الحكومة تحارب الصناعة:قصة الرسم الجمركي المرفوض

عزة الحاج حسن

السبت 18/05/2019

يجاهر معظم أركان الحكومة، وربما جميعهم، بما لا يفعلون. يطلقون الوعود يميناً ويساراً قبل أن ينكثوها على طاولة مجلس الوزراء، إما ضعفاً أو جهلاً أو الإثنين معاً. ففي حين تتجه الأنظار إلى الإجراءات التقشفية المرتبطة بالقطاع العام، وموظفيه، هناك من يفصّل بنوداً تحت مسمى "إصلاحية" من شأنها مجاملة الصناعات الأجنبية، لاسيما العربية منها، على حساب دفع الصناعة اللبنانية إلى المزيد من الانحدار.
في أكثر من جلسة من جلسات مجلس الوزراء طُرح ملف الإجراءات الحمائية للصناعة اللبنانية وذلك ترجمة للوعود التي أطلقها عدد من الوزراء، إلى جانب رئيس الجمهورية، لحماية الصناعة اللبنانية، وتشجيعها، وتنفيذ إصلاحات تهدف إلى خفض العجز التجاري. لكن سرعان ما غاب مصطلح الإجراءات الحمائية عن الجلسات، ليقتصر الحديث على فرض رسم خجول على المستوردات وبصورة مؤقتة، بغية رفد الخزينة ببضعة ملايين من الدولارات، وليس حماية للصناعة الوطنية من الإغراق.

نكث الوعود
ما وعد به الوزراء على المنابر وفي اللقاءات العامة نكثوه في جلسات مجلس الوزراء، وجاء اقتراح وزير الاقتصاد منصور بطيش فرض رسم 3 في المئة على كافة المستوردات ليفضح سوء النوايا وقصر النظر حيال حماية الإنتاج الوطني. فالاقتراح لاقى اعتراضاً من العديد من الأطراف، وتحفّظ عليه البعض، وكانت النتيجة إرجاء البت بموضوع فرض الرسم الجمركي، واقتصر الأمر على تشكيل لجنة وزارية لدرسه. ما يعني وضعه في الأدراج على غرار العديد من الملفات الاقتصادية.
منذ بضعة أيام استبشر الصناعيون خيراً عندما استنكر رئيس الجمهورية ميشال عون على مسامعهم تعرَض الصناعة اللبنانية للإغراق. واستغرب عون حينها أن حجم استيراد لبنان من دول الاتحاد الاوروبي يبلغ 8 مليارات و800 مليون دولار، بينما تبلغ الصادرات اللبنانية إلى أوروبا نحو 500 مليون دولار فقط. حال التعاطف تلك لم يترجمها وزراء التغيير والإصلاح داخل الحكومة، حتى أن اقتراح الوزير بطيش، وإن كان يشكّل خطوة إصلاحية "يتيمة" على مستوى القطاعات الإنتاجية، إلا أنه لا يعبّر عن تطلعات الصناعيين ولا يسدّ رمق الصناعة اللبنانية التي تتلقى الضربات من الخارج والداخل منذ سنوات.

رفض الصناعيون
يرى الصناعيون أن طرح فرض رسم جمركي بنسبة 2 أو 3 في المئة على المستوردات كافة لا يمتّ بصلة إلى مطالب وحاجات القطاع الصناعي، "بل يستهدف رفد الخزينة ببعض السيولة لا أكثر". فالحلول لأزمة الصناعة اللبنانية ترجمت بدراسات، وإطلع عليها عدد من الوزراء قبل أن توضع في أدراج مجلس الوزراء، ويتصدّرها وقف الاستيراد العشوائي، وفرض رسم نوعي حمائي على المستوردات، بمعنى فرض رسوم جمركية على كل منتج على حدة يتوافق وحالة السوق. فلا يُفرض على المواد الأساسية، في مقابل فرض رسوم تتراوح بين 10 و20 في المئة على مستوردات أجنبية منافسة لمثيلاتها في لبنان. فمعالجة الإغراق يحتل أولويات الصناعيين، إلى جانب تخفيف أكلاف الانتاج ومعالجة أكلاف الطاقة للقطاعات التي تستهلك منها بكثافة.
تلك المعالجات شبه الجذرية للصناعة اللبنانية أهملت في مجلس الوزراء، واقتصر البحث على فرض رسم 3 أو 2 في المئة على المستوردات. ورغم هزالة الطرح وعدم شموله أي إصلاحات جذرية للقطاعات الإنتاجية، إلا أنه جُبه أيضاً باعتراضات بالجملة، أحبطت إقراره إلى أجل غير مسمى.

يحاربون الصناعة
ليس مستغرباً أن يأتي الاعتراض على فرض الرسم الجمركي على المستوردات من قبل رجال أعمال وسياسيين يكرّسون أنفسهم للدفاع عن مصالح بعض الدول كمصر، وتركيا والسعودية، والاتحاد الأوروبي، وإن على حساب لبنان. إنما من المستغرب أن يأتي الاعتراض على الرسم الجمركي من قبل أهل البيت الواحد، أي من ممثلي الهيئات الاقتصادية في الحكومة وخارجها. فالهيئات الاقتصادية يتواجه أعضاؤها في ما بينهم حول الرسم الجمركي. وفي حين يتمسّك به الصناعيون ويطالبون بفرض رسوم تتراوح بين 10 و20 في المئة على المستوردات، يرفض التجّار، وبقية أعضاء الهيئات الاقتصادية الطرح، ويدعون الحكومة إلى زيادة الرسم الجمركي بمعدل 2 في المئة فقط، ولمدة ثلاث سنوات، يشمل كل الواردات باستثناء المواد الأولية للصناعة، والآليات الصناعية، والمشتقات النفطية، على أن يتم استثناء الدول التي يرتبط لبنان باتفاقيات معها، كالاتحاد الأوروبي والدول العربية (اتفاقية التيسير العربية).

مجاملة الصناعات الأجنبية
محاولة بعض أعضاء الهيئات الاقتصادية، وبعض الوزراء في الحكومة استثناء دول عربية، والاتحاد الأوروبي من الرسوم الجمركية، لا يمكن تفسيره سوى بمحاولة حماية الصناعات الأجنبية (وليس المحلية)، وحماية أعمالهم التجارية على حساب القطاع الصناعي اللبناني، لا سيما أن المادة 34 من الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي، تعطي لبنان الحق في فرض رسوم حمائية، أو ردعيّة لمدة معينة، إذا تبيّن له أنه يواجه مخاطر جديّة تستوجب تعزيز عجز الحساب الجاري. بمعنى أن الاتفاقية أعطت لبنان مساحة واسعة من الحرية لتعزيز صادراته وحماية صناعته.
إذاً لماذا لا يتم فرض رسوم جمركية؟ وما نفع فرض رسم جمركي بنسبة 2 في المئة فقط واستثناء الدول العربية والأوروبية منه؟ أمام الأرقام الصادمة للميزان التجاري للبنان لا يمكن أن تُحدث الحلول المجتزأة فارقاً، إذ بات من الضرورة اتخاذ إجراءات جذرية لحل أزمة القطاعات الإنتاجية وخفض فاتورة الاستيراد. فلبنان يستورد نحو 22 مليار دولار بشكل رسمي، وما يقارب 7 مليارات بشكل غير رسمي (وفق أرقام بعض الصناعيين)، في مقابل ذلك يصدّر لبنان بين 2.5 مليار دولار و3 مليارات دولار فقط سنوياً.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019