إسرائيل تجمع ذكريات جيشها من هزيمة لبنان

أدهم مناصرة

السبت 23/05/2020


"انضم إلى المجموعة".. صفحة فايسبوكية باللغة العبرية تتخذ شكل المجموعة المُغلقة لأنها مخصصة بالدرجة الأولى للضباط والجنود الإسرائيليين ممن خدموا فترة احتلال جنوب لبنان.

المجموعة أنشأها الكاتب والمخرج الإسرائيلي ايلي شاحر؛ كي يوثق تجارب هؤلاء الضباط والجنود السابقين وشهاداتهم الشخصية والجَمْعِيّة في تلك المنطقة حتى حان موعد الانسحاب في الثامن عشر من مايو/أيار عام 2000، أي قبل عشرين عاماً.

وتعكس هذه المجموعة في موقع "فايسبوك" طريقة إسرائيلية جديدة هذه المرة في إحياء ذكرى تحرير جنوب لبنان بعد عقدين من الزمن، وبأسلوب مغاير عما دأبت عليه تقليدياً عند إحياء هذه الذكرى في السنوات التي مضت.. ففي هذه الذكرى لم يقتصر الأمر على مجرد نقل شهادات متفرقة لضباط وجنود خدموا في لبنان في تلك الحقبة، بل سجلت هذه المناسبة جهوداً غير رسمية في الدولة العبرية لـ"أرشفة" وتجميع هذه الشهادات ضمن صفحة فايسبوكية، او كتاب توثيقي، وحتى فيلم وثائقي.

 وعادت وسائل الإعلام العبرية هذا العام إلى صُناع القرار الاسرائيليين حالياً وأثناء احتلال هذا الجزء من الأرض اللبنانية ومروراً بالانسحاب عام 2000. فأجرت معهم سلسلة مقابلات خاصة تستذكر فيها ما جرى في لبنان، بينما ارتأى البعض الآخر صناعة أفلام وثائقية حول هذا الحدث. 

المخرج والمُنتج ايلي شاحر من ناحيته، رأى أن الأجدر إنشاء صفحة في فايسبوك، داعياً "جنود وضباط إسرائيل" الذين خدموا خلال احتلال جنوب لبنان، الى الانضمام الى الصفحة، وكتابة قصصهم الشخصية وذكرياتهم هناك. مع العلم أن شاحر الذي يعمل الآن كمخرج، كان قد عمل كضابط "هندسة قتالية"؛ الأمر الذي شكل دافعاً آخر له لإنشاء هذه الصفحة في التاسع والعشرين من آذار/مارس الماضي والتناغم مع هدف المؤسسة الرسمية.

شاحر فتح الصفحة الفايسبوكية لأنه لم يجد مثلها في الموقع الأزرق بعدما بحث عن واحدة كهذه ليكتب عن الحرب مع لبنان- كما يقول. وأثنى على الإقبال اللافت على الصفحة، لأنه ظنّ في بادئ الأمر أن عدد المنضمين للمجموعة الفايسبوكية سيصل إلى 200 مستخدم فقط، لكنّها استقطبت في أيامها الأولى نحو "خمسة آلاف" مستخدم عكس توقعاته، ثم أخذ العدد بالصعود.

اللافت، أن المجموعة الفايسبوكية سالفة الذكر مُصممة بطريقة "دقيقة" تتحقق من ماهية المنضمّين إليها ومعرفة كافة المعلومات الشخصية عنه.. وكي يحقق القائمون على هذه الصفحة غايتهم، فقد ربطوا الإنضمام تقنياً إليها بسلسلة من الخطوات؛ تبدأ أولها بالضغط على "انضم إلى المجموعة"، ثم الانتقال إلى ثلاثة أسئلة لا بُد من الإجابة عليها، ومن ثم مرحلة فحص الحسابات والمعلومات الشخصية لطالبي الإنضمام، حيث يقتصرون على جنود وضباط خدموا في لبنان إضافة إلى عائلات القتلى والمصابين الإسرائيليين خلال أحداث لبنان، وأيضاً مؤرخين وأكاديميين وصحافيين.

وبترجمة الأسئلة الثلاثة الممهدة للإنضمام للمجموعة، من العبرية إلى العربية، تتدرج الأسئلة من: "اين خدمت وبأي سنوات؟". و"في أي وحدة عسكرية خدمت؟"، بينما يقول السؤال الثالث: "مَن لم يجب عن الأسئلة- لن يصادق عليه بشكل اوتوماتيكي. المجموعة تستهدف من خدم في مواقع الجيش والعائلات الثكلى، باحثين في التاريخ وصحافيين مهتمين بالانضمام للمجموعة. نرجو التوضيح من أي هيئة أنتم، ما هدفكم، وسيتم نقل الطلب إلى مرحلة المصادقة عليه".

بعد تعبئة الأسئلة، يتم الضغط على "موافق"، ثم بعد ذلك إما يقرر مدير الصفحة بقبول طلب انضمام أو الرفض بعد إجراء التقّصي اللازم.. 

تحاول هذه المجموعة الفايسبوكية ان تضبط مضمون وسياق روايات وذكريات المنضمين ومشاركاتهم، إذ حذرت من "التجريح" أو "الشتم" أو "الاتهام". فقط عليهم رواية تجاربهم وذكرياتهم في لبنان لا أكثر.

يتضح من طريقة الصفحة وضوابطها، أن الغاية منها أن تكون أشبه بكتاب يروي مجمل تجربة الجنود الاسرائيليين في لبنان على صعيد معارك او حوادث، سواءً شخصية أو جمعية.. فاستعرضت مواقف وذكريات "تراجيدية" وحتى قصص ومواقف "مضحكة". 

ولكن، لماذا تهتم جهات إسرائيلية رسمية وغير رسمية بمواصلة توثيق شهادات الجنود والضباط الإسرائيليين خلال احتلالهم لجنوب لبنان بالرغم من مضيّ عشرين عاماً على واقعة الإنسحاب؟.. ألم تقم بتوثيقها قبل ذلك؟

يبدو أن ايلي شاحر كما غيره من الأطراف الإسرائيلية المهتمة أدركوا أن المنصة الافتراضية التي تطورت في السنوات العشرة الاخيرة، لا بد ان تكون منبراً لهذا التوثيق لأهداف متعددة، فتكون بمثابة مرجعية لكتب وأفلام وثائقية ولأشياء أخرى.

ويقول مختصون بالشأن الإسرائيلي لـ"المدن" إن هناك أسباباً عدة لتوثيق التجارب الشخصية والجمعية لجنود اسرائيل وضباطها خلال عملهم في جنوب لبنان؛ تتوزع بين شخصي لإتاحة الفرصة لهؤلاء كي يتغنوا بـ"اعتداءاتهم وجرائمهم" وطرحها كـ"بطولات" بالرغم مما واجهوا من "فترات صعبة" خلال القتال. 

وأما السبب الثاني، فهو الاستفادة من التجربة وتصويب الأخطاء. فيما يكمن السبب الثالث بتذكير الأجيال القادمة في إسرائيل بشكل مستمر بما تسميها "نماذج البطولة"، لا سيما وأن فلسفة العقيدة الامنية الإسرائيلية مبنيّة على مواصلة عرض "النماذج" هذه لتحقيق هدف استراتيجي من هذا التوثيق الرامي إلى إبقاء الحافز للأجيال من أجل التجنيد في جيش إسرائيل، خصوصاً وأن الدافعية للتجنيد تراجعت بالآونة الأخيرة.

ومن أجل ألا يكون أثر سلبي لتجربة لبنان على معنويات الأجيال الإسرائيلية الجديدة، فإن الجيش الاسرائيلي، قام الاسبوع الماضي بعرض ثلاثة أفلام قصيرة تتحدث عن نماذج بطولية وما يشبه "اعتزازهم" بالعمل في جيش إسرائيل..

وهذا طبعاً،  ليس عفوياً وانما ضمن خطة لانتاج الصهيونية الحديثة واستمرار عرض "النموذج"، وأن إسرائيل لا تنسى "مَن ضحّوا من أجلها".
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020