داتا البطاقة التمويليّة: كنز من البيانات الانتخابيّة والاستخبارية

علي نور الدين

الثلاثاء 14/09/2021

يبلغ عدد الأسر المقيمة في لبنان نحو 1.267 مليون أسرة. من بين هؤلاء، سيستفيد نحو نصف مليون أسرة من مشروع البطاقة التمويليّة. في منصّة واحدة، وقاعدة بيانات واحدة، سيكون هناك معلومات تغطّي 40% من أسر لبنان، مبوّبة حسب القضاء والقرية والمدينة والحي، تحتوي على ما يلي: دخل العائلة، حجم الأموال في حساباتها المصرفيّة، عدد سياراتها وتاريخ تسجيلها وتاريخ صنعها، كلفة إيجار المنزل، الملكيات العقاريّة، وجود مدبّرة في المنزل، استفادة الأسرة من تحويلات ماليّة من الخارج، وجود مسنّين أو أحد أصحاب الاحتياجات الخاصّة، وجود من يعانون من أمراض مزمنة أو مستعصية، بالإضافة إلى عدد أفراد الأسرة وعدد العاملين فيها ونوع عملهم.. إلخ. وإذا أضفنا لوائح العائلات المستفيدة من البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً، وسائر برامج المساعدات، التي تتطلّب اليوم هذا النوع من المعلومات، فستكون داتا الغالبيّة الساحقة من الأسر اللبنانيّة بيد عدد محدود من منصّات المعلومات.

أخطر داتا في تاريخ الجمهوريّة
من الناحية العمليّة كل المعلومات المشار إليها أعلاه موجودة في قواعد بيانات مختلفة، لكن بشكل منفصل وفي حدود اختصاص الجهة التي تملكها. فداتا الحسابات موجودة في المصارف، وسجل ملكيّة السيّارات موجود في النافعة، أما ملكيّة العقارات فمسجّلة في السجل العقاري، وهكذا دواليك بالنسبة إلى سائر البيانات.

الخطير في ما يجري اليوم، هو أن كل هذه المعلومات المتعلّقة بالأسر التي يتم تسجيلها في منصّات المساعدات، ستكون موجودة في مكان واحد، بعد أن يتم تجميعها من مصادرها والتحقق منها، ومن ثم ربط المعلومات المتعلّقة بكل أسرة في ملف واحد. وبذلك، تصبح عمليّة تجميع البيانات التي تتم اليوم هي الأكبر في تاريخ لبنان، من ناحية عدد الأسر المستهدفة دفعة واحدة، والأكثر شمولاً من ناحية نوعيّة المعلومات التي يتم تجميعها. باختصار، تمثّل هذه المعلومات أخطر قاعدة بيانات في تاريخ الجمهوريّة اللبنانيّة.

تساؤلات كبيرة
من حيث المبدأ، يفترض أن تقوم هذه البرامج بالتحقق من وضعيّة الأسر الاجتماعيّة قبل منحها هذه المساعدات. لكن هل ثمّة من سأل اليوم عن الطريقة الفوضويّة التي تُدار بها الداتا المجمّعة بهذا الشكل؟ هل ثمة من التفت إلى الآليّات المشبوهة التي تم اعتمادها لاختيار المنصات، وعن معايير الأمان الهشّة جدّاً المتبعة فيها؟ هل يدرك المعنيون أن هذه الداتا تمثّل اليوم كنزاً انتخابياً، طالما أنها تفصّل توزّع الأسر وحاجاتها وأوضاعها المعيشيّة؟ بكل بساطة، طريقة إدارة هذه البيانات اليوم، وطريقة اختيار الأنظمة المعلوماتيّة المعتمدة، بما فيها المنصّة نفسها، لا تبشّر بالخير. لا، بل وتنذر بعواقب وخيمة لاحقاً. مع الإشارة إلى أن المعنيين امتلكوا الكثير من البدائل التي تؤمّن حماية أفضل لهذه المعلومات، أو تكفل ربط الداتا بين قواعد بيانات مختلفة ومنفصلة، لتقليل مخاطر إساءة استعمالها، لكن ذلك لم يتم.

آليّة جمع المعلومات المشبوهة
يشير خبراء إدارة المعلومات إلى أن التورّط في تجميع الداتا بهذا الشكل لم يكن ضروريّاً منذ البداية. إذ كان بالإمكان مثلاً الإبقاء على هذه المعلومات ضمن قواعدها الأساسيّة، مع العودة إليها لاحقاً للتأكّد من مطابقة الطلبات لشروط الاستفادة من المساعدات، من دون نقل هذه المعلومات وتجميعها في منصّة واحدة وقاعدة بيانات واحدة. فعلى سبيل المثال، يمكن مراجعة سجلات النافعة للتأكّد من مطابقة عدد السيارات المملوكة وطرازها لشروط الاستفادة من البطاقة، من دون نقل هذه المعلومات إلى قاعدة بيانات البطاقة التمويليّة. لكنّ هذا الخيار لم يتم البحث فيه منذ البداية، ما يدل على إصرار من قبل المعنيين على تكوين قاعدة البيانات الموحّدة والخطيرة هذه، وبأدنى معايير الأمان الرقمي التي تتيح إساءة استعمالها.

أما المسألة المستغربة، فهو عدم تطرّق جميع نقاشات اللجان الوزاريّة التي سبقت إقرار خطة البطاقة التمويليّة إلى مسألة إدارة هذه البيانات وطريقة التعاطي معها، رغم دخول هذه اللجان في تفاصيل المشروع المملّة من ناحية طريقة تمويل المشروع ومعايير توزيع البطاقات وطريقة إدارة المشروع. ولهذا السبب، يعتقد كثيرون أنّ عدم تحديد معايير لحماية المعلومات كان متعمّداً منذ البداية، لفتح المجال أمام استعمال هذه المعلومات لغايات أخرى.

شكوك في طريقة اختيار المنصّة
بالنسبة إلى البطاقة التمويليّة، سيتم اعتماد منصّة Impact لتجميع المعلومات المتعلّقة بالأسر اللبنانيّة، وهي نفسها المنصّة التي تم اعتمادها لإدارة عمليّة تلقيح المقيمين ضد وباء كورونا. حكاية هذه المنصّة بدأت يوم استفاقت حكومة حسّان دياب على وجود هذا التطبيق بحوزة التفتيش المركزي، وعلى إمكانيّة استخدامه لتنظيم عمليّات التلقيح. في تلك الفترة حذّرت الأجهزة الأمنيّة من استعمال هذا التطبيق، نظراً لاعتماده على أجهزة "سيرفير" موجودة في الخارج، يصعب ضبطها أو مراقبة الجهات التي ستملك الولوج إليها. لا بل أكّدت اللجنة الأمنيّة التي اجتمعت لدراسة الموضوع أن المنصّة لا تملك أدنى معايير الأمن السيبراني، الذي يفترض أن يحمي خصوصيّة المسجّلين عليها.

ورغم كل هذه التحذيرات، قررت وزارة الاقتصاد المضي باستعمال هذه المنصّة لتنظيم عمليّة التلقيح، من دون بذل أدنى جهد للتعامل مع هذه الهواجس. أما المسألة الأغرب، فكانت اختيار المنصّة لاحقاً لتنظيم عمليّة جمع معلومات أكبر وأخطر وأكثر حساسيّة، من خلال تخصيصها لتقديم طلبات البطاقة التمويليّة. مع الإشارة إلى أن أحداً لم يكشف حتّى اللحظة الجهة التي تدير أجهزة السيرفير في الخارج، وطريقة إدارة هذه الأجهزة، والضوابط التي تمنع التسلل إليها أو اختراقها. وفي الوقت الذي كان بإمكان وزارة الاتصالات العمل على نقل عمليّة حفظ الداتا إلى أجهزة أخرى موجودة في لبنان، بضوابط أمنيّة واضحة، قررت الوزارة لأسباب مجهولة أن تبقي الأمور على هذا النحو الملتبس.

وفي كل الحالات، لم تكشف وزارة الاقتصاد حتّى اللحظة عن الجهة التي قامت بتصميم هذه المنصّة، وعن طريقة عملها بالتفصيل. فكل ما نعرفه حتّى اللحظة هو أن هذا التطبيق جرى إعداده من خلال هبة بريطانيّة في الماضي، من دون أن تتضح هويّة من قام بالعمل على هذا التطبيق.

الشفافيّة المعدومة
في الخلاصة، اتسمت إدارة هذا الملف بانعدام الشفافيّة في جميع المراحل: من طريقة تصميم المنصة إلى آلية اختيارها مرتين، وصولاً لكيفيّة تجميع المعلومات وأماكن حفظها. ومع ذلك، قلما يسمع المتابعون بهذا النوع من التساؤلات اليوم، ربما بسبب عدم اهتمام الرأي العام كثيراً بمسائل كالخصوصيّة وأمن المعلومات.

لكن في وقت قريب جداً، وعلى أعتاب الانتخابات النيابيّة، سيكتشف الجميع نوعيّة الكنز الذي ستحصل عليه الأحزاب السياسيّة في جميع المناطق، من خلال داتا توثّق في كل دائرة انتخابيّة لوائح الأسر ووضعها الاجتماعي، وقدراتها الماليّة وحاجاتها المعيشيّة. هنا، سيكون استهداف هذه الأسر بأدوات الزبائنيّة  السياسيّة مسألة أسهل وأبسط، بالإضافة إلى استخدام البطاقة التمويليّة نفسها لهذه الغايات.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021