استحقاقات داهمة بالعملة الصعبة: الخناق يضيق

علي نور

الإثنين 15/04/2019

حتّى اللحظة، مازالت السلطة السياسيّة تتمسّك بخيار التأكيد على الحفاظ على حقوق الدائنين، في ما يخص الدين العام وخدمته كما هي، بعيداً عن تداول أي مقاربات بديلة، رغم اشتداد الأزمة على الاقتصاد اللبناني. لكنّ تنامي عوامل الأزمة في بداية هذا العام، وبالأخص لجهة تراجع المؤشّرات الماليّة، يترافق مع استحقاق كتلة وازنة من سندات الدين العام في الأشهر المقبلة. وهو ما يطرح أسئلة جديّة عن طرق تعامل الدولة مع استحقاقات  الدين هذه، خصوصاً في ما يتعلّق باستحقاق سندات اليوروبوند، بالدولار الأميركي.

التحدّي الأخطر
حسب أرقام وزارة الماليّة، في تقرير "الدين وأسواق الدين"، يستحق خلال سنة 2019 ما قيمته 16.34 مليار دولار من سندات الدين السيادي وفوائدها. تتوزّع بين سندات الدين بالليرة اللبنانيّة وسندات اليوروبوند بالدولار الأميركي. ومن أصل هذا المبلغ الكبير، يتركّز 11.26 مليار دولار في سندات الدين بالليرة اللبنانيّة وفوائدها، وهي سندات لا يجد لبنان حاليّاً كثيراً من الصعوبة في إعادة تمويلها، بعد اتفاق مصرف لبنان ووزارة الماليّة في الفترة الماضية على عودة المصارف إلى الإكتتاب في هذه السندات، مقابل رفع فوائدها. مع العلم، أن شروط مصرف لبنان الجديدة، التي تفرض على المصارف تخفيض قروضها بالليرة اللبنانيّة، مقابل الودائع سيخلق وفرة في السيولة لديها بالليرة، قادرة إمّا على تمويل الإكتتاب بسندات الخزينة بالليرة بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر، من خلال توظيفها في مصرف لبنان، الذي يقوم عادةً باستعمال السيولة لشراء سندات الخزينة.

لكنّ التحدّي الأكبر اليوم، يكمن في تمويل استحقاقات  سندات اليوروبوند، وهي سندات الدين العام المتداولة بالعملة الصعبة. فتمويل هذه الاستحقاقات  يرتبط بشكل كبير بتوافر العملة الصعبة. مع العلم، أن لبنان شهد تفاقم أزمة التحويلات من الخارج في بداية العام، مع تسجيله عجزاً قياسياً في ميزان المدفوعات بلغ الـ1.93 مليار دولار، منذ بداية العام ولغاية شهر شباط. وقد ظهرت آثار هذه الأزمة في أرقام القطاع المصرفي الذي تراجعت ودائعه بالعملة الصعبة بحوالى واحد في المئة، بالنسبة إلى ودائع المقيمين، و2.76 في المئة، بالنسبة إلى ودائع غير المقيمين. ومن ناحية أخرى، أصبحت سيولة المصارف بالعملة الصعبة مرتبطة، إلى حد كبير، بتوظيفاتها لدى المصرف المركزي، في إطار الهندسات الماليّة والإجراءات التي يعتمدها مصرف لبنان، لإمتصاص العملة الصعبة، وحماية إحتياطي العملات الصعبة لديه.

وبالأرقام، تبلغ قيمة سندات اليوروبوند التي ستستحق هذه العام مليارين و929 مليون دولار أميركي، بالإضافة إلى مليارين و149 مليون دولار من فوائد سندات اليوروبوند القائمة، وهو ما يجعل القيمة المستحقة الإجماليّة 5.078 مليار دولار. أمّا استحقاق هذه السندات فيتوزّع بين 23 نيسان و20 أيار و28 تشرين الثاني.

حلول محتملة
ثمّة العديد من الطروحات التي تتعلّق بطريقة التعاطي مع استحقاقات  سندات اليوروبوند المقبلة. لكنّ الطرح الأكثر تداولاً اليوم، هو التفاوض مع المصارف – المستثمر الأكبر في سندات اليوروبوند - لإعادة جدولة هذه السندات مع فوائدها، وفق استحقاقات  جديدة. لكنّ التفاوض هنا سيتعلّق بنسبة الفوائد، التي سيتم اعتمادها في إصدارات السندات الجديدة. فسندات الدين المستحقّة في 2019 تكلّف الدولة حاليّاً فوائد تتراوح بين 5.5 في المئة و6 في المئة، بينما العائد الذي يتطلّبه السوق اليوم على سندات اليوروبوند يلامس الـ10 في المئة، وهو ما سيستدعي، بالضرورة، رفع النسبة التي تدفعها الدولة كخدمة دين على هذه السندات. وبما أنّ إعادة الجدولة ستشمل الفوائد، بالإضافة إلى أصل الدين، سيرفع هذا الأمر قيمة السندات التي ستُعاد جدولتها، وهو ما سيرفع أيضاً قيمة فوائدها في المستقبل.

هذه الكلفة الكبيرة تستدعي الحديث عن طرح آخر، يتم الحديث عنه بعيداً عن الأضواء منذ فترة، ويتعلّق تحديداً بإعادة جدولة جزء من الدين، وفق اتفاق خاص وطوعي بين المصارف ومصرف لبنان ووزارة الماليّة. وحسب هذا الطرح، تعيد المصارف تمويل جزء من سندات اليوروبوند بفوائد شبه معدومة، على أن يسمح مصرف لبنان للمصارف بإستعمال جزء من الإحتياطي الإلزامي، المودع لديه بالعملة الصعبة، لهذه الغاية حصراً. مع العلم أنّ هذه العمليّة لن تحمّل المصارف كلفة إضافيّة، كون هذا الإحتياطي لا ينتج فوائد أساساً، وهي لن تكون المرّة الأولى التي يسمح فيها مصرف لبنان للمصارف بتنزيل جزء من قيمة هذا الإحتياطي. إذ اعتمدت عدّة صيغ من القروض المدعومة سابقاً على هذا النوع من العمليّات.

وقد يكون هذا الطرح المتداول هو المقصود بالكلام السابق لوزير الماليّة عن "إعادة هيكلة الدين العام"، والذي تسبب بحالة هلع في الأسواق، قبل أن يتراجع عن هذا الكلام من قصر بعبدا. مع العلم أن هذا الطرح – في حال إعتماده- سيكون كناية عن اتفاق طوعي بين الأطراف المنخرطة فيه. لكنّ هذا الاتفاق مازال حتّى الآن قيد البحث والدراسة، بانتظار الوصول إلى الصيغة الأفضل، من جهة قيمة وإستحقاق السندات الجديدة، بالإضافة إلى الحوافز التي سيتم اعتمادها لتشجيع المصارف على الإنخراط في هذا النوع من العمليّات.

شراء الوقت
تحدّي تمويل استحقاقات  سندات اليوروبوند، يعيد تسليط الضوء على الجزء الأكثر أهميّة من الأزمة الماليّة التي يمر بها لبنان، وهي مسألة التدفّقات النقديّة من الخارج، وتراجع السيولة بالعملة الصعبة. فهذا التحدّي الذي ضغط بدايةً على إحتياطي مصرف لبنان من العملة الصعبة، وتوافر السيولة التي يحتاجها السوق، هو نفسه يضغط اليوم على تمويل استحقاقات اليوروبوند.

لكنّ التعاطي الرسمي مع هذا الجانب من الأزمة، يشبه كل السياسات التي تم اعتمادها للتعاطي مع عناصر الأزمة الأخرى، وفق أسلوب شراء الوقت، والمعالجات المرحليّة المتفرّقة لكل مشكلة على حدة. وهي معالجات تحمل في طيّاتها كلفة كبيرة على الدولة، فضلاً عن كونها أساليب غير مستدامة للتعاطي مع الأزمة. وهو ما يدفعنا اليوم للاستنتاج بأن الحلول المطروحة قد تكون قادرة على تمرير هذا الإستحقاق بشق النفس، لكنّها غير قادرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، للخروج من المأزق الذي سنواجه تداعياته عاجلاً أو آجلاً.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019