخفاء والتهريب ورفع الأسعار، لأن الكميات المستوردة ستتناقص مع تقليص قيمة الدعم. وبما أنَّ خيار الترشيد أتى بعد استنزاف الموجودات الدولارية بفعل زيادة حجم الإنفاق مقابل الإيرادات، يُصبح وقف الدعم، خطوة آتية بكل تأكيد. وما ذلك سوى مسألة وقتٍ مرتبطة بمدى قدرة السلطة السياسية على المناورة وتأجيل الواقعة، تماماً كما حصل مع العملة، حين جرى تأجيل انفجار الأزمة عبر تثبيت سعر صرف الليرة من خلال تبديد أموال المودعين. فدعم الاستيراد من دون تأمين واردات إضافية من العملة الأجنبية، هو إضاعة للوقت ومراكمة للأزمات.

بين لجنة الصحّة والمركزي
تظنّ لجنة الصحة النيابية أنها تجتهد لضمان مصلحة المواطنين والمرضى تحديداً، لكن الركض بعد فوات الأوان غير مجدٍ. فالنوّاب المنضوون تحت لواء اللجنة، يتبعون لكتل سياسية لم تدخل فجأة إلى البرلمان، ومع ذلك، يعترف رئيس اللجنة بأنَّ "أزمة الدواء مزمنة وواجهناها اليوم"، شأنها شأن كل ما نواجهه من أزمات. فأين كانت تلك الكتل سابقاً؟

بالتأكيد كانت الكتل تدرس سبل تمويه الأزمات وترتيب خيارات التحايل عليها، تماماً كما هي لقاءات المسؤولين السياسيين اليوم مع رياض سلامة، والتي تهدف إلى خفض مستوى الاحتياطي الإلزامي من العملات الأجنبية من 15 بالمئة إلى نحو 12 بالمئة أو 10 بالمئة، لتأمين المزيد من الدولارات لدعم الاستيراد، وتحديداً استيراد الدواء. فاقتراح سلامة لا يتمسّك بدعم استيراد القمح والمحروقات، وهو ما سيخلق أزمة إضافية قريباً.
تلك الكتل أيضاً، تجتمع مع النقابات المعنية بقطاع الدواء والاستشفاء، من دون الخروج بحلٍّ إيجابي. وبنظر عراجي "ربما هناك مصالح بين النقابات التي تستورد والمستودعات والمصانع. والواضح ان كل جهة لها أجندة خاصة بها". لكن عراجي لم يعرِّج على مسؤولية الكتل السياسية في عدم قطع الطريق أمام من عوَّدَنا "التحدّث دائماً بحساب الربح والخسارة". فإن لم يحسم النواب والوزراء قضية الربح والخسارة في قطاع الدواء والاستشفاء وكل القطاعات، فمن يفترض به حسمها؟

"أمامنا فقط حتى نهاية العام". يحاول سلامة إيجاد الحل "المناسب" قبل هذا الموعد، ولذلك يسارع إلى إقناع السياسيين بالموافقة على خفض الإحتياطي الإلزامي لكسب الوقت. وكسب الوقت اليوم، ليس سوى تأكيد على الحاجة إلى كسبه لاحقاً، وسط عدم تشكيل الحكومة أو إجراء إصلاحات فعلية. والأهم، وسط تناقص الدولارات. ما يعني أنَّ الدعوة إلى ترشيد دعم الدواء، سيقابله في أحسن الأحوال، ترشيد إضافي أقسى، قبل إعلان عدم القدرة على الدعم.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021