مي شدياق و "الفيروس الكلاس"

بتول خليل

الثلاثاء 24/03/2020
ما زال الجدل حول سبب ومصدر تفشي "كورونا" في لبنان، وتحميل التبعات للإصابات الأولى الوافدة، والتي عَبَر عن طريقها الفيروس إلى حدودنا، يحتلّ حيّزاً من النقاشات والسجالات في مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في وسائل الاعلام والبرامج التلفزيونية.


لكنه اليوم عاد بقوة وطفا على السطح عقب الاعلان عن إصابة الوزيرة السابقة، مي شدياق، بـ"كورونا"، ما جعل مجموعة من المشاركين تسعى لمحاولة النبش في إشكالية تحميل مسؤولية استجلاب الفيروس من خارج الحدود، من اعتبارات ومنطلقات سياسية وكيدية، الأمر الذي يلقي بضابية على الحقيقة ويجانب المنطق والانصاف، والخوض في سجالات تسعى للتشفّي والشماتة بزجّ ما تعرضت إليه شدياق في بازار تصفية الحسابات السياسية بل والطائفية.

ومع أن إشكالية المسؤوليات عن تفشّي "كورونا" في لبنان من المفترض أن يكون قد تم تخطّيها، كون الفيروس، شئنا أم أبينا، كان سيتسلل حتماً إلى مناطقنا وربوعنا، كما حصل في كلّ أنحاء العالم، تبقى النقطة التي يجب قراءتها وتحليلها والتعليق عليها لا تتعلق بمن أين أتى الفيروس بل هل جيء به إلينا، من مبدأ المكابرة والاستهتار والصلف والتبعية والتحدّي؟ أم من عجز السلطات وجبنها وتخاذلها؟ أم من كونه قدراً محتوماً، كان واقعاً بصرف النظر عن طبيعة الوقاية والإجراءات؟

وكانت شدياق قد أعلنت، الإثنين، عبر تغريدة نشرتها في حسابها في "تويتر"، أنها أصيبت بفيروس "كورونا" المستجد، وروت تفاصيل ما حصل معها قائلة إنّها عانت بعض الأعراض الشبيهة بأعراض كورونا بعد عودتها من باريس، الأسبوع الفائت، ما دفعها إلى الالتزام بالحجر المنزلي. وإنها قصدت مستشفى "أوتيل ديو"، السبت الماضي، وتم إبلاغها يوم الأحد بأنّها مصابة بالفيروس. وأضافت شدياق قائلةً إنّها بُلغت بضرورة الحضور إلى المستشفى لتلقي العلاج، وقالت إنّ حالتها ليست حرجة، مشيرةً إلى أنها ستنضم قريباً للأشخاص الذين تعافوا بشكل كامل.

فور انتشار الخبر حشدت مجموعة من المغردين المحسوبين على محور الممانعة، كما دأبت عادتهم، بإطلاق أفعال الشماتة والتشفّي واستغلال أي حدث، مهما كانت حساسيته أو طبيعته ضد المعارضين والسياسيين، والذين رأوا في الهجوم على شدياق فرصة لا تعوّض، باعتبارها من الأصوات التي طالما عبّرت عن رفضها واعتراضها على سياسات المحور الذي يأيدونه، بأسلوبها الخاص الذي يصفه البعض بالحاد والشرس، وهو الأمر الذي يحفّز هذه النوعية من المغردين بالذهاب بعيداً بالتهجّم الشخصي والترهيب، مستنبشين كلّ مصطلحات التجريح والتنمّر والإهانات الشخصية، والتي أبعد ما تكون عن النقاش الراقي أو النقد القائم على الحجج المدعمة بالدلائل والوقائع.

لكن المتغيّر الأبرز الذي طرأ على نقاش اليوم هو مطالبة مجموعات من حاملي لواء التشهير والافتراء، بمحاكمة شدياق تحت حجّة "استهتارها بصحة المجتمع اللبناني"، حيث غرّد أحدهم قائلاً: "شاطرين بس عالفقراء يللي مضطرين ينزلوا يشتغلوا حتى ما يموتوا الجوع هني وأولادهم"، فيما قام آخرون بالتذكير بتغريدة سابقة لشدياق انتقدت فيها سماح السلطات اللبنانية بوصول الطائرة الآتية من إيران، والتي سجّلت بعدها أول إصابة بفيروس "كورونا" في لبنان. وقالت شدياق وقتها: "إلى متى سنبقى ضحايا استقواء حزب الله؟ عدم حظر الرحلات من إيران، طائرة الـ170 راكباً وتجاوزات الحدود البرية دليل جديد على تحكمهم بمصير الوطن! ما ذنب اللبنانيين أجمعين ليدفعوا الثمن؟ ماذا يخفون عن عدد الإصابات، هوية الركاب، وخفايا المستشفيات. إصرارهم على حقيبة الصحة لم يكن يوماً بريئاً". 

السبب الأساسي لاستهداف شدياق أبرزته تغريدات اعتبرت أنها هي التي ألقت باللوم على إيران، متهمة إياها بإرسال كورونا إلى لبنان، "هي اليوم تطوعت بجلب الفيروس إلى البلد، وتقوم بتهديد صحة اللبنانيين". فيما قال آخرون: "هل مسموح نجيب كورونا من فرنسا كونه فيروس كلاس؟". وقالت مغردة: "إذا ما كان لازم نستقبل عالم من بلدان موبوءة يعني ما كان لازم نخلّي مي شدياق ترجع عبلدا؟ ولّا كورونا فرنسا كلاس وكورونا إيران نياعئ". فيما خاطب البعض شدياق شامتين بالقول: "شفتي كيف الدنيا دولاب".

الرد على المتنطحين بطرح هذا النوع من الأسئلة والزاوية التي قاربوا الموضوع من خلالها، تتلخص بالسؤال الآتي، هل القضية حول الاصابات التي سجلت في لبنان بفيروس "كورونا" هي المصدر والجهة التي أتى منها، أم الكيفية التي كانت السبب لاستيراده؟ إذ أن هناك فرقاً شاسعاً بين ما بدا جرماً قائماً على الفعل العمد والواعي والمقصود، وبين أن يحصل ذلك كقضاء وقدر، بمعنى آخر أنّ أساس الاتهام يجب أن يتوجّه إلى ذوي القرار من أصحاب التسلط السياسي، ممن كانوا يدركون كلّ الإدراك أن إعطاء الضوء الأخضر لطائرة تقل أكثر من 100 راكب آتين من بلد تفشّى فيه الفيروس بشكل مخيف، سيجعل الشعب اللبناني عرضة لخطر الإصابة وتفشيها، وهو ما أطلق الشرارة الأولى لانتشار موجة الإصابات بالفيروس بين اللبنانيين.

في حين أنّ حالة شدياق لا تعدو كونها مواطنة عادت إلى بلدها من الخارج لتفاجأ بعوارض الإصابة بـ"كورونا"، وتسارع بعدها إلى عزل نفسها ووقاية من حولها. وليس ذلك دفاعاً عن مي شدياق، بل عن رجاحة العقل والمنطق، التي تدرك كم أنّ صحّة الشعب اللبناني رخيصة بالنسبة للسلطة وحكومتها، وكم أنّ التبعية لإيران موغلة في العمق ولو على حساب أي شيء.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020