وفاة إسم ثلاثي

المدن - ميديا

الثلاثاء 18/06/2019
فوق خبر يقول عنوانه "زوج يلقي بزوجته من الطابق الثالث بمحكمة بركة السبع"، وإلى يَسار خبر عن "حبس متهمين بسرقة 700 ألف جنيه"، حشرت جريدة "الأهرام" في أصغر مساحة ممكنة الخبر، الذي تصدر –خارجها- صحف ومواقع الأخبار في العالم. مات محمد مرسي، الرئيس السابق، أو الأسبق (باحتساب مدة الرئيس المؤقت عدلي منصور)، الرئيس المعزول أو المخلوع.


تعددت الصياغات في وسائل الإعلام، التقليدية منها أو "الأونلاين"، مواقع الانترنت وصفحات "فايسبوك" وحسابات "تويتر"، لكن أياً من أوصاف مرسي الرسمية، أو حتى السياسية، لم تعرفها صحيفة "الأهرام" وشقيقاتها من وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية في مصر. نشرت جميعها خبر الوفاة على هذا النحو "المجرد" (توفي محمد مرسي العياط أثناء محاكمته في قضية التخابر).

خلافاً لبلاد الشام وغيرها من دول العالم العربي، وباستثناءات قليلة، لا تعرف مصر تقليد "اسم العيلة". يشار إلى المواطن عادة –في الأوراق الرسمية وغيرها- بالاسم الثلاثي البسيط، ابن/ أب/ جد. يتقلص الاسم الثلاثي إلى ثنائي كلما زادت شهرة الشخص، أو حيثيته في المجال العام، فيجري عادة حذف الاسم الأول، خصوصاً لو كان شائعاً جداً مثل "محمد". هكذا، حذف "محمد" من محمد حسني مبارك، ومحمد أنور السادات، أو حتى من أسماء شعراء بارزين مثل محمد صلاح جاهين ومحمد أمل دنقل. بل أن الاسم الأول حذف من الشهرة الثنائية لمحمد مرسي نفسه، فصار في المعتاد "مرسي"، قبل أن تعيده "الأهرام" ومثيلاتها إلى الاسم الثلاثي في خبر الوفاة، في صفحاتها الداخلية، وفي شاشات التلفزيونات الرسمية في بث العاجل أو شريط الأخبار.

ولا يلبث التناقض الساخر أن يكشف عن نفسه هنا. فإحالة مرسي إلى اسمه الثلاثي مع تجريده من أوصافه، الجيد منها والسيء، الرسمي منها والعرفي، وإن كان مقصوداً منه "تصغير" الخبر كأنما يخص مواطناً عادياً، كان هو الفعل نفسه الذي خلق التأثير العكسي. إذ، من هو ذاك المواطن العادي، الذي تلتزم بنشر خبر وفاته الصحف كلها في غير صفحات النعي المدفوع؟

إن الأسماء كلها، أسماء الأشخاص وأسماء الحوادث، تكتسب تأثيرها لا من عدد حروفها بل من ثقل ما تمثله وتشير إليه: مات رئيس مصري أسبق (للمرة الأولى يموت رئيس مصري بعدما صار أسبق). مات الرئيس المنتخب، الرئيس المدني.

في المقابل: مات الرئيس الإخواني، الإسلامي، رئيس "الجماعة"، كلها مسميات صحيحة مهما تعارضت، ضجّت بها الصحف الرسمية بصياغتها الموحدة التي تصدر عادة عن المنبع نفسه، واكتفت بالاسم الثلاثي. فهو صحيح أيضاً. لكنها، في ذلك الموقف، صِحّة الكوميديا السوداء. 

ثمة طرفة كانت تُروى في عهد حسني مبارك. فقد أهدوه سلحفاة نادرة، وقالوا له: هذه السلحفاة تعيش أكثر من 200 عام، فقال لهم مبارك: سنرى!

عادت تلك الطرفة إلى الحياة أمس، بعد موت محمد مرسي، الأصغر من مبارك بربع قرن، أعادتها صفحات الكوميكس، بحسّها العدمي ونظرتها الساخرة إلى كل شيء.

لكن بعض تلك الصفحات، فضلاً عن صفحات أخرى رياضية وغيرها متنوعة، نَعت مرسي أمس بألفاظ وجدها كثيرون إسلامية، وفي حين اعتبر البعض ذلك دليلاً على "شعبية" الراحل، ووجدها آخرون إشارة على سيطرة "الإخوان" الخفية على الكثير من صفحات "فايسبوك"، سيطرة يظهر تأثيرها في أوقات بعينها لصنع رأي عام.

وأياً كان، ففي بلاد الكبت الإعلامي، لا يرى الناظر إلا ألغازاً في ألغاز، ولا يقرأ إلا شفرات وإشارات يكملها في ذهنه، ولا يعبّر إلا عبر الهزل السوداوي، ومنه الحادثة التي نشرتها "الأهرام" إلى جوار خبر وفاة "محمد مرسي العياط" في المحكمة. فالزوج الذي ألقى بزوجته من الطابق الثالث، فعل ذلك في المحكمة أيضاً، ما استلزم من "الأهرام" 14 سطراً لكتابة تفاصيل الحادثة، بينما منحت وفاة "محمد مرسي العياط" 5 أسطر لا غير.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019