أزمة البنزين: تخزين استباقي قبل رفع الأسعار المحتوم

خضر حسان

الثلاثاء 08/09/2020
طوابير سيارات أمام محطات المحروقات. بعض المحطات رفعت خراطيمها وأعلنت عدم توفّر البنزين والمازوت. دعواتٌ على مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الواتساب، لتخزين ما يمكن من المحروقات، تحضيراً لأزمة مؤكّدة تختلف حدّتها عمّا سبق من أزمات. ذلك لأنّ المرحلة المقبلة ستكون أسوأ، وهي مقرونة باعتراف رسميّ من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بأن دعم استيراد المواد الأساسية، وعلى رأسها المحروقات، سيتوقّف.

توفير الدولار للاستيراد
لم تفرغ خزّانات المستوردين والموزّعين فجأة. ما زالوا يملكون مخزوناً يقي المستهلكين شرّ الطوابير والتزاحم والاقتتال أحياناً. والأهم، يسحب حجّة رفع الأسعار من أمام بعض أصحاب المحطات، الذين يجتهدون في إصدار فتاوى شخصية، تبيح لهم رفع الأسعار وتجاوز جدول الأسعار الأسبوعي الصادر عن وزارة الطاقة.

الخزانات تعجّ بالمحروقات، لكن القلق المتزايد من عدم توفير الاعتمادات بالدولار، يدفع إلى التمسّك بكل قطرة محروقات متوفّرة، بهدف رفع أسعارها في المستقبل القريب، تماشياً مع تقلّبات أسعار الدولار.. والأخير يتحضَّر بدوره لبلوغ معدّلات أعلى مع غياب كافّة المؤشّرات الإيجابية المساهِمة بانخفاضه.

ومن هنا، يحاول أركان قطاع المحروقات، عدم التفريط بالكميات المتوفّرة تفادياً لتحمّل عبء توفير الدولار للاستيراد. فهؤلاء يفضّلون تحميل المستهلك عبء توفير الدولار، أو دفع ثمن الوقود بالليرة، وفق سعر صرف السوق السوداء التي يتم تأمين الدولار وفقها، وليس وفق السعر الرسمي المحدد من قِبَل مصرف لبنان. والسياسية الحمائية الخاصة التي يعتمدها أهل القطاع، من مستوردين وموزّعين وأصحاب محطّات، تنذر المستهلكين بأن عليهم أيضاً البحث عن طرق لتأمين أكبر كمية ممكنة من المحروقات قبل انفلات الوضع، بعد أقل من ثلاثة أشهر. فحينها، سيكون من الأصعب، تأمين الدولار، إذ سيرفع الطلب المتزايد أسعاره.

إلى حين بلوغ السيناريوهات المتوقَّعة، يستمر تأمين الدولار لاستيراد المحروقات، من خلال الاعتمادات المدعومة من مصرف لبنان. وهو ما أكّده ممثل الشركات الموزعة للمحروقات في لبنان، فادي أبو شقرا، يوم الثلاثاء 8 أيلول، حين أعلن "حل مشكلة الاعتمادات"، وبالتالي "سيتم تسليم مادة البنزين إلى المحطات على الأراضي اللبنانية كافة".

الأسعار سترتفع بالتأكيد
تأمين الاعتمادات الدولارية لن يطول. وما يزيد الوضع تعقيداً، هو غياب الخطط المستقبلية التي ستعالج الحكومة الوضع الجديد على أساسها.

أكثر ما يثير القلق، هو الغموض الذي يلفّ الفترة الانتقالية بين حكومة تصريف الأعمال برئاسة حسّان دياب، والحكومة الجديدة التي يعمل الرئيس المكّلف مصطفى أديب على تشكيلها. فالوقت يضيع في زحمة الصراعات السياسية تحت المظلّة الفرنسية، التي تراعي بدورها المصالح الدولية. فزبدة الكلام بالنسبة للمجتمع الدولي، هو الوصول لتحاصص مقبول، وليس رعاية شؤون اللبنانيين.

وقبل حلّ الملف السياسي، لا حلّ للمشكلة الاقتصادية والنقدية. وبالتوازي، لا حلّ لأزمة المحروقات المحكومة بتوفير الدولار للاستيراد. وبكلام آخر، فإن أسعار المحروقات ستستمر بالارتفاع إلى أن يجد المعنيون آلية لتوفير الدولار. وهو أمر ملقى على عاتق حكومة أديب المُطالَب بالتشكيل السريع للحكومة، لتسهيل التواصل مع المجتمع الدولي "كشرط لفك القيود عن الأموال التي يمكن تمويلنا بها من الخارج، لأن هذا الحل هو الأمل الوحيد المتاح لنا اليوم"، وفق ما يراه رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات في لبنان سامي البركس.

مهلة الأشهر الثلاثة
بالتوازي، يحذّر رئيس تجمّع الشركات المستوردة للنفط، جورج فياض، من أن ارتفاع أسعار المحروقات "سيصبح واقِعاً لا مفرّ منه. لأن الاستيراد يتم بالدولار حصراً، والدولار شحيح ويخضع لتقلّبات متواصلة تفرض التقلّب في تأمين المحروقات وتسعيرها".

وفي حديث لـ"المدن"، ينطلق فياض من التأكيد الدائم لرفع الدعم، فيستغرب عدم تحرّك الدولة لوضع آليات تدير الأزمة الآتية، خاصة وأن حاكم مصرف لبنان أعطى مهلة ثلاثة أشهر لانتهاء الأموال الممكن استعمالها لتمويل استيراد السلع الأساسية. وينفي فياض الاتهامات الموجّهة إلى القطاع المحروقات، والتي تلقي عليه مسؤولية رفع الأسعار أو شح التموين. فيلفت النظر إلى أن القطاع يستورد ويوزّع ويبيع المحروقات، وبغياب الدولار ستتعثّر هذه العملية، ولذلك على الدولة أن تضع برنامجاً يستبق الأزمة، لا أن تحاول معالجة تداعياتها حين نقع بها، إذ حينها، يكون الأوان قد فات.

تحليلات كثيرة وتوصيفات لواقع السلطة السياسية وكيفية إدارتها للأزمات، كلّها لم تعد مفيدة. فتأمين الدولار هو المطلوب. وهذا أمر مستحيل في ظل ما تمر به البلاد.. لذلك، أسعار المحروقات، بالحدّ الأدنى، ستتضاعَف عمّا هي عليه الآن.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020