وداعاً للاعتمادات: التجارة الخارجيّة بخطر.. والمصارف لإفلاس "قسري"

علي نور الدين

الأربعاء 26/05/2021

تعتمد الغالبيّة الساحقة من الشركات الأجنبيّة على أنواع معيّنة من التسهيلات المصرفيّة لإتمام صفقاتها التجاريّة، وخصوصاً حين يتعلّق الأمر بالتجارة الدوليّة العابرة للحدود. مع العلم أن قوانين الكثير من الدول الأجنبيّة تحتّم إتمام هذه الصفقات من خلال التسهيلات هذه، لتفادي سيناريوهات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، أو لتفادي عمليات الغش في التجارة الدوليّة.

أشهر هذه التسهيلات هي الاعتمادات المستنديّة، التي تقوم على مبدأ وعد مصرفي تتلقاه الشركة الأجنبيّة في الخارج، بتسديد قيمة سلع معينة، بمجرّد تزويد المصرف اللبناني بمستندات تثبت شحن البضائع باتجاه لبنان، وبذلك يكفل المصرف اللبناني للشركة الأجنبيّة السداد بالنيابة عن الشركة اللبنانيّة المستوردة. في هذه العمليّة، قد تطلب الشركة الأجنبيّة كفالة إضافيّة من مصارف أجنبيّة شهيرة، تضمن إلتزام المصرف اللبناني. كما قد يطلب المصرف اللبناني من عميله –الشركة اللبنانية التي تستورد السلع- ضمانات تؤكد قدرتها على سداد قيمة الاعتماد للمصرف لاحقاً. هذه العمليّة المعقدة، تضمن لجميع الأطراف حقوقها، كما تضمن أن ترتبط التحويلات بالسلع المستوردة، ما يشكّل ضمانة بعدم وجود عمليات تبييض أموال.

وداعاً للاعتمادات المستنديّة
في نهاية الربع الأوّل من هذه السنة، ووفقاً لأرقام مصرف لبنان، لم تتجاوز قيمة الاعتمادات المفتوحة لدى المصارف اللبنانيّة مستوى 54.79 مليون دولار أميركي، في حين أن هذه القيمة كانت تتخطى حدود 315.02 مليون دولار خلال الفترة المماثلة من السنة الماضية بالضبط. مع العلم أن البلاد كانت تشهد خلال العام الماضي أزمة ضمور الاستيراد ذاتها وفقدان الثقة بالمصارف. أما إذا أردنا مقارنة هذا الرقم بأرقام ما قبل الأزمة، فيمكن العودة إلى ميزانيات عام 2019، حين بلغت قيمة الاعتماد المفتوحة في الفترة ذاتها من ذلك العام حدود المليار و918 مليون دولار أميركي. بمعنى آخر، بلغت قيمة الاعتمادات المستندية في الربع الأول من هذا العام نحو 17% من قيمة اعتمادات الفترة المماثلة من العام الماضي، وأقل من 3% من قيمة الاعتمادات المفتوحة في الفترة المماثلة من العام 2019.

ما يحدث لا يمكن تفسيره بتراجع حجم الاستيراد فقط، خصوصاً أن حجم الاستيراد لم يتراجع بهذه النسبة بين العام الماضي وهذا العام. كما لم يتراجع قطعاً بهذه النسبة الكبيرة بين العام 2019 واليوم. ما يحدث، ليس سوى نتيجة فقدان الثقة الدوليّة بالمصارف اللبنانيّة، وفقدان المصارف القدرة على فتح الاعتمادات في الخارج. وهو ما يدفعها اليوم إلى التوقّف عن تأمين هذه الخدمة لعملائها. فالشركات الأجنبيّة، لم تعد تثق بوعود الدفع الصادرة عن المصارف اللبنانيّة، خصوصاً في ظل العجز الكبير في حجم موجوداتها مقابل التزاماتها في الخارج. وحتى في حال طلب الشركات الأجنبيّة كفالات من مصارف أجنبيّة تضمن امتثال المصارف اللبنانيّة لوعود الدفع الصادرة عنها، فالمصارف الأجنبيّة لم تعد بوارد تقديم هذه الكفالات لعدم ثقتها بمصارف لبنان.

أزمة تجارة دوليّة آتية
في الوقت الراهن، يستمر مصرف لبنان بفتح الاعتمادات لشراء السلع الأساسيّة المدعومة من قبله. وهو ما يجنّب البلاد أزمة شراء هذه السلع من الخارج. لكنّ التجار في سائر القطاعات، بدأوا يعانون من أزمة كبيرة نتيجة عدم قدرة معظم المصارف اللبنانيّة على فتح الاعتمادات في الخارج. فغالبيّة الشركات الأجنبيّة ترفض تلقي السيولة النقديّة مقابل شراء السلع وتصديرها إلى لبنان، كما تحول الإجراءات التي تعتمدها معظم هذه الشركات دون التعامل بالتحويلات المباشرة.

بعض التجار اللبنانيين الكبار لجأوا إلى فتح حسابات مصرفيّة في الخارج، لتسهيل التعاملات التجاريّة وفتح الاعتمادات والاستيراد، علماً أن قبرص تمثّل اليوم المكان الأكثر انفتاحاً على التجار اللبنانيين، بسبب تقبّل المصارف القبرصيّة لفكرة فتح حسابات لغير المقيمين من دون اشتراط وجود أرصدة كبيرة. لكنّ هذا الخيار لا يعد حلاً سهلاً بالنسبة إلى غالبيّة المستوردين، بالنظر إلى حجم التكاليف المرتفعة المرتبطة بهذا النوع من الحلول، وعدم جدواه من الناحية الماليّة في حال كان حجم العمليات التجاريّة محدود.

في كل الحالات، تشير مصادر مصرفيّة متابعة لهذا الملف بأن الأزمة تزداد تعقيداً في كل يوم، بالنظر إلى تزايد إقفال حسابات المصارف اللبنانيّة لدى المصارف المراسلة، وتزايد الحساسيّة تجاه المصارف اللبنانيّة في الخارج. فعزلة المصارف اللبنانيّة في الخارج اليوم، لا تعني سوى عدم توفّر مصارف أجنبيّة يمكن أن تكفلها أمام الشركات الأجنبيّة. كما تعني تزايد النفور من الكفالات التي تقدمها المصارف اللبنانيّة لعملائها الذين يطلبون فتح اعتمادات في الخارج. مع العلم أن بعض المصارف اللبنانيّة كانت تقدّم في السابق ضمانات نقديّة لدى المصارف المراسلة لإتمام عمليات فتح الاعتمادات من دون عوائق، لكن هذا الخيار بدأ ينحسر مع التحفّظ على التعامل مع اعتمادات المصارف اللبنانيّة، حتّى في حال توفّر ضمانات نقديّة.

أزمتا سيولة وسمعة في الأسواق العالميّة
عمليّاً، يمكن القول أن المصارف اللبنانية باتت أمام أزمة سمعة كبيرة في الأسواق العالميّة. وهو ما يتسبب اليوم بكل هذه المشاكل للمصارف. لكنّ ما هو أخطر من أزمة السمعة، بات أزمة السيولة التي تهدد قدرتها على العودة لممارسة العمل المصرفي المعتاد والمنتظم. فالمصارف اليوم مدينة بما يقارب 5.95 مليار دولار في الأسواق الخارجيّة، لمصلحة المصارف المراسلة وأطراف أجنبيّة أخرى. في المقابل، لا يتخطى حجم حسابات المصارف لدى المصارف المراسلة وموجودات الخارجيّة الأخرى حدود 4.89 مليار دولار، ما يعني أن المصارف هي في حالة عجز خارجي تتجاوز قيمته المليار دولار أميركي.

هذا الواقع كان يفترض أن تعالجه عمليات بيع الفروع الأجنبيّة، وتكوين السيولة في المصارف المراسلة بنسبة 3% من إجمالي الودائع الموجودة، وفقاً لتعاميم مصرف لبنان. لكن من الواضح أن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل حتّى اللحظة. خصوصاً أن هذه الأرقام تعود إلى نهاية شهر آذار الماضي، أي بعد أكثر من شهر على انتهاء المهلة الممنوحة للمصارف بموجب تعاميم مصرف لبنان. ولهذه الأسباب، عمدت المصارف طوال الفترة الماضية إلى امتصاص الدولار من السوق المحلي عبر وسائل شتى، لتغذية حساباتها لدى المصارف المراسلة، لكن هذه المحاولات لم تنجح حتى اللحظة في انتشال المصارف من حالة العجز التي تمر بها.

الإفلاس القسري؟
حتّى اللحظة، مازال النظام المصرفي اللبناني في حالة تعثّر داخلي واضحة، لكن حالة التعثّر هذه لم تتطوّر إلى حالات إفلاس جماعيّة، بالنظر إلى الغطاء الرسمي الضمني الذي يقدّمه مصرف لبنان لجميع سياسات وممارسات المصارف بحق المودعين. لكن حالة العجز الذي تمر به المصارف في الخارج يمكن أن يتحوّل سريعاً إلى إفلاس قسري، يمكن أن تمارسه المؤسسات الماليّة في الخارج، في حال فشلت المصارف في الوفاء بالتزاماتها الخارجيّة. وفي هذه الحالة، لن تكون المشكلة فقدان المصارف القدرة على فتح الاعتمادات، بل ستشمل كذلك فقدانها القدرة على التواصل مع النظام المالي الخارجي، وهو ما سيضع البلاد بأسرها في حالة من العزلة الماليّة.

باختصار، كل ما جرى ليس سوى نتيجة رفض المصارف نفسها إجراء أي تصحيح فعلي لوضعيتها الماليّة، بقرارات يمكن أن تحدد الخسائر وتعالجها بشكل جذري. أما الحصيلة اليوم، فهي تحوّل المصارف إلى صناديق إيداع وسحب فقط، من دون أن تتمكّن من تنفيذ أبسط العمليات المصرفيّة المطلوبة منها على صعيد تمويل التجارة الدوليّة، ناهيك عن فقدانها القدرة على تقديم التسليفات أو استقطاب الودائع بسبب مشكلة السيولة التي تمر بها.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021