بعد اختفاء الودائع: ذهب مصرف لبنان بخطر

علي نور

الجمعة 09/10/2020

دخل الذهب المودع لدى مصرف لبنان دائرة الاستهداف مجدداً، بعد حديث النائب السابق للحاكم، محمد بعاصيري، عن إمكانيّة رهن هذا الذهب، الذي قدّر حجمه بـ10 ملايين أونصة، تبلغ قيمتها نحو 18 مليار دولار، من أجل تمويل عمليّة التعويض على المتضررين من انفجار مرفأ بيروت.

أهميّة كلام بعاصيري اليوم، تكمن في خروجه من فم أحد المسؤولين التاريخيين في المصرف المركزي، علماً أن الرجل عمل كرئيس للجنة الرقابة على المصارف لحوالى عشر سنوات، وكأمين سر لهيئة التحقيق الخاصة لأكثر من تسع سنوات، فيما أمضى عشر سنوات كنائب لحاكم مصرف لبنان. باختصار، نحن نتحدّث هنا عن تصريحات حسّاسة، تعود لشخص أمضى من الوقت في مواقع الصف الأول في مصرف لبنان أكثر من رياض سلامة نفسه. مع العلم أن مرافقة بعاصيري لسلامة خلال اجتماعه مع السفير السعودي منذ فترة، أعطى الانطباع باحتفاظ بعاصيري بتأثيره على الساحة الماليّة، حتّى بعد مغادرته لمنصبه كنائب للحاكم، وهو ما يعطي كلامه حول الذهب اليوم أهميّة إضافيّة.

طمع محلّي ودولي
في كل الحالات، ورغم أهميّة كلام بعاصيري اليوم، بالنظر إلى الأدوار التي اضطلع فيها سابقاً، يمكن القول أنّه ليس الشخصيّة المصرفيّة الأولى التي تطرح المساس باحتياطي الذهب، كإحدى الطرق لمعالجة بعض الأزمات الماليّة. فمنذ حصول الانهيار المالي في تشرين الأوّل الماضي، اندفعت شخصيّات مصرفيّة وماليّة عديدة للسؤال عن جدوى عدم التصرّف بهذه الاحتياطات، باعتبار أن أسوأ السيناريوهات قد حدثت فعلاً، وعلى قاعدة أنّه إذا كان هدف احتياطي الذهب إبقاءه لليوم الأسود، فاليوم الأسود هو ما نعيشه الآن فعلاً. وفي الواقع، يمكن فهم هذا الاهتمام المصرفي بمسألة الذهب، في كونه يمثّل أحد المصادر المتوفّرة لضخ السيولة بالعملة الأجنبيّة في ميزانيّات مصرف لبنان بالتحديد، المدين بدوره للمصارف. وهو ما يمكن أن يقلّص حجم الفجوة الموجودة في ميزانيات المصرف المركزي، والتي ستتحمّل جزء منها المصارف في المرحلة المقبلة.

وعمليّاً، أصبح من الواضح أيضاً أن جزءاً أساسياً من الجانب المالي للمبادرة الفرنسيّة، انصب منذ البداية على فتح دفاتر مصرف لبنان وتدقيقها، مع تركيز استثنائي على أهميّة التأكّد من حجم احتياطات الذهب الموجودة، وخصوصاً بعد أن تبيّن أن شركات التدقيق الأجنبيّة التي كان يلجأ إليها مصرف لبنان سابقاً، فشلت في جرد هذا الجزء من موجودات مصرف لبنان. علماً أن المباحثات مع صندوق النقد الدولي تطرّقت أيضاً إلى وضعيّة وقيمة هذا الجانب من موجودات مصرف لبنان، من دون أن يتطوّر الحديث إلى مرحلة اقتراح صيغ للتصرّف بالذهب أو رهنه، بالنظر إلى تعثّر المفاوضات قبل الوصول إلى مراحل متقدمة في الحديث عن المعالجات التي سيتم اعتمادها على المدى المتوسّط. وعمليّاً، يمكن القول إن كل هذا الاهتمام بملف احتياطي الذهب الموجود في مصرف لبنان، ينطلق من كونه إحدى الضمانات المحتملة، التي يمكن للبنان أن يقدمها في مسار البحث عن مصادر التمويل الخارجيّة.

هدر "الطلقة الأخيرة"
في الواقع، يمكن القول إنّه وبغياب أي خطّة ماليّة مضمونة، تكفل استعادة النظام المالي لملاءته وسيولته، بالتوازي مع تطبيق الإصلاحات واستقدام التمويل الخارجي، فإن أي رهن للذهب بهدف الحصول على القروض من الخارج، سيعني عمليّاً التفريط به، ومصادرته لاحقاً بعد التعثّر من جديد. وهو ما يعني هدره على النحو الذي هُدرت فيه ودائع اللبنانيين التي أودعتها المصارف في المصرف المركزي. مع العلم أن بيع جزء من الذهب سيعني النتيجة ذاتها لاحقاً، من خلال تبديد عوائد هذا البيع بالطريقة ذاتها. ولذلك، فمن الواضح أن الحديث عن التصرّف بالذهب في هذه المرحلة بالذات، لا يهدف إلا لزيادة المعروض من موجودات الدولة ومصرف لبنان وممتلكاتهما، بهدف تحميل هذه الأصول أقصى قدر من الخسائر الناتجة عن الانهيار المالي، في مقابل تخفيض القدر الذي ستتحمّله الأطراف الباقية، كالرساميل المصرفيّة مثلاً. ومن هنا، يمكن فهم هذا النقاش في كونه جزءاً من التجاذب الحاصل على خلفيّة توزيع الخسائر بين الأطراف المختلفة، لا بوصفه استخداماً للذهب كأداة للمعالجة الفعليّة.

أخطر ما في الموضوع، هو أن احتياطي الذهب يمكن أن يمثّل فعليّاً الطلقة الأخيرة التي يمكن يلجأ إليها لبنان في مرحلة لاحقة ومتقدّمة، باستخدامه كضمانة عينيّة مقابل قروض أو توظيفات منخفضة الفوائد، إنما وفقاً لخطّة متكاملة ومتينة، تكفل سداد هذه القروض لاحقاً والاحتفاظ بملكيّة هذا الذهب. أما طرح الموضوع اليوم، وفي ظل السجال الحاصل حول توزيع الخسائر، وأمام التخبّط الحاصل بين مختلف أطراف الأزمة من دولة ومصارف ومصرف مركزي، فلا يعني سوى التفريط بهذه الطلقة الأخيرة ورميها في الهواء، لمجرّد استخدامها لإطفاء بعض الخسائر أو شراء بعض الوقت، من دون وجود ما يكفل بالخروج من الأزمة لاحقاً.

ولكل هذه الأسباب، يوصي الكثير من الخبراء اليوم بسحب هذا الموضوع من دائرة النقاش، بانتظار تبلور الصورة على مستوى الخطّة الماليّة، التي ستلجأ اليها الحكومة المفترضة بالتفاهم مع صندوق النقد، والدائنين الأجانب الذين ينتظرون هذه الخطّة لإعادة هيكلة سنداتهم. وعند تكوين خريطة الطريق هذه، وتحديد نسبة الخسائر التي سيتحمّلها كل طرف في مسار الخروج من الانهيار المالي القائم اليوم، يمكن التفكير لاحقاً في الصيغ التمويليّة المطلوبة، والتي لن تحتاج إلى تقديم ضمانات كالذهب أساساً، كون الحصول على التمويل الخارجي سيكون متاحاً، بمجرّد تقديم خطّة ذات مصداقيّة مصحوبةً بالإصلاحات التي جرى الحديث عنها طوال الفترة الماضية.

الصيغة التي طرحها بعاصيري في المقابلة التلفزيونيّة لا تلحظ استخدام الذهب بشكل استراتيجي ومدروس، على قاعدة رهنه لاستقدام القروض الكفيلة بإخراج لبنان من أزمته، وفقاً لخطة واضحة، ودفع القروض لاحقاً للمحافظة على الذهب. بل إن بعاصيري وعلى العكس تماماً، ذهب لطلب رهن الذهب مقابل الحصول على تمويل لإنفاق لا علاقة له بالأزمة النقديّة أو الماليّة لا من قريب ولا من بعيد، كما لا يصب هذا الإنفاق في إطار خريطة طريق، تهدف إلى الخروج من المأزق المالي. لا، بل تكمن الغرابة في ما قاله بعاصيري في أنّه يطالب بتبديد موجودات واحتياطات استراتيجيّة مملوكة من المصرف المركزي، لتمويل مسائل مفترض أن تتحمّل مسؤوليّتها الحكومة وميزانيّتها العامّة، والمساعدات التي يجب أن تعمل على استقدامها.

هل يفعلونها؟
من المؤكّد أن أي مساس بإحتياطات الذهب الموجودة، سيحتاج إلى مسار تشريعي في مجلس النوّاب، كون القانون رقم 42 الصادر عن مجلس النواب سنة 1986 يمنع المساس بهذه الاحتياطات أو التصرّف بها "مهما كانت طبيعة هذا التصرّف وماهيّته، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة". لكنّ إنحياز الغالبيّة الساحقة من الكتل النيابيّة، لا بل يمكن القول جميع الكتل النيابيّة الوازنة في المجلس، لأولويات المصارف في نقاشات لجنة المال والموازنة، يكفي لإثارة المخاوف من إمكانيّة إقحام هذا الإحتياطي في مناورات، يمكن أن تفضي في المحصّلة إلى الإطاحة بهذه الورقة الاستراتيجيّة التي يملكها لبنان.

في المحصّلة، يمكن القول أن ذهب لبنان الأصفر يجب أن يكون ليومه الأسود، لكنّ هذا لا يعني الاستسهال في التفريط بهذا الذهب لإطفاء خسائر الانهيار وإبعاد شبح الاقتصاص من الرساميل عن المصارف، التي ساهمت قراراتها الاستثماريّة بالوصول إلى الواقع الذي نعيشه اليوم. كما أن ذلك لا يعني المسارعة بتبديد هذه الثروة لشراء بعض الوقت قبل العودة إلى الإنهيار مجدداً، أو رميها في مزاريب الهدر والفساد، على قاعدة: بيع الذهب أو الجوع.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020