عاميّةُ لبنان ستنتصر

عصام الجردي

الأحد 20/10/2019

بات في وسع اللبنانيين أن يحلموا بالتغيير الحقيقي وبوطن يستحقهم ويستحقونه. لقد انكسر الإناء الطائفي القذر، الذي ولغ منه نظام سياسي طائفي، فاسد ومنحطّ أخلاقيًا. بات في وسعهم بناء وطن من جديد لم نعرفه مستدامًا ومستقرًا منذ الاستقلال 1943.

إنها الأيام البيض، بياض شلاّلات جزين التي نعق عليها غراب جزين الأسود والبطانة. بات في وسع اللبناني أن يحلم كما حِلم مارتن لوثر كينغ ذات يوم وتحقق حلمه. أن يحلم بمجتمع الكفاية والعدالة والرفاه وسلطة القانون. وبات في وسعه أن يناضل في سبيل استقلال وطنه وسيادته الحقّة النظيفة ضد كل أعدائه وفي مقدمهم العدو الصهيوني. يمتلك الشعب حرية الدفاع عن نفسه ضد نظام جائر وفاسد، وعن حقوقه الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فيمتلك حق الدفاع عن الوطن. كل الأنظمة الديكتاتوية الفاسدة منقوصة السيادة. من يقول غير ذلك أفّاكٌ كذوبٌ. يستجير بالدفاع عن الوطن ضد عدوٍ حقيقي أو وهمي، شمّاعةً لممارسة القمع الداخلي وتعميق منظومة فساد السلطة والحكم والتخلف. ومن التاريخ نقتبس، أن ما من عدو تمكن من وطن فيه شعبٌ متماسك، وحقوقه موفورة، وحكم عادل يحظى بثقة شعبه. وغير ذلك إلى حين.

الصدمة
كان الوضع يحتاج إلى صدمة. وكانت الصدمة منتظرة بكيمياء السياسة وعلم الاجتماع. إنسّد الأفق في وجه كل الحلول، لرفع الجور عن الناس، وأزماتهم المعيشية، والصحية، والتعليمية، والبيئية والإنسانية. السلطة، وفي يدها كل مقاليد البلاد والعباد، عجزت عن ابتكار حلول للأزمة المالية والنقدية والاقتصادية. ليس لعلّة الجهل، بل كان عليها أن تجيب عن سؤال بسيط وواضح. هل هي مستعدّة للتخلي عن امتيازات مالية ونفعية تحصّلت عليها من مال المكلف اللبناني وحقوق الخزانة وممارسة الوظيفة السياسية؟ هل مستعدة لوقف تغولها في الاستيلاء على مفاصل الإدارة العامة وحشد أزلامها ومحاسيبها؟ هل مستعدة حدًا أدنى لرفع يدها عن القضاء، تتركه يعين هيئاته ليستقل بمنطوق الدستور، ويمارس أعماله في منأى عن السلطة السياسية؟ وهل مستعدة للسلوك نفسه مع هيئات الرقابة والمحاسبة؟ لا، قالوا لنا. نحن الحكم والحكومة. باسم حقوق الطائفة والطوائف نحكم. وواقع الحال، أن الناس من كل الطوائف. ويريدون حقوق المواطنة لا التنفّع كالزبائن.

عندما شحّ المال ودهم عصر القلّة، لم يستشعروا ولوجنا النفق المظلم منذ 2017. لا إصلاح. ولا موازنات دستورية. وعار الكهرباء أزلي. وكل أجراس الانهيار التي قُرعت بالآذان الصمّاء ووجهت. وأكثر من ذلك، راح أرعن غشيت أبصاره سلطة ليست له، يستجرها من رئيس مجلس وزراء قرر التنازل عن صلاحياته خلافًا للدستور، يذَر الفتن الطائفية بين اللبنانيين، ويهدد بـ"قلب الطاولة" وهي مقلوبة في الأساس. وبـ"النهر الجارف" وتداعى له نظراء على النحو والشاكلة.

ماري أنطوانيت
كل العناصر الموضوعية تراكمت لإحداث صدمة بحجم انفجار غير محدّد المعالم سلفًا. لم يعد ينبض شيء في لبنان إلاّ بالسوء. ليس من داع لسردية البلايا ومظاهرها ونتائجها. على البشر والحيوات. والمعيشة والبيئة. وعلى حقوق الانسان بالعمل، والرغيف والعلم والصحة وسقف المنزل. وعلى مدونة السلوك الحسن بأكملها. في عصر العضاريد المناكيد، يظن الحمقى إنهم ينالون من الحرية أيضًا بعدما سلبوا الرغيف. يستلهمون ماري أنطوانيت التي قالت ليأكل الشعب البسكويت بعدما عزّ عليه الخبز وسط أزمة مالية في فرنسا. تجاهلها زوجها لويس السادس عشر. عاقبهما الشعب الفرنسي بالمقصلة التي أعدّاها له.

لبنان في عامية غير مسبوقة منذ إعلان دولة لبنان الكبير قبل مئة عام. ليس بحجم المشاركين المليوني فحسب، بل بكسر المحظور الطائفي أولًا، وكسر الحاجز المناطقي في كل لبنان. لا يمكن أن يكون ما بعد هذه الثورة الشعبية الراقية كما قبلها. أهميتها إنها تعبير عفوي عن السخط والجور والمهانة التي لحقت بالشعب. حتى بعض الأحزاب التي اشتركت فيها كانت أعجز عن رفع شعارات غير العلَم اللبناني. والمحتجون أسرٌ بكاملها، وشبابن وصبايا، وطلّاب وطالبات، وشيبٌ من كل الأعمار. ومن شرائح متنوعة علميًا وثقافيًا واجتماعيَا. هذا هو الشعب اللبناني. اللبنانيون في المغتربات تضامنوا أيضًا. مرعوبون سدنة النظام وزبائنهم. لا أصدق أن واحدًا من أحزاب السلطة والأوليغارشيا قرير البال هذه الأيام المجيدة في تاريخ الشعب والوطن. وليس بالضرورة أن يكون راهنًا في الحكومة. المخرز الطائفي صديءٌ، رغم محاولات استخدامه كالعادة من زبائن السلطة. بهيٌ هذا المشهد وحضاري. لم نشهد مثيله في فرنسا موليير وروسو وفولتير في تظاهرات السترات الصفر.

ماذا بعد؟ هذا هو التحدي. هذه الثورة نواة وبداية تغيير ما استحق تغييره من زمان. النظام السياسي لدولة عادلة مدنية لا طائفية. تبدأ بقانون انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي. وعلى أساس جغرافيا الثورة دائرة واحدة من كل المحافظات اللبنانية كي يكون النائب ممثلًا الأمة جمعاء بحسب مقدمة الدستور. وليأتِ من يأتي. يعقبها حكومة نواتها من الكفايات العلمية والثقافية المشاركة في الثورة المدنية الحضارية. تتولى التصدي للملفات الاقتصادية والاجتماعية. العفوية التي اتسمت بها الثورة، والنأي بها عن الشعارات الحزبية اللذين أمدّاها بهذا الزخم الشعبي الكبير، وبالجسارة على المخرز الطائفي المسموم، لا يحولان دون أن تفرز الثورة قيادة موقتة. أو لجنة مسؤولة، تضع إطارًا تنظيميًا مرنًا وموقتًا للتنسيق بين المركز وبين المناطق اللبنانية للمرحلة الثانية. سواءٌ لمتابعة مسار الحكم والحكومة وتوجههما، أو لصوغ رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية للعمل عليها. فيها عناوين لمؤتمر شعبي يتبنى رؤية وطنية عامة تحدد الأهداف بشفافية وعلمية. وينتخب قيادة جمعية.

بقيت قضيتان. الأولى الحفاظ على سلمية الثورة ومدنيتها. السلطة لن تسلّم بالأمر الواقع بسهولة. والمسيرة طويلة على مراحل. لن يبلغ الحمق بها العبث في الشارع على امتداد لبنان. فحذارِ الطابور الخامس. وفي الغالب الأعم يكون من أصحاب "الجملة الثورية" للتمويه. وهم موجودون على الأرض الآن. يتحينون فرص القسمة والفتنة. القضية الثانية، أن الساعة على توقيت استحقاقات مالية خطرة يواجهها البلد. هناك أمور واقتراحات قيد الدرس حكوميًا، لإمرار الوقت بأقلّ الأضرار الممكنة. يمكن التعامل معها بانتظار معرفة مصير الحكومة. "أعمار الطغاة قِصارُ" على ما نظم محمد مهدي الجواهري. الشعب باقٍ حرًا كريمًا.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019